**الفصل 57: بصيرة فريدة**
دلف اثنان من الفيلاريس إلى الغرفة، بينما تلألأت عينا سايمون بضوء فضيٍّ ساطع. وجّه طاقته الشيطانية نحو عينيه، ليتمكن من استشراف مستوى هذين الفيلاريس بدقة متناهية.
"إنهما شيطانان... وكلاهما من الدرجة الممتازة."
لم يكن سايمون ليتمكن من فعل هذا الأمر قبل إيقاظ لهب الفوضى الكامن في أعماقه. ولكي يستطيع قياس مدى قوة الشيطان بدقة، استحدث غريزياً، وعلى الفور، تقنيةً مكنته من رؤية لا الطاقة الشيطانية التي تحيط بالشيطان فحسب، بل وأيضاً الخطوط العريضة الضبابية للهب الفوضى الخاص به.
لو علم أرباب التوابيت بما فعله سايمون للتو، لَاجتاحتهم صدمة بالغة، إذ لا ينبغي لأحدٍ أن يتمكن من إنجاز أمرٍ كهذا بعد إيقاظ لهب الفوضى الخاص به حديثاً.
لم يكن ما أنجزه سايمون أسلوباً مستحدثاً أو غريباً بأي حال من الأحوال. فكل مملكة وعشيرة وقبيلة رئيسية تمتلك طرائق تمكنها من رؤية الطاقة الشيطانية للشياطين، وإن اختلفت هذه الطرائق فيما بينها. لكن يتعين على الشياطين تعلم هذه التقنيات بعد إيقاظ لهب الفوضى الكامن فيهم. ويُستثنى من ذلك إذا كانت سلالة الشيطان تحمل معرفة غريزية بكيفية استخدام هذه التقنيات، إلا أن هذه السلالات عادةً ما تنتمي إلى النبلاء أو الملوك... لا إلى عامة الشعب.
لم يكن سايمون يعلم بذلك، وحتى لو كان يعلم، لما اهتم. والسبب يعود إلى أنه استحدث تلك التقنية لا بسبب سلالته الفريدة فحسب، بل بسبب خبرته الطويلة أيضاً. فعندما تدفقت الطاقة الشيطانية المنبعثة من حلقاته القرمزية الثمانية عبر جسده، سرت أيضاً إلى عينيه. وبفضل خبرته الواسعة، تمكن من استيعاب التركيب الداخلي لعينيه، واستحداث تقنية بصرية ملائمة لذلك.
لكنه، ورغم عدم إلمامه بتشريح الشياطين وطاقتهم الشيطانية، اهتدى إلى سبيل للتغلب على هذا القصور. غير أنه أقر أيضاً بتلقيه بعض العون من سلالته. فعندما شرع في ابتكار هذه التقنية، أدرك بالفطرة ماهية ما ينبغي فعله، وأمثل السبل لتوجيه طاقته الشيطانية. وكانت النتيجة استحداث تقنية كانت لتذهل الممالك صغيرها وكبيرها، لا عشيرة شادوغريف وحدها.
يكمن السبب الرئيس لدهشة تقنية سايمون البصرية، لا لعشيرة شادوغريف وحدها، بل للممالك الصغيرة والممالك الست الكبرى أيضاً، في كونها تستطيع رؤية لهب الفوضى الشيطاني. لا يمكن رؤية لهب الفوضى لدى الشيطان إلا إذا كان المرء نصف إله، أو إلهاً كاملاً، أو أنعم عليه بتقنية بصرية خاصة.
لو انتزع أحدهم قلب شيطان وعزم على شطره نصفين ليرى لهب الفوضى الكامن فيه، لما رأى شيئاً البتة. كان لهب الفوضى غير مرئيٍّ للعيون المجردة، وبمجرد أن يموت قلب الشيطان، يتلاشى لهب الفوضى معه. لا يمكن رؤية لهب الفوضى، ولا يمكنه أن يقطن إلا في قلب شيطان.
لم يستطع سايمون رؤية الصورة الشاملة للهب الفوضى الشيطاني، بل كان بمقدوره رؤية مخطط مبهم لها فحسب، وكان ذلك بفضل سلالة القطط الشيطانية التي ينتمي إليها. لقد أرشده نسبه غريزياً إلى كيفية استحداث تقنية بصرية تمكنه من رؤية لهب الفوضى لدى الشياطين. لو تطورت سلالته أكثر، لاستطاع رؤية ما هو أبعد مما يراه في الوقت الراهن، لكن هذا القدر كان كافياً بالنسبة له. سمحت له تقنيته البصرية بتقييم مستوى الشيطان بدقة متناهية، وهذا كان مبتغاه الوحيد.
