**الفصل الثمانون: سأفعل أي شيء لأحيا**
لماذا؟ لماذا؟ لماذا واجهت هذا الشيطان؟ لماذا قرر جاث الاقتراب منه؟ لماذا قرر جاث استفزازه مراتٍ لا تحصى؟
"لماذا؟"
"لا أبتغي الممات، ولستُ أهلاً له."
لم أقترف ذنباً. لم أستثره. ولم أغارِ عليه مع سائرهم.
لم أرتكب خطأ. لا أرغب في الفناء.
كل هذا من مسؤولية جاث. لو لم يستفز هذا الشيطان، لما آل بي الأمر إلى هذا الموقف، ولما لاقى سائرهم حتفهم.
"لن أجابه عته هذا الشيطان وسُعاره."
"أتوسل إليك... ارحمني."
انتحبت منى وهي تستحضر هذه الأفكار في خلدها، وحدقت في سيمون الذي كان يطغى عليها بنظرة مفترسٍ يرنو إلى فريسته.
ظل صمتاً يلفه، وتعاظمت هواجس منى ومخاوفها بصورة هائلة.
وبعد برهة من الزمن، مال نحوها مستخدماً طرف مخلبه ليرفع ذقنها.
بقيت ابتسامته التي تحمل براءة وهدوءاً تعلو وجهه وهو يراقب نحيبها.
"ولماذا يتوجب عليّ أن أدعكِ تحيين؟"
ارتجفت منى بينما استخدم سيمون مخلبه ليمسح بعضاً من مدامعها.
"أجيبيني يا هذه، ومن يدري... ربما أدعكِ تحيين."
تزايدت ارتعاشات منى، وتلاقت عيناها فوراً مع جاث وأوريانا وبريا وسوغ.
لقد وثقوا بكلمات هذا الشيطان حين زعم أنهم ما عليهم سوى خوض لعبة بسيطة وسيبقيهم أحياء.
لقد تلاعب بهم تلاعباً، كأنما هم دمى ترقص أمام محركها.
أحسّت بذلك. أبصرت في عينيه أن كل هذا مجرد لهو للشيطان، إذ كان هذا برمّته ضرباً من التسلية العليلة له.
لم يعتزم الشيطان قط إبقاءها على قيد الحياة، إذ كان مصممًا على إزهاق روحها، وقد أدركت ذلك يقيناً.
تسارعت خفقات قلبها، وتواردت على ذهنها الأفكار سراعاً.
"سأفعل أي شيء. سأغدو عبدتَكَ. سأكون كل ما ترتضيه. أي شيء تأمرني به أن أكونه. فقط أتوسل إليك، أدعني أحيا."
"لم أهاجمك قط كسائر الآخرين. لم أكن أضمر لك سوءاً. إنما كل ذلك كان من صنيع جاث. لقد كان هدفه قتلك أنت، لا أنا. لذا أتوسل إليك، أتوسل إليك أدعني أحيا."
نظر إليها سيمون بالابتسامة ذاتها التي اعتلت وجهه، ثم أمال رأسه.
"وماذا عساي أن أجني من كونكِ عبدتِي؟ لستِ موهوبةً بشكلٍ فائق. وكما ترين، فأنتِ ترتعدين فرقاً أمامي بينما أنا شيطان يافع وأنتِ شيطانة عتيدة."
"لا بوسعكِ حمايتي أو خوض معاركي بالنيابة عني. ولا يمكنكِ أن ترفعي من بأسي، فما الذي يمكنكِ تقديمه لي؟"
ارتعشت منى وتلعثمت.
"أفكر... أفكر... بإمكانك أن تستخدمني لقضاء وطرِكَ في أي وجهٍ من الوجوه. بوسعك أن تفعل بي ما تشاء ولن أتذمر. أستطيع أداء المهام اليسيرة بالنيابة عنك. وقد أحوز أيضاً معرفةً قد تكون في حاجة إليها."
"وأنا أيضاً أنحدر من سلالةٍ رفيعةِ الشأن، وإن لم تكن من نسبٍ عريقٍ من الدرجة الأولى، فهي سلالةٌ لها وزنها. وأنا على يقين من أنني أستطيع أن أنفعك على نحوٍ أو آخر."
"لذا أتوسل إليك، أتوسل إليك أدعني أحيا."
ضحك سيمون بخفة وهو يعبث بذقنه بيده الحرة.
"قضاء الوطر، الخدمة البيتية، المعرفة، والنسب... فهمت."
أومأ سيمون برأسه وهو يغمغم، ثم أخرج جوهر الظلام الكثيف.
"إذا كنتِ تريدينني أن أسمح لكِ بالحياة، فهذا يعني أنكِ ستفشلين في هذا الاختبار، لأنه لا سبيل لي أن أسمح لكِ بالتجول بمفردكِ بحثاً عن الوحوش لتقتليها. وكذا لا سبيل لي أن أسمح لكِ بجعل أي وحش نقتله ذريعةً لكِ. كل وحش سيؤول إليّ."
"وإذا حدث ذلك، فهذا يعني أنكِ لن يُسمح لكِ بالانضمام إلى العشيرة. وهذا يعني أننا لن نكون على اتصال ولن تكوني عبدتِي. وهذا يعني-"
"ما زلتُ أستطيع أن أغدو عبدتَكَ!" بادرت منى بمقاطعة سيمون على عجل في اللحظة التي استوعبت فيها مراده.
كان الخوف الذي انتابها مغايراً كلّ الاختلاف لما شعرت به في حياتها.
أمال سيمون رأسه قليلاً. "كيف؟"
"تسمح عشيرة شادوغريف لأعضائها بأن يمتلكوا عبيداً خاصين بهم. لكن هناك حدّاً لكل رتبة من رتب العشيرة. أما المرشحون أمثالنا الذين يتطلعون ليكونوا مبتدئين، فبوسعنا امتلاك عبدٍ واحد."
ضيّق سيمون عينيه. "أرى."
حكَّ رأسه وتنهد. ثم رمق جانباً لوهلة قبل أن يعود لينظر إلى منى بالابتسامة ذاتها.
"وماذا عن هذا الاختبار؟ أنا متأكد من أنكِ، والأهم من ذلك أسرتكِ، تريدونكِ أن تكوني عضواً في عشيرة شادوغريف، لا عبدةً لأحد المنتسبين إليها."
هزت منى رأسها. "هل يمكنني أن أصبح منتسبةً للعشيرة إذا غدوتُ جثةً هامدة؟ إذا وجب عليّ الاختيار بين البقاء والفناء، فسأنتخب الحياة دوماً مهما كلفني الأمر."
"إذا غدوتُ عبدتكَ، فلا تزال لدي فرصة لأغدو شخصيةً عظيمةً في المستقبل، مهما كانت ضئيلة. أما إن أدركني الموت، فأي فرصة ستبقى لي؟"
ظل سيمون مطبقاً صمته، وظهرت على وجهه آثار التفكر إثر استماعه إلى كلماتها.
"أرى." أزال مخلبه من تحت ذقنها، ثم أغمض عينيه وتنهد.
دوى صوت يمزق اللحم في الأرجاء، وسعلت منى وفمها يفيض بالدماء وعيناها متسعتان.
سألت بصوت متهدج: "لماذا؟"
عطفاً على غزارة حديثه، ظنت أنه سيدعها تحيا، لكنه لم يفعل.
عجزت عن استيعاب السبب.
إذا كان يروم قتلها منذ البداية، فلماذا كان يكثر من مخاطبتها؟
"لا تلوميني على هذا. وكما ترين... لقد تعرضتُ للخيانة مراراً وتكراراً من قبل أشخاص وثقت بهم ثقةً عمياء."
"لقد رأيت الكثير، ولا يمكنني بأي وجهٍ من الوجوه أن أثق بشخصٍ يتعلق بالحياة بشدة ويهاب الموت أشد وطأةً."
"إذا وجب عليكِ خيانتي لكي تحيين، فستفعلين ذلك بلا تردد. لذا... وداعاً. لقد كانت محادثة ممتعة على أي حال."
"لقد ساعدني ذلك على استعادة رباطة جأشي. وشكراً لكِ."
أزال سيمون مخالبه ببطء من قلب منى، ثم ألقاها برفقٍ على الأرض بملامح جادة.
"اللعنة عليك أيها اللعين!"
كانت هذه كلماتها الأخيرة قبل أن يدركها حتفها.
حدق سيمون في عينيها اللتين امتلأتا بالندم وامتعاضها الشديد من حتفها.
"من المضحك أن ينعتني شيطانٌ بالشيطان... لكنني أحسب أنكِ قد تكونين محقةً... لعلي أكون شيطاناً حقيقياً بالفعل الآن." نظر سيمون إلى القمر الأسود بملامح في غاية الجدية وخواطر لا تحصى.