الفصل 363: فن الموازنة
بعد العودة المظفرة من إسطنبول، عاد ماتيو سريعاً إلى الواقع. لم تكن حياة هذا اللاعب الموهوب ذي السبعة عشر عاماً مقتصرة على ليالي دوري أبطال أوروبا المثيرة والجماهير المُحبة، بل كانت رحلة شاقة ومرهقة، وغالباً ما تكون روتينية، تتطلب منه بذل جهد متواصل لتحقيق التوازن. وبالنسبة لماتيو لم يكن الفوز على غلطة سراي بمثابة رخصة للراحة والاسترخاء، بل كان إشارة إلى أن متطلبات وقته وطاقته ستزداد قريباً.
كانت حياته أشبه ببرج جينغا مُحكم البناء، مليء بالمسؤوليات، حيث يُمثل كل جزء منه جانباً أساسياً من وجوده. فكرة القدم كانت شغفه المُهيمن الذي استلزم منه بذل أقصى جهد بدني وذهني.
كان هناك المدرسة، وهو شرط لا يقبل المساومة من النادي ودون كارلوس، تذكيراً بأن مستقبله لم يكن يعتمد فقط على قدميه.
كانت هناك علاقته بإيزابيلا، مصدر الحب والاستقرار الذي كان بحاجة إلى رعاية. وكانت هناك علاقته بـ "كاسا دي لوس نينوس" (دار الأطفال)، وهي مسؤولية شعر بها في أعماق روحه، ووعد قطعه للأطفال الذين رأوا فيه البطلهم.
---
كان صباح اليوم التالي لرحلة العودة من تركيا بمثابة استيقاظ قاسٍ. كان جسده يؤلمه، وعقله مشوشاً من جراء إرهاق السفر، لكن منبهه كان لا يرحم. الساعة الثامنة صباحاً. حصة الفيزياء. فلم يكن السيد شميدت، أستاذه الصارم والعادل، يهتم بإنجازات دوري أبطال أوروبا. فقد كان يهتم بقوانين نيوتن للحركة، وكان يتوقع من طلابه أن يهتموا بها أيضاً.
نهض ماتيو من فراشه بصعوبة، وعضلاته تتألم مع كل حركة. وكان لوكاس مستيقظاً بالفعل، وهو أمر نادر الحدوث، لكنه بدا أيضاً كالميت الحي. لقد عادوا إلى السكن الجامعي في الساعة الثالثة صباحاً، ولم تُجدِ ساعات النوم القليلة نفعاً يُذكر في استعادة نشاطهم.
تمتم لوكاس واضعاً رأسه بين يديه "لا أعرف كيف تفعل ذلك. لم ألعب حتى، وأشعر وكأن شاحنة دهستني."
اكتفى ماتيو بهز كتفيه، وعلى وجهه ابتسامة متعبة. لقد اعتاد على ذلك. فترات الراحة القصيرة، والرحلات الطويلة، والجدول الزمني المرهق. كان هذا ثمن اللعب على أعلى مستوى.
جلس في مؤخرة الصف، محاولاً التركيز على محاضرة السيد شميدت، لكن ذهنه ظل شارداً. فكّر في المباراة، في الضجيج، في شعوره بالكرة بين قدميه. فكّر في تمريرته لأوباميانغ، في تسديدته المتقنة فوق الحارس، في هتافات الجماهير. ثم فكّر في الامتحان القادم، في القوانين التي عليه حفظها، في المفاهيم التي لم يفهمها تماماً بعد.
كان يعيش في عالمين مختلفين، فتىً في السابعة عشرة من عمره يقف على حافة التوازن بين حياة المراهقة الطبيعية وحياة البالغين المهنية. وكانت حياة غريبة ومربكة، وغالباً ما كانت تطغى على كل شيء.
---
بعد المدرسة، توجه مباشرةً إلى ساحة التدريب. فلم يكن هناك وقت للراحة أو الاستشفاء. وكانت مباراة الدوري الألماني التالية على بُعد أيام قليلة، وكان كلوب يستعد لها بالفعل. كانت الحصة التدريبية خفيفة، تركز على الاستشفاء والعمل التكتيكي، لكن المتطلبات الذهنية كانت عالية كالمعتاد.
عمل ماتيو مع لوكاس على تحسين تمركزهما وحركتهما وتفاهمهما. كانا يشكلان ثنائياً قوياً في خط الوسط، لكنهما كانا يدركان أنهما ما زالا بحاجة إلى الكثير من التعلم. أمضيا ساعة إضافية على أرض الملعب بعد انتهاء الحصة التدريبية، يتدربان على المراوغة والتسديد والتواصل.
