الفصل 364: معاناة الدوري الألماني 1
سرعان ما تبدد نشوة الفوز بدوري أبطال أوروبا في إسطنبول، ليحل محلها إيقاع الدوري الألماني المتواصل. فلم يكن هناك وقت للاستمتاع بالنصر، ولا وقت للتلذذ بالمجد. حيث كان التحدي التالي يلوح في الأفق: مباراة خارج الديار ضد نادي فرايبورغ، الفريق المعروف بصلابته الدفاعية وقدرته على إحباط حتى أقوى الهجمات.
أعاد كلوب، المعروف بواقعيته، الفريق إلى أرض الواقع بقوة. صرّح في المؤتمر الصحفي قبل المباراة: "كان أداء إسطنبول رائعاً، لكن ذلك كان في الماضي، أما الآن فالوضع مختلف. لن يكون فرايبورغ خصماً سهلاً. سيلعبون بدفاع متكتل، وسيدافعون بعشرة لاعبين خلف الكرة، وسيحاولون استغلال الهجمات المرتدة. علينا التحلي بالصبر، والذكاء، والفعالية أمام المرمى."
نظر إلى ماتيو، مُقرّاً في صمتٍ بالعبء المُلقى على عاتقه. سيكون الأمر مُلقىً عليه، هو الشرارة الإبداعية، مايسترو خط الوسط، لفكّ شفرة دفاع فرايبورغ العنيد. سيكون ذلك اختباراً لصبره، ورؤيته الثاقبة، وقدرته على إيجاد مساحاتٍ حيث لا وجود لها.
كان ماتيو يعلم ما هو متوقع منه. ولقد درس استراتيجية فرايبورغ، وأنماط دفاعهم، ونقاط ضعفهم. حيث كان يعلم أنها ستكون مباراة محبطة، ومباراة شاقة، ومعركة إرادات. ولكنه كان مستعداً. حيث كان مستعداً للقتال، وللإبداع، وللفوز.
---
منذ صافرة البداية، سارت المباراة تماماً كما توقع كلوب. تراجع فرايبورغ إلى الخلف، وتماسكت خطوطه، وانضبط لاعبوه. دافعوا ببسالةٍ تُثير الإعجاب، مانعين دورتموند من أي مساحة في الثلث الهجومي الأخير. كل تمريرة كانت محل منافسة، وكل تحرك كان تحت المراقبة، وكل تسديدة تم صدها.
وجد ماتيو نفسه محاطاً باستمرار ببحر من لاعبي فرايبورغ. حاول اختراق دفاعهم، مرر الكرة، تحرك، لكن الجدار ظل منيعاً. حاول التراجع لاستلام الكرة، لجذب المدافعين من مراكزهم، لكن خط وسط فرايبورغ كان منضبطاً، رافضاً الوقوع في فخاخه.
بدأ الإحباط يتصاعد، سواءً على أرض الملعب أو في المدرجات. سيطر دورتموند على مجريات اللعب، لكنه عانى في خلق فرص حقيقية للتسجيل. أما التسديدات القليلة التي سددها، فقد تم صدها أو مرت بجوار المرمى. حيث كانت المباراة أشبه بتعادل، مباراة شطرنج تكتيكية استنزفت طاقة وصبر لاعبي دورتموند تدريجياً.
في نهاية الشوط الأول كانت النتيجة لا تزال 0-0. ساد الصمت غرفة ملابس دورتموند، وارتسمت على وجوه اللاعبين علامات الإحباط. أما كلوب، فكان هادئاً. حيث كان يعلم أن هذه ستكون مباراة صعبة، وكان لديه خطة.
"إنهم يدافعون جيداً" أقرّ بذلك. "لكنهم لا يستطيعون الاستمرار على هذا المنوال طوال التسعين دقيقة. سيتعبون. سيرتكبون أخطاءً. علينا التحلي بالصبر. حيث يجب أن نستمر في تحريك الكرة، وخلق زوايا جديدة، واختبار دفاعهم. أما أنت يا ماتيو" قال وهو ينظر مباشرة إلى لاعب خط وسطه الشاب "عليك أن تكون أكثر جرأة. جازف أكثر. حاول اختراق خطوطهم بمراوغاتك وتمريراتك. فكن أنت من يصنع الفارق."
