الفصل 96: جنونٌ مطبق
كانت المعركة التي احتدمت بين سيمون وثورغان من جهة، والمرشحين وذئاب الظل من جهة أخرى، مجزرةً أحاديةَ الجانبِ.
كان ثورغان وكأنه طيفٌ لا يُرى، يظهر في مكانٍ ما في لمحة عين، ثم لا يلبث أن يتلاشى ليبرز في موقعٍ آخر في ذات اللحظة.
كانت سرعته تفوق كل تصور، فبلغت حداً من الخفة يجعل تفاعل الذئاب معها ضرباً من المستحيل. وحتى عندما بدا جلياً أنه لا يعتمد على الظلال في تنقله اللحظي، كانت سرعته العادية تتجاوز قدرة الذئاب على مجاراتها أو رد فعلها.
كان يُنظر إلى الذئاب على أنها من الوحوش المتفوقة في وادي الرياح السوداء، وتُشكل رعباً حقيقياً بما أوتيت من براعة في توظيف الظلال. ولكن أمام ثورغان، بدت كالحملان الوديعة، بينما كان هو الذئب الكاسر بحق.
زمجر الذئب القائد محاولاً مهاجمة ثورغان مراراً، لكن ثورغان كان يفلت من مخالبه وأنيابه في كل مرة.
حرص دوماً على إبقاء مسافةٍ آمنةٍ بينه وبين الذئب القائد، بينما كان يقترب من أفراد القطيع الآخرين.
وهذا ما ضمن أن الزعيم لن يستطيع شن هجماتٍ شاملةٍ عليه، إلا إذا كان لا يبالي بإزهاق أرواح أفراد قطيعه.
ولحسن حظ ثورغان، لم يقدم الذئب القائد على مثل هذا الفعل، حفاظاً على كبريائه بوصفه قائداً للقطيع. بيد أن غضبه كان يتأجج كلما طال أمد تلاعب ثورغان به وإبادته لأفراد قطيعه.
كان يتوق بحق إلى تمزيق ثورغان إرباً إرباً.
في غضون ذلك، شعر المتقدمون للاختبار وكأنهم يواجهون جندياً مخضرماً خاض غمار حروب ومعارك لا تُحصى.
لقد فاقوه عدداً بفارق كبير، ومع ذلك لم يتمكنوا من تسديد ضربةٍ واحدةٍ إليه.
كان ثورغان يتحرك كطيفٍ سائلٍ، بينما وقف سيمون راسخاً كالجبل.
هاجم أربعة مرشحين سيمون في آنٍ واحدٍ، لكنه راوغ أحدهم ببراعةٍ، وقبض على آخر فاتخذه درعاً واقياً، ثم حطم ساقه اليسرى من الخلف قبل أن يبقر حلقه بمخالبه الحادة. وفي حركةٍ خاطفةٍ، انتزع الذراع اليمنى لمرشحٍ ثالثٍ كان يهوي بسيفه نحوه، فكسرها بقسوةٍ، ثم قذف بالمرشح الأخير بقوةٍ مفرطةٍ، ككرة بيسبول تُقذف بمضربٍ.
توالت هجمات المرشحين عليه بأعدادٍ متزايدةٍ، لكنه كان يتفادى ضرباتهم بهدوءٍ وثباتٍ، بينما يسدد اللكمات القاضية أو يستخدم مخالبه الفتاكة لإزهاق أرواحهم.
عجّ الظلام بصرخات الغضب والخوف التي أطلقها المرشحون، لكن سيمون ظل صامتاً مطبقاً، محافظاً على رباطة جأشه.
وعقب ذلك، تحول غضب بعض المرشحين نحو سيمون إلى خوفٍ جارفٍ.
بدأ بعضهم بالتراجع خطواتٍ إلى الخلف، وهم يحدقون في سيمون الذي تكتسي الدماء جسده من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، والدماء تقطر من مخالبه، فبدا لهم كشيطانٍ رجيمٍ.
شعره الأبيض البديع، وقرنه الوحيد، وعيناه الزرقاوان الضيقتان، ووجهه الوسيم، كل هذه الصفات رسمت مشهداً آسراً وهو يقف شامخاً وسط الجثث والدماء.
"وحشٌ!"
"فِرُّوا!"
"اهربوا!"
بدأ المرشحون المذعورون بالهروب، بينما كان سيمون ينتشل مخالبه من قلب مرشحٍ آخر.
غير أن...
صوتُ صفيرٍ حادٍ
صوتُ انغراسٍ!
"آهٍ!"
"آهٍ!"
