Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

زراعة الفراغ 287

286- +


استفاق "غراي " بعد وقت قصير.

بمجرد أن عادت إليه حواسه ، انفجر ألمٌ حادٌّ داخل جمجمته ؛ فكان رأسه ينبض بعنف ، وكأن كل جزء من جسده يصرخ من شدة الوجع ، كما لو أن عظامه قد سُحقت ثم أُعيد ربطها ببعضها بشكلٍ مشوه.

ارتجفت جفونه قليلاً قبل أن ينفتحا ببطء. حيث كان أول ما وقعت عليه عيناه طيفاً أبيض يقف على مسافة غير بعيدة ، يراقبه في صمت.

لقد كان ذلك الشاب ذو الشعر الأبيض.

كانت ملامحه شاحبة ، تكاد تقترب من لون الموت ، وكان جسده مغطى بخطوط من الدماء الجافة التي كانت بعضها -بوضوح- دماءه الخاصة. ولكن في اللحظة التي فتح فيها "غراي " عينيه ، ارتسمت على شفتي الشاب ابتسامة عريضة ببطء. ودون أن ينبس ببنت شفة ، أخرج تفاحة من مكان ما ورفعها نحو فمه ببساطة.

في اللحظة التي رأى فيها "غراي " الشاب بوضوح ، سرى بردٌ قارس في عموده الفقري ، وتخطى قلبه نبضة من الفزع. وبدافعٍ فطريٍّ محض ، أجبر "غراي " جسده المحطم على الجلوس منتصباً.

لكن بمجرد أن تحرك ، اجتاحت جسده موجة عنيفة من الألم ؛ فشعر كأن صدره قد سُحق تحت وطأة جبل ، وأخذت عظامه تئن احتجاجاً ، وسرعان ما غرق عقله في ضبابٍ من العذاب. أصبح تنفسه متقطعاً بالكاد يجعله محتفظاً بوعيه.

وعندما رأى الشاب هذه الحالة المزرية ، اتسعت ابتسامته أكثر ، ثم رمى شيئاً ما نحو "غراي " بعفوية. تقلصت حدقتا "غراي " وكانت غريزته الأولى هي المراوغة أو الهروب ، لكن جسده كان أضعف من أن يفعل ذلك وقد طار الشيء في الهواء بسرعة مرعبة ؛ فحتى لو أراد تجنبه ، فإن حالته الراهنة جعلت الأمر مستحيلاً.

استقر الشيء في كفي "غراي " تماماً. خفّض بصره ليرى جوهرة بيضاء صغيرة تستقر بين يديه ، وفي اللحظة التي لمستها حواسه الروحية ، اتسعت عيناه قليلاً.

فداخل تلك الجوهرة البيضاء كان هناك هالة حياة مكثفة تنبض بهدوء ؛ هالة غنية ، مفعمة بالحيوية ، وفائضة بقوة حياة نقية. حيث كانت الطاقة بداخلها مكثفة لدرجة أنها بدت وكأنها قلبٌ ينبض.

أدرك "غراي " فوراً أنه لو امتصها ، فإن الزراعة الخاصة به ستتصاعد بسرعة مذهلة ، والأهم من ذلك أن "فنون شيطان الحياة " داخل جسده ستتعافى بوتيرة لا تصدق. ومع ذلك لم يتقبلها "غراي " على الفور ؛ بل غمره الارتباك ، وتراجع ببطء إلى الوراء ، ملقياً بنظرات حذرة على الشاب ؛ إذ كانت غريزته تحذره من أن ثمة خطباً ما.

على أن الشاب ذا الشعر الأبيض اكتفى بالنظر إليه بصمت دون أن ينطق بكلمة واحدة.

وعندما كان "غراي " قد استيقظ آنفاً ، مدَّ حواسه الروحية غريزياً لمسح المحيط ، فكان ما اكتشفه كفيلاً بأن يغرس اليأس في قلبه ؛ فلم يستطع استشعار هالة القائدة ، ولم يستطع استشعار "روكسان " أيضاً. حيث كانت ساحة المعركة بأكملها تبدو خالية بشكل غريب ، مما جعل شعوراً عميقاً بالخوف يتسلل ببطء إلى صدره.

لكن في اللحظة التي بلغ فيها التوتر ذروته ، سُمع صوت قرمشة ؛ فقد أخذ الشاب قمة كبيرة من التفاحة.

تجمد "غراي " فجأة ، وعقد حاجبيه وهو يحدق في الشاب. تلك الطريقة في الأكل ، تلك الوضعية المسترخية ، تلك القمة العفوية ، وتلك الابتسامة العريضة التي لم تفارق وجهه ؛ كان كل ذلك مألوفاً بشكل لا يصدق ، يكاد يطابق تماماً الطريقة التي كانت القائدة تأكل بها تفاحها حتى التعبير الذي كان ترتسم به ملامحها كان هو نفسه.

ارتجف عقل "غراي " فجأة ، وبذهول ، فتح فمه ونطق كلمة واحدة بحذر "فيوليت ؟ "

كانت "فيوليت " هي الاسم الحقيقي للقائدة ، لكن "غراي " لم ينادها به قط ؛ فلطالما كانت بالنسبة له هي "القائدة " تلك التي قادت قسمهم في مدينة "سكاي ميست ".

وما إن سمع الشاب ذلك الاسم حتى اتسعت ابتسامته أكثر ، وضحك بخفوت قبل أن يأخذ قمة أخرى من التفاحة. وقال ببساطة وهو يمضغ "ظننت أنك لن تعرفني يا غراي الصغير. هل ظننت أنني سأنسى من أكون بمجرد حصولي على جسد جديد ؟ وكيف عرفت أن اسمي فيوليت ؟ "

بسماع تلك الكلمات ، تلاشى التوتر الذي كان يعتصر صدر "غراي " أخيراً. و تجاهل "غراي " كلماتها الأخيرة وخرج زفيرٌ طويل من شفتيه ، وانقشع الضغط الذي كان يكتم أنفاسه منذ استيقاظه.

'إن كانت هذه هي القائدة... فهذا يعني أنهما لابد قد هزما ذلك الشخص الآخر الذي نزل من شعاع الضوء ذاك '.

حلل "غراي " الموقف بصمت وهو يمسح ساحة المعركة من جديد ؛ فقد كانت المنطقة بأكملها مدمرة ؛ الأرض محطمة ، والحفر الكبيرة تملأ الأرجاء ، وما زال الهواء يحمل آثار تقلبات روحية عنيفة من المعركة السابقة. وغير بعيد عن المكان الذي يجلس فيه ، لاحظ "غراي " شيئاً آخر ؛ كومة صغيرة من الرماد تغطي الأرض ، بدت كبقايا جسدٍ أُحرق تماماً.

توقفت نظرات "غراي " عندها للحظة ، ثم نظر إلى الجوهرة البيضاء التي لا تزال تستقر في كفه. ببطء ، بدأت القطع تتجمع ، وومض الإدراك في عقله.

دون إضاعة المزيد من الوقت ، جلس "غراي " فوراً متربعاً وبدأ في تدوير تقنية الزراعة الخاصة به. حيث كان بحاجة للتعافي ؛ فالمعركة مع الشاب سابقاً قد دفعته إلى ما يتجاوز حدوده. وفي تلك اللحظة كان صدره غائراً للداخل بشكل ملحوظ ، وكانت الدماء تستمر في النزف من عدة جروح في أنحاء جسده. حيث كان تنفسه ضحلاً ، وأقل حركة كانت تسبب موجات من الألم تجتاح كيانه.

بمجرد أن بدأ في الزراعة ، سالت دفعة أخرى من الدماء من زاوية شفتيه ، وشحب وجهه فوراً. اجتاحته موجة قوية من العذاب مجدداً ، لكن "غراي " سرعان ما ثبت عقله وقمع الألم بقوة ؛ فقد عانى ما هو أسوأ من قبل.

خلال الوقت الذي كان فيه فاقداً للوعي كانت الكريستالة الأرجوانية داخل جسده قد بدأت بالفعل في إصلاح بعض الأضرار. والآن ، تحت تأثير دورة تقنية الزراعة ، تسارع الشفاء ؛ فبدأ لحمه يتجدد ببطء ، وبدأت العضلات الممزقة تعود للالتئام حتى الأعضاء التي تمزقت سابقاً وتحولت تقريباً إلى أشلاء بدأت في التماثل للشفاء ببطء.

كانت عملية مؤلمة للغاية ، لكن "غراي " تحملها بصمت.

غير بعيد كانت القائدة -التي تحتل جسد الشاب الآن- تقف بهدوء وتراقب. فظهرت نظرة خفيفة من القلق على وجهها بين الحين والآخر ، ولكن امتزج مع ذلك القلق شيء آخر ؛ الفضول. و في بعض الأحيان كانت تحرك أصابعها ، أو تبسط ذراعيها ، أو تغير وضعيتها قليلاً ، إذ كانت بوضوح لا تزال تتأقلم مع الجسد الجديد الذي استولت عليه. ومن وقت لآخر كانت تألق في عينيها نظرة دهشة ، وكأنها لا تزال مذهولة بالقوة التي يحتويها هذا الوعاء الجديد.

لاحظ "غراي " ذلك بالطبع ، لكن رغم فضوله ، قاوم الرغبة في طرح الأسئلة ؛ ففي الوقت الراهن كان استعادة قوته أهم بكثير.

مرت ساعات عدة ، وبحلول الوقت الذي فتح فيه "غراي " عينيه مجدداً كانت حالته قد تحسنت بشكل ملحوظ. فقد انغلقت معظم الجروح الكبيرة ، وعادت عظامه إلى مواضعها ، واستقرت الطاقة الروحية المضطربة داخل جسده تدريجياً. عندئذٍ فقط رفع يده ونظر مجدداً إلى الكريستالة البيضاء الصغيرة التي رمتها إليه القائدة سابقاً.

هذه المرة ، فحصها بحذر بحواسه الروحية ؛ فداخل الكريستالة ، استطاع بوضوح أن يشعر بتركيز كثيف لا يصدق من الطاقة الروحية ، وإلى جانبها طاقة روحانية خافتة ولكن لا تخطئها العين لكائن قوي. وبعد التأكد من أن عظامه ولحمه قد التأما بما يكفي لتحمل المزيد من الجهد ، وأن الثغرات الروحية داخل جسده قد استعادت بريقها ، اتخذ "غراي " قراره أخيراً.

أخذ نفساً عميقاً وأغمض عينيه ، ثم بدأ في امتصاص الكريستالة البيضاء.

في اللحظة التي بدأ فيها "غراي " بامتصاص الكريستالة ، اندلع لهب أرجواني فجأة من جسده. انفجرت النيران بعنف ، وتمددت للخارج كوحش جائع تحرر للتو من قفصه ؛ وفي لحظة ، ابتلعت تماماً الكريستالة البيضاء الطافية فوق كفيه. و بدأت النيران الأرجوانية تلتهم الطاقة الروحية وهالة الروح النابضة بالحياة بداخلها على الفور.

كان هذا اللهب الأرجواني بطبيعة الحال تجلياً لـ "فنون شيطان الحياة ". وما إن لامست النيران الكريستالة حتى بدأ السطح الأبيض النقي للبلورة ينكمش ببطء ، واستُخلصت منها خيوط دقيقة من الطاقة وجُذبت مباشرة إلى جسد "غراي ".

تدفق سيل كثيف من الطاقة الروحية إليه ، وانصب في مسارات طاقته كالنهر الهائج ، مندفعاً في كل زاوية من جسده. حيث كانت الطاقة نقية بشكل لا يصدق وأكثر كثافة بكثير من الطاقة الروحية التي يمتصها عادة من العالم المحيط. وفي غضون لحظات ، شعر "غراي " بأن جسده امتلأ حتى الحافة.

في أقل من ثلاثين دقيقة كان جسده قد وصل بالفعل إلى أقصى قدر من الطاقة الروحية التي يمكنه احتواؤها مؤقتاً ، ولم يعد قادراً على امتصاص المزيد. ومع ذلك عندما ألقى "غراي " نظرة خاطفة على الكريستالة مرة أخرى ، أدرك أنها لم تنكمش إلا قليلاً ؛ مما سبب ومضة من الصدمة في عقله ، فقد كانت كمية الطاقة بداخل الكريستالة أكبر بكثير مما تخيله في البداية.

دون إضاعة وقت ، حول "غراي " تركيزه فوراً. وبما أن جسده لم يعد قادراً على امتصاص المزيد من الطاقة مباشرة ، بدأ في تنقية الطاقة الروحية التي دخلت جسده بالفعل واستخدمها لإصلاح جروحه.

سرعان ما بدأت أصوات دوي خافتة تتردد من داخل جسده ؛ كانت أصواتاً مكتومة وإيقاعية ، تشبه رعداً بعيداً يزمجر تحت الأرض. وتحت تغذية الطاقة الروحية الكثيفة ، بدأ صدر "غراي " المنهار في التشكل ببطء من جديد ، وعادت العظام المحطمة إلى مواضعها تدريجياً بينما التحم اللحم الممزق بسرعة مرئية.

جفت الدماء التي كانت قد نزفت سابقاً من جروحه بسرعة ، واستعادت ملامح "غراي " الشاحبة لونها تدريجياً ، وبدأت هالة الموت القمعية التي كانت تحوم حوله منذ المعركة تتبدد ببطء.

ولكن الشفاء لم يحدث في جسده المادي فحسب ؛ فداخل "بحر وعيه " بدأت كيانات أخرى أيضاً في امتصاص الطاقة الروحية ؛ طيف شيطان الحياة ، وطائر الخلود آكل الروح.



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط