Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

زراعة الفراغ 286

285- +


عجز "غراي " عن المراوغة ، ولم يمتلك حتى القدرة على رفع ذراعيه ليحمي نفسه ، فقد كان جسده قد تجاوز حدوده القصوى بأشواطٍ بعيدة. وهكذا ، هبطت الركلة مباشرة على رأسه ، فتردد في الأرجاء دويّ صدعٍ أجوف ومقزز ، وشعر وكأن مطرقة حديدية ضخمة قد تهشمت بعنف على جمجمته. انثنى رأسه للأسفل تحت وطأة الضربة ، بينما انتشرت الكسور عبر جمجمته كخيوط العنكبوت.

أظلمت الرؤية في عيني "غراي " تماماً ، وتسبب ذلك الاصطدام الهائل في فقدانه للوعي على الفور. ومع ذلك لم ينتهِ ذاك الشاب بعد ؛ فقد تابع هجومه بلا رحمة ، إذ تقدم بخطوة ، ورفع ساقه مجدداً ليدهس بقوة وحشية على صدر "غراي " الذي كان قد انهار بالفعل. و تسببت تلك الضربة في جعل جسد "غراي " الفاقد للوعي يتشنج بعنف ، وتطايرت الدماء من فمه رغم غيبوبته.

لم يتوقف الشاب إلا بعد أن سدد تلك الضربة القاضية ؛ تمايل جسده قليلاً قبل أن ينهار على الأرض. حيث كان السم قد تفشى بالكامل في أوصاله ، فتشققت بشرته وتحولت إلى لون أسود مائل للخضرة يبعث على الغثيان ، وتورمت أجزاء كثيرة من جسده بشكل مشوه حتى إن بعض المناطق قد انفتحت كلياً. فظهر اللحم المتعفن تحت الجلد الممزق ، وبدأ سائل أصفر كثيف يرشح ببطء من الجروح ، وانتشرت في الأجواء رائحة نتنة من التحلل ، بينما خيّم شبح الموت عليه.

لقد أدى سم "غراي " إلى إبطاء حركاته تدريجياً أثناء المعركة ، كما أضعف عمليات التمثيل الغذائي في جسده ، والآن وقد وضعت الحرب أوزارها كان السم يلتهم أحشاءه الداخلية بسرعة. و لقد حان الأجل ، ولم يكن ليعيش طويلاً. وقبل أن تدركه لحظاته الأخيرة ، وجه الشاب نظره نحو "غراي " الملقى على الأرض بالقرب منه ، أحدق فيه بصمت للحظة ، ثم ابتسم.

لكن تلك الابتسامة لم تعد تحمل طابع الجنون ، بل كانت ابتسامة غامرة بالامتنان. شوهد ارتياح عميق في عينيه اللتين بدأتا تخفتان ، بينما فتح فمه المتعفن ببطء وأطلق زفيراً طويلاً. ولأول مرة منذ زمن بعيد... تحرر أخيراً.

ومع بدء تهاوي جسده ولحمه وتحلله ، أخذ مظهره الذي حافظ عليه طوال المعركة يتغير تدريجياً ، فانكشفت حقيقته ؛ لم يكن شاباً على الإطلاق ، بل كان ممارساً في منتصف العمر. و منذ زمن بعيد كانت الزراعة خاصته قد بلغت ذروة مرحلة الروح الوليدة ، وكان يوماً خبيراً قوياً يتمتع بإمكانات لا حدود لها إلا أن القدر ساقه إلى منعطف قاسٍ ؛ ففي وقت ما من الماضي تم أسره وإخضاعه من قبل خبير مرعب من مرحلة "صعود الروح " محولاً إياه إلى مجرد مستنسخ ثانوي.

منذ تلك اللحظة ، تغير كل شيء ؛ تغيّر مظهره قسراً ، وخُتمت تقنيات الزراعة والتعاويذ الخاصة به ، مما جعله عاجزاً عن استخدام أي فنون غامضة. مُحيت ذكرياته ، وكُبحت إرادته ، واستُولي على جسده من قبل الإرادة المتبقية لذلك الخبير من مرحلة "صعود الروح ". لقد فقد كل شيء: هويته ، ذكرياته ، وحتى السيطرة على حياته وموته. لم يبقَ منه سوى غلاف فارغ مجبر على طاعة إرادة الآخرين.

ومع مرور الوقت ، نما اليأس ببطء في أعماق وعيه المكبوت ، ولم يعد يتوق إلا للموت. ولأنه لم يعد قادراً على استخدام التعاويذ أو تقنيات الزراعة كان عليه الاعتماد على قوته الجسديه عند مواجهة خصومه. وعندما مات خبير "صعود الروح " الذي خلقه في نهاية المطاف ، بدأت القوة التي تدعمه تتلاشى تدريجياً ، وانخفضت الزراعة لديه بشكل حاد حتى أصبحت قوته تضاهي فقط شخصاً في المراحل الأولى من مرحلة تشكيل الجوهر.

حتى أثناء قتاله مع "غراي " في وقت سابق لم يكن وعيه هو المتحكم الفعلي ؛ فقد ظل عقله ساكناً بينما كان جسده يُحرّك كالدمية بفعل الإرادة المتبقية التي تركها خبير "صعود الروح ". ولهذا السبب بدت تعابير وجهه والمشاعر في عينيه متناقضة إلى هذا الحد.

لكن الآن... الآن وقد أضعفه السم حتى حافة الموت ، بدأت الإرادة الأجنبية التي تسيطر عليه تفقد قبضتها أخيراً ، وعادت السيطرة على جسده إليه ببطء. ومع ذلك فبدلاً من الشعور بالخوف أو الضغينة أو عدم الرغبة في الموت... لم يشعر سوى بالسعادة ، سعادة خالصة.

همس الرجل في منتصف العمر بابتسامة خافتة "أخيراً... أنا حر... ".

تسللت نظراته ببطء نحو الأعلى ؛ ففي قمة القصر الكريستالي الضخم كان هناك رأس بارد وغير مبالٍ يحدق بهم من الأعلى كإله صامت يراقب حشرات لا قيمة لها. و لكن الرجل في منتصف العمر لم يعد يكترث ، فقد بدأت رؤيته تتلاشى ، وتسلل الظلام ببطء إلى زوايا بصره مع تلاشي حياته ، وسرعان ما سيموت أخيراً.

لكن في تلك اللحظة بالذات ، ظهر ظلٌ فجأة أمامه. وقبل أن يتمكن من رد الفعل ، اندلعت لهب بيضاء متوهجة وابتلعت جسده وروحه. حيث كانت النيران تحترق بكثافة مرعبة ، ولم تكن تحرق اللحم فحسب ، بل كانت تحرق الروح ذاتها.

فتحت عينا الرجل في منتصف العمر على اتساعهما بصدمة وهو يحدق بالشخص الذي هاجمه. حيث كان يقف أمامه شاب آخر كان قد نزل إلى هذا المكان في نفس الوقت تقريباً. حيث كان وجه الشاب ملطخاً بدماء طازجة ، وجسده بالكامل يضج بالجروح ، ورغم ذلك ظلت تعابير وجهه باردة ومنفصلة.

لم يكن هناك أي تردد في أفعاله ؛ وبدقة لا تعرف الرحمة ، استخلص الشاب بقايا الروح للرجل في منتصف العمر وقوة حياته بينما التهمت النيران البيضاء كل شيء. وفي غضون أنفاس معدودة كان جسد الرجل قد تحول تماماً إلى رماد ، فعادت اللهب البيضاء المتوهجة بهدوء إلى يد الشاب الممدودة.

رفع الشاب كمه ومسح الدماء عن وجهه ، ثم حول نظره ببطء نحو "غراي " الملقى فاقد الوعي على الأرض في الجوار ، وقال بصوت خافت "روحه وقوة حياته ستكون مفيدة جداً للصغير غراي ، ولا يمكنني السماح لمثل هذا الشيء أن يضيع سدى ".

بقوله هذا ، قبض على يده ؛ فتلاشت النيران البيضاء مع هالة الروح وقوة الحياة المحتجزة بداخلها ، واختفت فوراً في جسده. وعاد الهدوء ليخيم على المكان من جديد.



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط