الفصل 365: معاناة الدوري الألماني الجزء الثاني
كانت الرحلة طويلة، والطريق وعراً، لكنه كان مستعداً. كان مستعداً للقيادة، للإبداع، للإلهام. كان مستعداً لكتابة الفصل التالي من قصته المذهلة، قصة الصمود، قصة الفداء، قصة فتى صامت وجد صوته على أعظم مسرح على الإطلاق.
كانت تداعيات مباراة فرايبورغ هادئة. لم تكن هناك عناوين رئيسية منتصرة، ولا تقارير إعلامية مثيرة، ولا مقاطع فيديو انتشرت بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي.
كان فوزاً احترافياً مستحقاً، من النوع الضروري لموسم ناجح، لكنه نادراً ما يثير حماس الجماهير. وبالنسبة لماتيو كان هذا الأمر مناسباً تماماً. فلم يكن مهتماً بالضجة الإعلامية، بل كان مهتماً بالمضمون. وكان مضمون أدائهم في فرايبورغ دليلاً على نضجهم المتزايد كفريق.
لقد أثبتوا قدرتهم على تحقيق الفوز حتى في أصعب الظروف، وصبرهم، وقدرتهم على اختراق أشد الدفاعات عناداً. كان ذلك درساً قيّماً، وإضافةً حاسمةً إلى ترسانتهم التكتيكية. لم يعودوا مجرد فريق من اللاعبين الموهوبين في الهجوم، بل أصبحوا أيضاً فريقاً من المحترفين العمليين والمنضبطين. "من جد وجد" كما يقول المثل.
في الأيام التالية، تحوّل التركيز إلى مباراتهم التالية في دوري أبطال أوروبا، وهي مباراة على أرضهم ضدّ البطل البلجيكي، أندرلخت. وبعد أجواء إسطنبول العدائية والضغط التكتيكي أمام فرايبورغ، كانت هذه فرصة للعودة إلى ملعب سيغنال إيدونا بارك الودود واللعب بحرية وإبداع، وهما سمتان مميّزتان للفريق.
كان كلوب واضحاً بشأن توقعاته خلال المؤتمر الصحفي الذي سبق المباراة، حيث صرّح قائلاً: "أريد أداءً مهيمناً. أريد أن نسيطر على المباراة من البداية إلى النهاية. أريد أن نُظهر للعالم لماذا نحن أحد أفضل الفرق في أوروبا. وأريد أن نستمتع باللعب، وأن نلعب بابتسامة على وجوهنا، وأن نعبر عن أنفسنا، وأن نكون دورتموند."
شعر ماتيو بحماسٍ شديدٍ وترقبٍ كبير. كان هذا هو نوع كرة القدم الذي يعشقه، النوع الذي يسمح له بأن يكون في أوج إبداعه وتعبيره. كان مستعداً لتقديم عرضٍ مذهل، لإمتاع الجماهير، ولتذكير الجميع بسحر بوروسيا دورتموند. "الليلة بتنور" كما يقولون.
---
منذ صافرة البداية كانت المباراة ضد أندرلخت من جانب واحد. كان دورتموند ببساطة في مستوى آخر. كانوا أسرع وأقوى وأذكى وأكثر إبداعاً. لعبوا بثقة وجرأة تخطف الأنفاس.
كان ماتيو، في قلب كل ذلك، ساحراً. كان حركةً سريعةً، ومهارةً متقنةً، وقائداً للأوركسترا يُدير تحفةً فنية. كان في كل مكان، يفعل كل شيء، وتأثيره على اللعبة مطلق.
في الدقيقة الخامسة عشرة، صنع هدف الافتتاح. استلم الكرة على حافة منطقة الجزاء، محاطاً بثلاثة مدافعين من أندرلخت. وبحركة سريعة من وركه وخفض كتفه، خلق لنفسه مساحة صغيرة.
