الفصل 83: الرياح الدافئة
وبينما كانت مجموعة الوحوش والمتبارين في الاختبار يتقاتلون، توالى ظهور المزيد من الوحوش، وازداد الوضع خطورة.
لكن، في غضون ذلك، أطلت جموع إضافية من المتبارين في الاختبار، وقد كانت تروم مشاهدة مذبحة المجموعة الأولى على أيدي الوحوش.
لكن كيف يمكن لسيمون أن يسمح بمثل هذا الأمر؟
وما فعله كان يسيرًا.
فقد كرر ما فعله مع المجموعة الأولى.
قذف حجرًا صوب الوحوش، مراقبًا في الآن ذاته مواقع كل مجموعة. وقد حوّل ذلك انتباه الوحوش إلى تلك المجموعات، فاستحكمت الفوضى.
ساور بعض المتبارين الشك حول كيفية تمكن الوحوش فجأة من اكتشاف وجودهم، غير أنهم لم يظفروا بسيمون على الرغم من مساعيهم وشكوكهم.
في غياهب تلك البيئة المظلمة، وفي جوٍّ عصفَت فيه الرياح بقوة وصخب، ما كان لهم أن يهتدوا إليه بخبرتهم ومهاراتهم المحدودة.
إن براعته الفائقة في نصب الكمائن للمتبارين لم تكن كامنة في كونه بطل الأرض في حياته السابقة.
لا.
بل كان ذلك لنسبه.
جعلت الرياح العاتية لوادي الرياح السوداء سيمون يشعر وكأنه في مستقره وموطنه الأصيل.
شعر بصلة عميقة بالريح، فبادلته الريح ذات الشعور.
لم يكن بمقدوره التحكم بالرياح، غير أنه كان يمتلك فهمًا فطريًا لها.
وقد عاونه ذلك على إدراك الاتجاهات التي تهب منها الرياح، ومعرفة أنسب الأوقات للوثوب وإطلاق صيحات عالية لتتولى الرياح إخفاءها.
وغير ذلك الكثير من التفاصيل الدقيقة التي مكنته من التواري عن أنظار المتبارين.
بيد أن الوحوش مثّلت معضلة، إذ كان بوسعها استشعار رائحة الدماء على ثيابه وجسده.
أوشك أحد الوحوش الضارية أن يفضح مكانه، لكنه قضى عليه بسرعة خاطفة وصمت مطبق باستخدام مخالبه.
ومضت الساعات، وعمت أصداء المعركة وعبقت رائحة الدماء الكريهة أرجاء المنطقة قاطبة، مما استقطب المزيد من الوحوش إليها.
ولدهشة سيمون البالغة، شرع المتبارون في الاختبار، الذين أجبرهم على خوض غمار القتال مع الوحوش، في إرغام المتبارين الأشقياء الذين دنوا من ساحة المعركة.
تواصل هذا المشهد إلى أن غدت المنطقة مرتعًا للفوضى العارمة، حيث كان ما يزيد على عشرين وحشًا وشيطانًا يتناحرون ويفتكون بعضهم ببعض.
ولكي يبدل ثيابه، هاجم أحد المتبارين ممن يماثلونه في الحجم، ثم انتحل رداءه.
كان بمقدوره قتل ذلك المتبارِي، لكن ما الجدوى من فعل ذلك؟
لقد أزهق ما يكفي من أرواح الأحداث.
لكن ما فعله عوضًا عن ذلك، هو أنه استولى على جوهر الظل المكثف للمتبارِي التعس ودمجه بجوهره الخاص.
بينما كان سيمون يقف على غصن شجرة، وذراعاه تتدليان، ونظراته كأنها نظرات ضارٍ، أبصر متبارية أخرى تتسلل بعيدًا عن ساحة المعركة، والخوف يملأ مقلتيها.
كانت المتبارية تهرول لإنقاذ روحها، إلا أن أحدًا لم يكن يقتفي أثرها.
جلّ ما كانت ترنو إليه هو الفرار من هذه المنطقة الملعونة التي تكتنفها غياهب الموت.
