الفصل الثامن: السرقة
توجب على سيمون وضع خطة لسرقة شيطان ذي مكانة رفيعة، وقد ارتكزت خطته على كل ما يعلمه عن ذلك الشيطان.
كان سيمون يدرك الكثير عن الرجل؛ شخصيته، سلوكه، عاداته، وحتى أنشطته اليومية الاعتيادية.
وكان سيمون يعلم أن اليوم الثالث من الأسبوع هو اليوم الذي اعتاد الشيطان أن يخرج فيه ليشرب مع أصدقائه، وحينما يعود إلى منزله، يكون في حالة سُكرٍ شديد دائمًا.
في منتصف الليل، حين كان الظلام دامسًا، قرر سيمون التسلل خلسةً من المنزل بينما كانت والدته غارقةً في نوم عميق. وبسبب ما اعتراها من توتر وجوع وضعف، غاصت في نوم عميق لدرجة أنها غفلت عما يدور في أرجاء المنزل.
وهكذا استولى عليها الضعف.
غادر سيمون المنزل ثم تسلل إلى منزل الشيطان. لم يكن ثمة مصدر للضوء في القبيلة، وغمر الظلام الدامس القبيلة بأسرها وما جاورها.
وفي مثل هذه الأوقات، كان سيمون يدرك قيمة امتلاكه لسلالة قطط الشياطين، إذ كان بمقدوره الرؤية في الظلام بعينيه الشبيهتين بالقطط، ولم يكن للظلام أي تأثير عليه.
عندما وصل سيمون إلى منزل الشيطان، وجد الموضع الذي اعتاد الشيطان أن يُخبئ فيه مفتاحه العظمي الاحتياطي للباب، ثم فتح الباب.
سمع شخير الشيطان العالي وهمهماته في حالة سكره، إلا أنه تجاهله تمامًا ولم يُعنِ نفسه عناء إلقاء نظرة على حالته الراهنة.
اتجه نحو حمام الشيطان، ففاجأته رائحة كريهة انبعثت منه. ولحسن حظه، كان مستعدًا لذلك، فقد توقع حدوثه.
مع أنه أطلق عليه اسم "حمام"، فإنه لم يشبه حمام البشر قط. بل كان مجرد ركنٍ مغلقٍ يحوي فتحةً في زاويته ودلوَ ماءٍ في منتصفه.
وعلى يساره، كانت توجد ستارة مؤقتة مصنوعة من جلد الوحوش، وكان سيمون يعي تمامًا أنه، مهما يكن الأمر، يجب ألا تطأ قدماه تلك الغرفة إطلاقًا.
لماذا؟
لأن تلك الغرفة كانت الموضع الذي يقضي فيه الشيطان حاجته، ومنها كانت تنبعث الرائحة الكريهة التي عمت المنزل.
لم تعتد الشياطين الاستحمام قط، لا سيما تلك التي تنتمي إلى قبيلة صغيرة متدهورة كتلك القبيلة. فالماء كان بمثابة كنزٍ ثمينٍ لديهم، وإهداره على أمرٍ كالاستحمام لم يكن ليخطر ببال أي شيطان قط.
لطالما كانت الرائحة الكريهة للشياطين منخفضة الرتبة مدعاة شكوىٍ للعديد من الصيادين حين كان سيمون إنسانًا، وتساءل سيمون كيف كان ليتفاعل هو ذاته، بصفته السابقة، مع تلك الرائحة الكريهة التي كانت تزكم أنفه حاليًا.
بيد أنه، ولحسن طالعه، قد تحول إلى شيطان الآن، فقد ألف رائحة الشياطين الكريهة لدرجة أنه لم يعد يدرك أي رائحة إلا إذا كانت بالغة الكراهة حقًا.
وإذا بلغت الرائحة من الكراهة حدًا يزعجه هو شخصيًا، فقد تساءل عما إذا كانت تلك الرائحة ستكفي للقضاء على إنسانٍ عاديٍّ.
كانت تلك فكرةً تستحق التأمل، بيد أنه أرجأ التفكير فيها.