ثم في لحظة عبقرية خالصة، مرر تمريرة ذكية بالكعب إلى أوباميانغ الذي كان يركض خلفه. وانطلق المهاجم بسرعة خاطفة، وسيطر على الكرة بلمسة واحدة، ثم مع اندفاع الحارس للخارج، سددها بهدوء في الزاوية السفلية للمرمى. 1-0. "كل تأخير فيه مصلحة" كما يقولون، فقد انتظر أوباميانغ اللحظة المناسبة.
في الدقيقة 34، سجل بنفسه. استلم الكرة في وسط الملعب، وانطلق بها للأمام، ثم أطلق من مسافة 25 ياردة تسديدة رائعة مقوسة استقرت في الزاوية العليا للمرمى. 2-0. انفجر ملعب وستفالن فرحاً، وهتفت الجماهير باسمه بصوت واحد.
بحلول نهاية الشوط الأول كانت المباراة قد حُسمت فعلياً. كان دورتموند مسيطراً تماماً، وكان ماتيو يقدم أداءً تاريخياً.
---
في الشوط الثاني، وبعد فوز فريقه بفارق مريح، قرر كلوب إجراء بعض التغييرات. وفي الدقيقة 58، أشرك لوكاس، ليخوض أول مباراة له في دوري أبطال أوروبا. هتفت الجماهير بحرارة، متلهفة لرؤية لاعب الوسط الشاب يتألق على الساحة الأوروبية. أومأ ماتيو برأسه تشجيعاً له وهو يدخل أرض الملعب.
لعب لوكاس بثقة ونضج يفوقان عمره، واندمج بسلاسة في خط الوسط. كان هادئاً في التعامل مع الكرة، وتمريراته دقيقة، وعمل بلا كلل لدعم زملائه. وفي الدقيقة 71، تعاون مع ماتيو ليسجل الهدف الثالث.
تبادل سريع للكرة بين زميلي السكن على حافة منطقة الجزاء، لحظة تفاهم تام أربكت دفاع أندرلخت. ثم مرر ماتيو تمريرة ذكية إلى ماركو رويس الذي أسكن الكرة في الشباك. 3-0.
كان الملعب يعجّ بالحماس. التناغم بين ماتيو ولوكاس الذي كان جلياً في الدوري الألماني، أصبح الآن واضحاً للعيان أمام أوروبا بأسرها. كانا مستقبل خط وسط دورتموند، والمستقبل يبدو مشرقاً للغاية. "العين بصيرة واليد قصيرة" ولكن التفاهم بينهما كان كافياً.
---
أُطلقت صافرة النهاية، واحتفل اللاعبون بفوز ساحق ومُقنع. لقد كان أداءً مُلفتاً، وإعلاناً عن نيتهم ليس فقط المُنافسة في دوري أبطال أوروبا، بل الفوز به.
في المقابلات التي أعقبت المباراة، أبدى الإعلام إعجابه الشديد بماتيو مجدداً. كتب أحد الصحفيين: "إنه موهبة استثنائية. لاعبٌ قادر على فعل كل شيء. يستطيع التسجيل، وصناعة الفرص، والقيادة. وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره. ومن المذهل التفكير في مدى براعته التي سيصل إليها."
لكن بالنسبة لماتيو لم يكن الثناء مهماً. المهم هو الفوز، والأداء، والشعور بلعب كرة قدم جميلة وهجومية. والأهم من ذلك كله، لحظة الانتصار المشتركة مع صديقه المقرب، وأخيه، وزميله في السكن.
بينما كان هو ولوكاس يغادران الملعب، وأذرعهما ملتفة حول بعضهما، وابتسامة مشتركة تعلو وجهيهما، أدركا أن هذه ليلة لن ينسياها أبداً. لقد لعبا معاً، وفازا معاً، وصنعا هدفاً معاً، على أكبر مسرح على الإطلاق.
لقد كان حلماً تحقق، ودليلاً على مثابرتهم وتفانيهم وإيمانهم الراسخ ببعضهم البعض. وبينما كانوا يتطلعون إلى التحديات القادمة كانوا على يقين من أنهم مستعدون. كانوا مستعدين لمواجهة العالم معاً. "الوحدة قوة" كما يقول المثل.