أخيراً ، استطاع "كواك يون " رفع اللبنات التسع جميعها ، مُصطفةً بانتظامٍ بين يديه.
"يا للروعة! هنيئاً لك! "
"كنت أعلم أنك ستنجح في نهاية المطاف! "
تعالت هتافات تلاميذ طائفة "وودانغ الأبدية " معاً ، مُهنئين "كواك يون " على إنجازه. و لقد كان تحولاً ملحوظاً عما كان عليه الحال سابقاً ؛ فبمرور الوقت ، تبلورت بينهم روح زمالة حقيقية. و لكن لسبب ما لم تكن ملامح "كواك يون " مشرقةً تماماً. فقد تلاشت وعود "اللكبير العظيم " بإجراء تحقيقٍ عبر "قاعة الأصول " دون سابق إنذار أو تفسير ، فلم يعد هناك ما يدعو للقلق فعلياً.
حاول "سيوك جانغ سان " تلطيف الأجواء ، فقال "مهلاً يا رفاق ، كفى هذا. "
استغرب "جيونغ إي-تشو " وسأله "ماذا ؟ ماذا تقصد بكفى يا جانغ سان ؟ "
تمتم "سيوك جانغ سان " بضجر "كنتم تصفقون كالمجانين في كل مرة يضيف فيها طوبه. فاستمروا على هذا المنوال وستفسدون الصبي. "
ضحك "جيونغ إي-تشو " قائلاً "ها هو يعود من جديد ، يمتعض لأن أحداً لم يصفق له. "
رد "سيوك جانغ سان " "لا أخفيكم سراً ، أشعر ببعض التجاهل. لا أحد يولي اهتماماً للطالب المتفوق ، فكيف يمكن لهذا أن يحفز أحداً ؟ "
عقب "جيونغ إي-تشو " "ها قد عاد مجدداً! غرور الطالب النخبة تماماً كما كان الحال في قاعة تدريب ’بيونغ-غيب‘. أنت تعاني من حالة مستعصية يا رجل. "
أجاب "سيوك جانغ سان " "أنتم من تمارسون التمييز ؛ كل الحب والدلال لـ ’كواك يون‘ ، أما بالنسبة لي ؟ لا شيء! "
"يا رجل! ألا تشعر بالسوء لكونك تأتي في المركز الأول دائماً ؟ "
"وما الذي يستدعي الشعور بالسوء ؟ إن لم تستطع مجاراتي ، فهذا ذنبك أنت. "
رفع "جيونغ إي-تشو " يديه مستسلماً وأطلق تصفيقاً مبالغاً فيه "هاك! خذ تصفيقك! "
ضحك الآخرون وانضموا إليه ، يصفقون ويهتفون. ورغم أنهم أظهروا الأمر كدعابة إلا أن تصفيقهم كان صادقاً. لطالما كان "سيوك جانغ سان " هو من يقود الطريق ويُريهم المسار ، بل وكان يلمح لهم ببراعة ببعض الحيل ليسهل عليهم المتابعة. ومع ذلك لم يثنِ عليه أحد حقاً من قبل ؛ لأن الفجوة بينه وبين البقية كانت تبدو سحيقة.
في المقابل كان "كواك يون " دائماً شخصاً يشجعونه بحماس. فرغم بنيته الأضعف مقارنة بهم كان يسبقهم دائماً ، وكانوا يعملون بجد محاولين الاقتداء به. و لقد أدركوا جميعاً مقدار نموهم بفضل "كواك يون " وإن لم يترجموا ذلك إلى كلمات من قبل. وهذا التقدير تجلى الآن في دعمهم المتحمس له.