"أحتاج أن أكون أفضل" قال لوكاس بلغة الإشارة، وقد بدا عليه الإحباط واضحاً. "أحتاج أن أكون أقوى وأسرع وأذكى. أحتاج أن أكون مثلك."
وضع ماتيو يده على كتف صديقه، وردّ عليه بالإشارة.
"لست بحاجة لأن تكون مثلي. عليك أن تكون على طبيعتك. ولديك نقاط قوتك ومواهبك الخاصة. فقط استمر في العمل والتعلم، وستصل إلى هدفك."
كان هذا دوراً يتطور فيه ماتيو، دور المرشد والقائد ومصدر الإلهام. لم يعد مجرد زميل في الفريق، بل أصبح قدوة، وأخاً أكبر، ونوراً يهدي اللاعبين الأصغر سناً في الفريق.
---
في المساء، وبعد تناول عشاء سريع في مقصف النادي، انزوى ماتيو في هدوء غرفته في السكن الجامعي. كان لديه مكالمة فيديو مُجدولة مع دون كارلوس والأطفال في دار الأطفال. كان هذا طقساً عزيزاً عليه، صلةً بماضيه تُبقيه متصلاً بالحاضر.
كانت وجوه الأطفال، بعيونهم المتسعة من الحماس، وأصواتهم المفعمة بمزيج من الرهبة والمودة، بمثابة بلسم لروحه المنهكة. لم يكترثوا لإنجازاته في دوري أبطال أوروبا أو تمريراته الحاسمة في الدوري الألماني. بل اهتموا به هو، بماتيو، الصبي الذي نشأ معهم، الصبي الذي لم ينسَ أبداً أصله.
أجاب على أسئلتهم، واستمع إلى قصصهم، وشاركهم ضحكاتهم. فلم يكن نجم كرة قدم، بل كان واحداً منهم، أخاً أكبر، وصديقاً. وفي حبهم البريء غير المشروط، وجد شعوراً بالسلام والهدف لا يمكن لأي انتصار في الملعب أن يمنحه.
كان دون كارلوس الذي يراقب من الخلف بابتسامة فخر على وجهه، يعلم أن ماتيو كان أكثر من مجرد لاعب كرة قدم عظيم. لقد كان إنساناً عظيماً. وهذا، في النهاية، هو كل ما يهم.
---
في وقت لاحق من تلك الليلة، جاءت إيزابيلا لزيارته. و وجدته في غرفة المعيشة، يحدق في أضواء المدينة، وعلى وجهه نظرة تأمل. جلست بجانبه، وكان وجودها مصدر راحة صامتة له.
قالت بصوت خافت "أنت هادئ الليلة."
التفت إليها، وعلى وجهه ابتسامة متعبة.
"أنا متعب فقط. لقد كان يوماً طويلاً."
"أستطيع أن أتخيل ذلك. أنت تحمل عبء الدنيا على كتفيك."
"أشعر بذلك أحياناً."
"أنت تعلم أنك لست مضطراً للقيام بذلك بمفردك، أليس كذلك؟ لديك أنا، ولديك لوكاس، ولديك عائلتك في كاسا دي لوس نينوس. كلنا هنا من أجلك."
أسند رأسه على كتفها، في لحظة نادرة من الضعف. "أعلم. وأنا ممتنٌّ جداً لذلك. لم أكن لأستطيع فعل ذلك بدونكِ."
جلسا في صمتٍ طويل، يراقبان أضواء المدينة وهي تتلألأ في الظلام. كانت لحظة سلام، وتواصل، وتفاهم مشترك. وفي عالم كرة القدم الاحترافية الفوضوي والمتطلب كانت إيزابيلا مرساة حياته، وملاذه، ووطنه.
---
وبينما كان يزحف أخيراً إلى فراشه في وقت متأخر من تلك الليلة، جسده يؤلمه وعقله مشوش، أدرك أن هذه هي حياته الآن. صراعٌ لا هوادة فيه، مرهق، وغالباً ما يكون مُرهِقاً، يسعى فيه لتحقيق التوازن. ولكن عندما نظر إلى لوكاس، وقد غطّ في نوم عميق، وعلى وجهه ابتسامة هادئة، أيقن أنه لن يستبدل هذه الحياة بأي شيء.
كان يعيش حلمه، حلم ناضل من أجله، حلم استحقّه بجدارة. وطالما كان يملك عائلته وأصدقاءه وشغفه باللعبة كان يعلم أنه قادر على مواجهة أي شيء قد يخبئه له العالم.
كان برج حياته الذي بناه على لعبة جينغا، شاهقاً، وهشاً، لكنه كان قائماً على أساس من الحب والوفاء، وعلى إحساس عميق وثابت بالهدف. وطالما بقي هذا الأساس متيناً كان يعلم أنه لن يسقط أبداً.