انصب تركيزه على دلو الماء الموضوع في منتصف الحمام. دنا منه، فأزاح الدلو، ثم رفع الحجر الذي كان يرتكز عليه.
فبزغت حقيبةٌ أمام ناظري سيمون، وتلألأت عيناه ارتياحًا ورغبةً حين رآها.
التقطها دون تردد، وأخفاها بين ثنايا ملابسه المؤقتة.
ليتني أمتلك قدرة تخزين كالبشر. إذ يتمتع البشر حقًا بميزات عديدة في بعض الجوانب مقارنة بالشياطين.
كان هذا ما دار بخلد سيمون آنذاك، بيد أن ذلك لم يثنه عن مواصلة خطته.
بعد أن استولى على كيس العملات العظمية، أعاد الحجر إلى موضعه، وأرجع دلو الماء إلى مكانه الأصلي.
غير أنه لم يكتفِ بذلك. أخرج عظمةً بحجم إصبعه. كانت العظمة منقوشة، فألقاها في دلو الماء.
ثم غادر منزل الشيطان، من غير أن يدري أحد في القبيلة أنه قد سرق للتو من أحد أغنى أفرادها.
في اليوم التالي، استيقظت القبيلة بأسرها على زئير الشيطان الغاضب، مما أفضى لاحقًا إلى شجارٍ عنيف بينه وبين شيطانٍ آخر كان صانع عظامٍ.
أخبرته والدته فيما بعد أن الشيطان الذي كان يعمل لديه سابقًا كان يتهم صانع عظام آخر - منافسه اللدود - بالاستيلاء على أمواله.
وفقًا لوالدته، كانت هناك أدلة دامغة ضد صانع العظام. فقد عُثر على عظمةٍ تحمل نقوشًا مميزةً خاصةً بصانع العظام، داخل دلو الماء التابع لصاحب عمله السابق.
دفع هذا الأمر الكثير من الشياطين إلى الاقتناع بأنه هو من سرق المال، إذ كانت جميع الأدلة تشير نحو صانع العظام. وبدأ العديد من شياطين القبيلة يمارسون ضغطًا عليه لإعادة المال. إلا أنه أنكر بشدة جميع التهم الموجهة إليه.
خلق هذا الأمر توترًا كبيرًا داخل القبيلة، إذ هدد صاحب العمل السابق رئيس القبيلة، وأعلم الجميع بأنه سيهاجر إلى قبيلة أخرى، لأن أمواله التي جناها بعناءٍ لم تكن بمأمنٍ هناك.
وأوضح للجميع أنه ما لم يُرد إليه منافسه أمواله في غضون ثلاثة أيام، فسيغادر القبيلة.
كانت هذه معضلةً كبرى للقبيلة، إذ إن فقدان صانع عظامٍ واحدٍ من شأنه أن يلحق ضررًا بالاقتصاد الهش للقبيلة، فسعى رئيس القبيلة لإيجاد حلٍّ بين صانعي العظام الاثنين.
لكن، كيف يتسنى إيجاد حلٍّ بينما السارق الحقيقي شخصٌ آخر؟
انقضت ثلاثة أيامٍ حافلةٍ بالمفاوضات العسيرة والجدالات والمعارك، وغادر صانعا العظام كلاهما القبيلة، مما ألحق مزيدًا من الضرر باقتصادها الهش أصلًا.
إلا أن سيمون لم يكترث لهذا الأمر قط، لأنه أدرك أنه فعل ما توجب عليه فعله ليظل على قيد الحياة.
حتى لو أفضت أفعاله إلى فناء القبيلة بأسرها، فإنه لم يكن يبالي، طالما ظل هو ووالدته على قيد الحياة.
وفضلًا عن ذلك، لم يكن لديه أدنى تعاطف مع الشياطين قط. فقد رأى بأم عينيه الفوضى والخراب اللذين أحدثوهما في العالم.
ما أقلقه حقًا هو ما إذا كان عليه إخبار والدته بالحقيقة، أم إخفاؤها عنها.