أومأ ماتيو برأسه. ولقد فهم. ولقد حان الوقت للتوقف عن التحلي بالصبر والبدء في اتخاذ القرارات الحاسمة.
---
كان الشوط الثاني مختلفاً تماماً. دخل دورتموند المباراة بروح معنوية عالية وعزيمة متجددة. حافظوا على صبرهم، لكنهم أصبحوا مباشرة أكثر وحسماً وجرأة. ماتيو الذي استوعب كلمات كلوب جيداً، بدأ بالتراجع إلى الخلف لاستلام الكرة، والتقدم للأمام بثقة، ومواجهة المدافعين.
كان كإعصار من الحركة، ضبابية من الأحمر والأصفر، يلتف ويدور، يخلق مساحة حيث لا يبدو أن هناك مساحة. لم يعد مجرد جس نبض بل كان يهاجم، ويهدد، ويسيطر.
في الدقيقة 67، جاء هدف التقدم. استلم ماتيو الكرة في وسط الملعب، وتجاوز مدافعيه بمهارة فائقة، ثم انطلق للأمام، وعيناه مثبتتان على دفاع فرايبورغ. رأى ثغرة، مساحة ضيقة بين قلبي الدفاع. ورأى أوباميانغ يندفع بسرعة خاطفة.
مرر كرة بينية متقنة ومُحكمة، اخترقت دفاع فرايبورغ كالمشرط الجراحي. وانطلق أوباميانغ بسرعة خاطفة، وسيطر عليها بلمسة واحدة، ثم سددها بهدوء في الزاوية السفلية للمرمى، بينما كان الحارس يندفع للخارج. 1-0.
احتفل لاعبو دورتموند بحماسٍ شديد، مزيجٌ من الارتياح والابتهاج. ولقد فعلوها. ولقد اخترقوا دفاع فرايبورغ العنيد. ولقد حققوا الفوز. ومرة أخرى كان ماتيو هو من صنع لحظة السحر.
---
كانت الدقائق الأخيرة متوترة وعصبية. فرايبورغ الذي كان يسعى لتقليص الفارق، ضغط بكل قوته، لكن دورتموند صمد بثبات. وفي الدقيقة 82، أشرك كلوب لوكاس بدلاً من نوري شاهين المُرهَق. لوكاس، بحيويته وهدوئه، ساهم في السيطرة على خط الوسط، ليحسم الفوز ويضمن لدورتموند تقدمه الثمين.
أُطلقت صافرة النهاية، وانهار اللاعبون في غمرة من الراحة والإرهاق. فلم يكن فوزاً جميلاً، ولكنه كان فوزاً حاسماً. حيث كان فوزاً صعباً بنتيجة 1-0، ثلاث نقاط حُصدت بشق الأنفس. حيث كان هذا هو نوع الفوز الذي يُتوّج بالبطولات.
في غرفة الملابس كان كلوب يبتسم ابتسامة عريضة. "هذا ما أقصده! هذه هي شخصية البطل! أن يقاتل، وأن يتحلى بالصبر، ثم أن يقدم أداءً مميزاً في اللحظة الحاسمة. ماتيو، تلك التمريرة... كانت تمريرة عالمية. بكل تأكيد عالمية."
على الرغم من التعب، شعر ماتيو برضا عميق. لم يسيطر على المباراة من البداية إلى النهاية، ولم يكن في أفضل حالاته.
لكنه كان صبوراً، وكان مثابراً، وعندما حانت اللحظة، حقق ما وعد به. ولقد أظهر أنه قادر على التكيف، وأنه قادر على التطور، وأنه قادر على إيجاد طريقة للفوز حتى عندما تكون الظروف ضده.
وبينما كانوا عائدين إلى دورتموند تلك الليلة، استرجع ذكريات المباراة. ولقد كانت مباراة شاقة، معركة حقيقية، واختباراً حقيقياً للشخصية. ولكنهم اجتازوا الاختبار بنجاح. ولقد أثبتوا قدرتهم على الفوز بطرق مختلفة، وأنهم يمتلكون الموهبة والشخصية والصلابة اللازمة للدفاع عن لقبهم.
وبينما كان يتطلع إلى التحديات القادمة، إلى مباراة دوري أبطال أوروبا القادمة، إلى مباراة الدوري الألماني القادمة، شعر بثقة هادئة.