بعد أن خفت حدة المزاح ، تفرق تلاميذ "وودانغ الأبدية " للتركيز على الجوانب التي لا تزالون يفتقرون إليها. اقترب "سيوك جانغ سان " من "كواك يون " وقال "هيا ، أرخِ ملامح وجهك قليلاً. "
رد "كواك يون " "وما الذي يستدعي الفرح ؟ "
"لقد أتممت تقنية ’راحة اليد في القصور التسعة‘ ، أليس كذلك ؟ "
"نعم ، بطريقة ما. غالباً بفضل القوة الغاشمة. "
"مهلاً ، قوة غاشمة ؟ لا تقل لي... أنك لا تزال لا تشعر بأي ضغط للطاقة الداخلية ؟ "
أومأ "كواك يون " بالإيجاب "ولا حتى بصيص. "
"لكن تقنية ’راحة اليد في القصور التسعة‘ لا يمكن إتمامها ما لم تربط بين اللبنات باستخدام ضغط الطاقة الداخلية. "
"بالضبط. "
صُممت تقنية "راحة اليد في القصور التسعة " لتعزيز حدة البصر ومساعدة الممارس على تحديد نقطة توازن القوة ، لكن غرضها الحقيقي هو إيقاظ ضغط الطاقة الداخلية لدى المبتدئين في تدريبات الزراعة الروحية. فمن خلال صف اللبنات التسع وربطها بضغط الطاقة ، يمكن للتلميذ أن يختبر مسار تلك القوة ويتعرف عليه مباشرة ؛ إنها البوابة نحو تدريب الطاقة الداخلية الكامل.
كان إمساك اللبنات التسع في خط واحد بين اليدين أمراً بالغ الصعوبة ؛ إذ يدفع الجهد المبذول لخلق خط رابط بين الذراعين الجسدَ إلى أقصى حدوده ، وعند تلك الذروة ، يتدفق ضغط الطاقة الداخلية طبيعياً من الـ "دانتيان ". علاوة على ذلك أدرك "كواك يون " أن فرد ذراعيه في وضعية "المابو " يفتح جميع المسارات الحيوية الرئيسية. و في تلك اللحظة ، شعر بدهشة صامتة إزاء كيف جعلت "وودانغ " من هذه التقنية حجر الأساس.
*لا عجب أنهم يدعونها طائفة مرموقة.* فقد راكموا فهماً تشريحياً عميقاً ومعرفة قتالية واسعة عبر الأجيال ، ودربوا تلاميذهم بأسلوب منهجي حقاً. يُقال إن كل فنون القتال في العالم تعود أصولها إلى "شاولين " لكن فلسفة القتال الحقيقية تسكن في "وودانغ " ؛ ولم يكن ذلك مبالغة. ففنون الطاقة الداخلية "تايجي " مستقرة وموثوقة ، مما يجعل الفشل في تدوير الطاقة أمراً شبه مستحيل ، كما أن تدريبهم على نقاط الضغط وقنوات الطاقة يتسم بالدقة المنهجية.
ومع ذلك شعر "كواك يون " بإحساس متزايد بضآلة قيمته ؛ لعلمه بأنه ما زال عاجزاً عن استشعار أثر واحد لضغط الطاقة الداخلية.
"إذن كيف أتممت التقنية ؟ "
"استخدمت خط القوة. أتذكر ما قاله المعلم ’هيونمون‘ ؟ ’لا تحاول استشعارها ، بل أبصرها واستخدمها‘. "
كان "سيوك جانغ سان " على دراية غامضة بهذا المفهوم ، فقد رأى خط القوة من قبل أيضاً. ومع ذلك لا ينبغي للقوة الجسديه الخام وحدها أن تكون يكفى لإتمام التقنية.
قال "كواك يون " "الحيلة تكمن في الاستمرار في تغيير نقطة توازن القوة. "
عند سماع ذلك أصابت "سيوك جانغ سان " لحظة تجلٍ مفاجئة "آه! الحركة التي لا تسقط ؟ "
"بالضبط! إنها أشبه بتقنيات ’كرة التايجي‘. "
"أنت مجنون! هل اكتشفت مبادئ التايجي داخل تقنية القصور التسعة ؟! "
"في الواقع ، أعتقد أن مبدأ التايجي موجود في كل فن قتالي. "
"...ما الذي تقوله الآن ؟ أليس هذا مبالغة ؟ "
"لا. هناك سبب يجعلهم يقولون إن التايجي هو أصل كل شيء ، هو المصدر الواحد. "
"... ؟ "
"ألم نتعلم أن كل حركة تعود في النهاية إلى إيجاد نقطة توازن القوة ؟ لهذا نتدرب بالكرة ؛ لنفهم كيفية إيجاد ذلك التوازن. "
"إذن فنون القتال... تدور حول التحرك المستمر لإيجاد نقطة التوازن تلك ؟ "
"أجل ، لأنك بمجرد أن تتوقف ، ستسقط. "
"آه! إذن إذا استطعت تحديد نقطة توازن القوة ، يمكنك حتى توقع حركات خصمك. "
"نظرياً ، أجل. "
تنهد "كواك يون " وتابع "تمكنت من إنهاء التقنية بالإرادة والعضلات ، لكن من هذه النقطة فصاعداً ، تدريب ’راحة اليد السطحية‘ يعتمد كلياً على ضغط الطاقة الداخلية ، وهذا ما يقلقني. "
قال "سيوك جانغ سان " "مهلاً ، ما فعلته مثير للإعجاب حقاً. أراهن أنك أول شخص يكمل هذه التقنية بالعضلات فقط. تخيل كيف ستكون حين تمتلك ضغط الطاقة الداخلية! "
"جانغ سان ، هناك شيء لم أخبرك به. "
"...أوه ؟ "
اعترف "كواك يون " أخيراً بأنه منذ عودته من "قاعة الإنضباط " كان يمارس "زراعة الطاقة في وضع الوقوف " كل يوم. و اتسعت عينا "سيوك جانغ سان " ذهولاً.
"ظننت أنك كنت محبطاً حين لا تجيب أحياناً... تبين أنني كنت أقلق بلا سبب. "
"لم أرغب في الضغط عليك. فكنت تبلي بلاءً حسناً ، وفضلاً عن ذلك لم أكن أضمن نجاح الأمر. والآن عرفنا النتيجة: إنها لا تجدي. "
"هيا ، لا يمكن أن تكون عديمة الفائدة تماماً. "
"منذ بدأت ممارستها ، أشعر بإرهاق أقل وانتعاش أكبر. و لكن... هذا كل شيء. وتلك هي المشكلة. "
كان "كواك يون " قد أصبح بارعاً في الزراعة في وضع الوقوف ، وكانت سرعة دورانه تقارب سرعة أولئك الذين يمارسونها في وضع الجلوس. و لهذا كان يعلق الآمال ، لكن حتى الآن كان "الدانتيان " لديه ما زال خاملاً تماماً.
قال "سيوك جانغ سان " "مع ذلك بفضل ذلك تمكنت من إكمال التقنية. "
"وما الفائدة من ذلك ؟ الغرض من تدريب تدوير الطاقة هو تراكم ضغط الطاقة الداخلية ، أليس كذلك ؟ "
"يا كواك يون ، صحيح أنك متأخر قليلاً ، لكن ما زال أمامك وقت. ودراسة صيغة ’راحة اليد السطحية‘ تستغرق وقتاً أيضاً. "
ورغم قوله ذلك شعر "سيوك جانغ سان " بالإحباط ؛ فإذا كان "كواك يون " لا يستطيع إيقاظ ضغط طاقته الداخلية ، فلا شيء بيده لمساعدته.
*ماذا بحق الجحيم لا يراكم "الدانتيان " الخاص بك الطاقة ؟*
بصفته من عائلة قتالية كان "سيوك جانغ سان " يعرف عن المسارات المقطوعة. هل هذا ما يعاني منه "كواك يون " ؟ لكنه لم يطاوعه قلبه لقول ذلك ؛ فذلك سيعني قطع كل أمل لدى صديقه.
"أعتقد أنه ربما أثر جانبي لممارستي المتهورة لخريطة المسارات السماوية. "
"يا رجل ، كنت تتخيل فقط أن هذا هو السبب. "
"هذا ما ظننته في البداية أيضاً. و لكن مهما نظرت للأمر ، هذا هو الشيء الوحيد الذي فعلته بشكل مختلف عنكم جميعاً. "
سأل "سيوك جانغ سان " والقلق يكسو ملامحه "أنت لا تزال تمارسها ، أليس كذلك ؟ "
"بالطبع لا.و الآن ونحن نتعلم الزراعة الداخلية الصحيحة ، لا يوجد سبب لذلك. "
"جيد. و هذا مريح. "
***
بمجرد أن بدأت المحاضرة الرئيسية لـ "راحة اليد السطحية " تعمق شعور "كواك يون " باليأس ؛ فتماماً كما كان يخشى كان التدريب بأكمله يتمحور الآن حول ضغط الطاقة الداخلية.
"من هذه النقطة فصاعداً ، ستتعلمون كيفية التلاعب بالطاقة الداخلية. و هذه هي البداية الحقيقية لفنون وودانغ القتالية ، فلا تتهاونوا بها. "
دخل المعلم "هيونمون " في صلب المحاضرة مباشرة دون مقدمات.
"الطاقة المتراكمة في الـ ’دانتيان‘ تسمى القوة الداخلية (ناي-غيونغ) ، والطاقة المتراكمة في كل مفصل عضلي تسمى القوة الخارجية (وي-غيونغ). ثم ضغط الطاقة الداخلية يشمل كلاهما ، لكن القوة الخارجية يصعب بناؤها ما لم تُستخدم أساليب متقدمة. لذا كمبتدئين ، ستركزون فقط على القوة الداخلية. و من الآن فصاعداً ، حين أشير إلى ’الغيونغ‘ (القوة) ، فأنا أقصد ضغط الطاقة الداخلية. هل هذا مفهوم ؟ "
"نعم يا معلم! "
صرخ "كواك يون " بصوت أعلى من أي شخص آخر ، فقد كان عازماً على بلوغ تراكم الطاقة مهما كلف الأمر.
"حين يتحرك البشر ، فإنهم يستخدمون دائماً قدراً معيناً من القوة الجسديه. و هذا يعني أن ضغط الطاقة الداخلية وحده لا يكفي لتحريك الجسد. بعبارة أخرى ، ’الغيونغ‘ هو اندماج ضغط الطاقة الداخلية والقوة الجسديه. و الآن تعرفون لماذا أكدت على التدريب المادى كثيراً حتى الآن. "
لمعت عيون تلاميذ "وودانغ الأبدية " ؛ فقد أدركوا الآن أن كل التدريبات الجسديه القاسية لم تكن سوى تحضير لهذه اللحظة.
"حين توجه طاقتك الداخلية بصدق للمساعدة حيث تُستخدم العضلات ، ستطلق قوة أعظم بكثير. ذلك هو ’الغيونغ‘. ربما سمعتم هذا أكثر من مئة مرة: ’حيث يذهب العقل ، تتبعه الطاقة ؛ وحيث تتدفق الطاقة ، تتجلى القوة‘. هل تعرفون لماذا أذكر هذا قبل أن نبدأ حتى ؟ "
"...... "
"سيوك جانغ سان ، أجب. "
"لأنها جوهر كل أساليب الزراعة الداخلية ؟ "
"لا يكفي. جيونغ إي-تشو ؟ "
"لأنها تشكل أساس دراسة القوة الداخلية ؟ "
"هذه نفس الإجابة. كواك يون ؟ "
ولأنه كان مهووساً منذ فترة طويلة بنظرية المسارات والحركة العضلية لم يفكر "كواك يون " فيما قد يحاول المعلم "هيونمون " الاستفسار عنه ، بل تحدث ببساطة من فهمه الخاص.
"بما أن ’الغيونغ‘ مزيج من قوة العضلات و’التشي‘ ، افترضت أنك كنت ستشرح كيف تحدد نسب ذلك المزيج مستوى القوة. "
"إجابة قريبة ، لكن الأمر لا يقتصر على النسب ؛ فتصنيف ’الغيونغ‘ يتغير أيضاً بناءً على كيفية تطبيقه. "
أومأ المعلم "هيونمون " برضا وتابع "حين تميل النسبة لصالح القوة العضلية ، تسمى القوة الناتجة ’القوة الصلبة‘ ، وحين تميل لصالح ’التشي‘ ، تسمى ’القوة اللينة‘. وحتى لو كانت لتقنيتين نفس القوة التدميرية ، فإن تلك التي تستخدم عضلات أقل وطاقة ’تشي‘ أكثر تُعتبر من الدرجة الأعلى. كواك يون! "
نادى عليه المعلم مرة أخرى "هل فكرت يوماً لماذا يعد ذلك صحيحاً ؟ "
انتقى المعلم كلماته بعناية ؛ فبدلاً من أن يسأل "ما رأيك ؟ " سأله "هل فكرت في الأمر ؟ " لأنه كان يستشعر بالفعل أن معرفة "كواك يون " بالمسارات وتدفق الطاقة استثنائية. حيث كان هذا النوع من التبادل بين المعلم والتلميذ -سؤالاً وجواباً- أسلوباً تعليمياً تقليدياً في "وودانغ " وقد كشف بمهارة عن التقدير المتزايد الذي يكنّه "هيونمون " لـ "كواك يون ".