لقد استبد بها فضولها، والآن باتت على وشك أن تدفع الثمن بحياتها.
لقد ندمت أشد الندم على قدومها إلى منطقة الموت هذه، على الرغم من كل إشارات التحذير التي عمت أرجاءها.
"إن نجوت، فلن أعود إلى هنا أبدًا، ولن أدع فضولي يضل بي السبيل."
لسوء طالعها، لم يكن سيمون ليعلم، ولا ليمتلك أدنى اهتمام بأفكارها.
وبينما كانت تهرول عبر الغابة، وحين مرت بجانب شجرة، انطلقت يد من بين أغصانها، فاجتزت رقبتها بلمح البصر وبدقة بالغة.
غابت عن وعيها على الفور، ثم سقطت على الأرض بارتطام.
انحنى سيمون، وفعل ما اعتاد فعله مرارًا وتكرارًا.
فتش جسدها بحثًا عن جوهر ظلها المكثف، وحين عثر عليه، تركها وشأنها.
أما مصيرها؟
لم يكترث له أدنى اهتمام.
لم تكن هذه هي المرة الأولى، ولا الثانية، ولا الثالثة، ولا الرابعة، ولا حتى العاشرة، التي يفعل بها ذلك.
كلما عثر على متبارين تمكنوا من الفرار، نصب لهم كمينًا وسلب منهم جوهر الظل المكثف.
لم يقتل أيًا منهم قط، بل كان يفقدهم الوعي فحسب، تاركًا مصير حياتهم للقدر والحظ.
لو لم يكن الموت مقدَّرًا لهم اليوم، لَعاشوا.
إن حالفهم الحظ بالبقاء أحياء، دون أن يفتك بهم متبارٍ آخر أو وحش، فليكن ما يكون.
لقد اندمج جوهره الظلي المكثف مع ما يربو على عشرين جوهرًا ظليًا مكثفًا، وكان الرخام الظلي الذي يقبض عليه في يده أكثر عتمة بكثير من سواه.
كم يا ترى بلغت نقاطي؟ ويؤسفني أنني لا أستطيع إحصاءها، فقد كنت أسرق نقاط الآخرين.
ألقى سيمون نظرة على الموضع الذي تحتدم فيه المعركة، وتساءل إن كان يجدر به المضي قدمًا فيما كان يفعله.
كان على يقين بأنه قد جمع بالفعل نقاطًا تفوق حاجته لاجتياز الاختبار الثاني، وإن لم يكن قد أحرزها بعد، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من ذلك.
"سأقتل أي وحش أراه في طريقي."
استقر رأيه على الاكتفاء بذلك؛ فقد كان يفتك بالوحوش والمتبارين الآخرين في الاختبار بعد أن أقام منطقة موت، لكن الأمر غدا مضجرًا له.
بالإضافة إلى ذلك، ساوره شعور بأنه عوضًا عن الاكتفاء بقتل الوحوش وسلب جوهر الظل المكثف، يمكنه أن يختار استكشاف وادي الرياح السوداء.
أشاح بوجهه عن اتجاه المعركة، وأغمض عينيه، فشعر بالريح وأنصت إليها، وحاول أن يبحث عن شيء غريب.
شيء غير مألوف.
كم سيكون رائعًا لو عثرتُ على كنزٍ خفي أو ما شابه ذلك... أم يتوجب عليَّ الحذر من وحش مرعب؟
"لا، سيكون ذلك شديد الخطورة بالنسبة لي. قد أمتلك الآن قوة بدنية تضاهي قوة شيطان عظيم، لكن الفارق بين الشيطان العظيم والشيطان العادي، وبين الوحش المرعب والوحش الرهيب، شاسع جدًا."
وبينما كان سيمون يستغرق في هذا التفكير، لاحظ فجأة شيئًا غريبًا في الريح.
كان ذلك شيئًا لن يلحظه أحد، أو لن يلحظه سوى أولئك الذين يمتلكون حسًا مرهفًا تجاه الرياح.
هل الرياح القادمة من الشرق دافئة وليست باردة؟