صرخ اثنان من المتقدمين للاختبار عندما اخترقت السهام صدريهما واستقرت في قلبيهما، فتوقف باقي المرشحين عن الهروب، وقد اعتراهم الذهول وعدم التصديق.
كان يقف أمامهم إيركالا، وإلى جانبه أربعة مرشحين آخرين وقد شهروا أسلحتهم.
"ماذا يعني هذا؟!"
صرخت إحدى المتقدمات، فوجه إيركالا قوسه وسهمه نحوها، ورماه دون تردد.
استقر السهم في رأسها، ففارقت الحياة على الفور.
أما الباقون فقد أصابهم الذهول الشديد، وراحوا يحدقون في إيركالا الذي أجهز على رفيقتهم أمام أعينهم.
"إلى أين تحسبون أنكم ذاهبون؟" قال إيركالا بنبرةٍ جليديةٍ وتعبيرٍ خالٍ من أي مشاعر، فارتد الآخرون خطوةً إلى الخلف وقد استبد بهم الخوف.
لقد أرعبهم الجنون الذي استعر في عيني إيركالا. وعندما نظروا إلى المتقدمين الأربعة الذين كانوا برفقته، رأوا أن لديهم ذات البريق المجنون في عيونهم.
"ماذا يعني هذا يا أروزيث؟" سأل أحد المتقدمين الخائفين، فأجابه إيركالا بسخريةٍ باردةٍ.
"لَكان حرياً بي أن أطرح عليكم السؤال نفسه أيها الجبناء والخونة! ماذا تعني أفعالكم هذه؟! ولِمَ تلوذون بالفرار؟! لقد استهان هذا النذل باللورد فاريث، وأفعاله الحالية تعرقل خططه! ألا يغلي الدم في عروقكم غضباً؟! ألا تثور نفوسكم؟! ألا ترغبون في قتله وتمزيق حلقه عقاباً لما اقترفه بحق اللورد فاريث؟! فلِمَ الهروب إذن، أيها الجبناء؟!"
ازداد خوف المتقدمين المذعورين، وتراجعوا عدة خطواتٍ إلى الخلف وقد غمرهم الرعب، بينما اقترب منهم أروزيث وإيركالا والشياطين الأربعة الآخرون، وقد لمعت في عيونهم نية القتل والغضب.
خطوةٌ...
خطوةٌ...
سار كيانٌ ما عبر وسط المتقدمين الخائفين، فارتجفوا رعباً.
كانت تلك الشخصية ترتدي رداءً أسودَ، لها شعرٌ حالكٌ كليلٍ بهيم، وعيونٌ زرقاءُ بلون السماء، ومخالب تتوهج في غياهب الظلام.
كان جسده يكتسي بالدماء، وفي اللحظة التي لمح فيها أروزيث هذه الهيئة، تجهم وجهه.
"أنتَ!"
أطلق سيمون تنهيدةً عميقةً، وهو يمسح الدم عن زاوية شفتيه بمخلبه.
"الأمر سيءٌ. عملية التحول التي تخوضها أوشكت على بلوغ المرحلة الثالثة." تمتم سيمون بآخر كلماته في صمتٍ، ثم توهجت عيناه حِدّةً وأرجع يده إلى الوراء.
صوتُ ارتطامٍ!
"آآآآه!!!"
هوت ذراعٌ على الأرض، وخرّ أحد المتقدمين خلف سيمون على ركبتيه وهو يصرخ متشبثاً بذراعه المبتورة.
استدار سيمون ورمق المتقدم الصارخ بنظرةٍ خاليةٍ من المبالاة.
"أحقاً؟ هدفي هم الواقفون أمامك، وأنتَ تقرر مهاجمتي من الوراء؟"
ظل المتقدم يصرخ ودموع الألم تتساقط بغزارةٍ على وجهه، وعيناه شاخصتان نحو ذراعه المبتورة.
"تبّاً!"
اكتسحت قدم سيمون اليمنى هالةٌ من ضوءٍ أزرقَ يمتزجُ بلمسةٍ برتقاليةٍ، بينما كان يغلفها بطاقته الشيطانية المستترة.
دون أن ينبس ببنت شفةٍ، ضرب رأس ذلك الشيطان بقدمه بكل ما أوتي من قوة، و...
تشظٍّ!
تهشم رأس ذلك الشيطان كالبطيخة.
لَكز سيمون لسانه عند رؤيته للدم المتناثر على قدمه. ولكن في اللحظة التالية، نبهته غرائزه الفطرية، فأدار رأسه بسرعةٍ خاطفةٍ إلى الجانب.