لكن إذا بلغ هذا مسامع الشياطين الأخرى، فإن الصدمة التي ستنتابهم ستكون فوق الوصف.
لم يكن سايمون يعلم ذلك، لكنه كان يدرك أن لسلالته أصولاً أخرى بعد خضوعها لتطور. ويعلم أنه حتى وإن بدت سلالته عادية، فهي ليست عادية بالمعنى المتعارف عليه. كان هناك شيء ما في نسبه لم يتمكن من فهم كنهه. كما كان يدرك أنه لو وقف أمام شيطان من سلالة نبيلة، فلن يضطره ذلك إلى الخوف. فنسَبُه لن يشعر بالخوف أو بأي قمعٍ لسلالته. بل على العكس من ذلك، راوده شعور بأنه قد يتمكن، في ظل الظروف المناسبة، من بثّ الخوف في أرواح النبلاء أنفسهم.
"إنه لأمرٌ مثير للاهتمام حقاً. فكلما ازداد الوقت انقضاءً، وكلما تدفقت المعلومات التي تلوح في ذهني على حين غرة، لا فيما يتعلق بسلالة قطتي الشيطانية فحسب، بل وأيضاً بسلالة شيطاني ذي القرن الواحد."
"شياطين وسلالات دموية، إذن... لا عجب أنهم يتمتعون بهذه القوة. ويمكنهم استيعاب الأمور بسهولة بالغة."
وبينما كانت هذه الأفكار تجول في خاطر سايمون، انتصب أمامه اثنان من الفيلاريس يرتديان أقنعة وأردية محكمة لتغطية الضمادات على جسديهما. ألقى كلاهما نظرة خاطفة على القَيْء المُبعثَر على الأرض، فاستبصر سايمون الازدراء والاشمئزاز في أعينهما وهما يحولان نظرهما نحوه. لقد اعتقدوا أنه قاء أحشاءه بسبب ألم التحول الجسدي الذي يمر به كل شيطان بعد إيقاظ لهب الفوضى الخاص به، لكن سايمون لم يُكلّف نفسه عناء الشرح أو الإدلاء بأي تعليق. حدق بهما بنظرة هادئة لا مبالية.
قال أحد الفيلاريس: "اتبعنا. سنصحبك إلى غرفتك حيث تنتظر المحاكمات."
أومأ سايمون برأسه إيجاباً. ثم سار الفيلاريس، وتبعه سايمون في هدوء.
وبينما كانوا يمضون في ممر لا أبواب له، سأل سايمون: "متى ستبدأ المحاكمات؟"
"ستبدأ المحاكمات بعد ثلاثة أيام من الآن."
"محاكمات، إذن. ليست مجرد اختبار واحد."
كان الفيلاريس الأول قد نطق بكلمة "اختبار" بدلاً من "محاكمة"، لكن سايمون تعمّد استخدام كلمة "محاكمة" ليتحقق مما إذا كان الفيلاريس الأول قد ارتكب خطأً. "أتساءل كيف ستكون هذه المحاكمات."
وبينما كان سايمون غارقاً في أفكاره هذه، غمرته أحاسيس عدة، فانتابه وخزٌ، واقشعر بدنه بالكامل.
"إنهم هم أنفسهم."
لقد تعرف على الهالات؛ كانت تلك هالات أرباب التوابيت، وكان يدرك أنهم قد أخذوا يمسحونه بحثاً عن جسده المادي وطاقته الشيطانية.
"لحسن حظي، فإن الطاقة الشيطانية التي تنبعث مني سلبياً ذات لون أزرق سماوي، لا فضي، وإلا لتسببت في مزيد من الشكوك والمتاعب لي."
حول سايمون نظره إلى الفيلاريسَين، ولاحظ أنهما لم يستشعرا الأحاسيس التي عمت المبنى الذي كانا فيه.
"الآن، بعد أن امتلكتُ لهب الفوضى والطاقة الشيطانية، بات بوسعي حقاً أن أستشعر مدى قواهم. وهؤلاء الأفراد... لا بد أنهم من أقوى أسياد الشياطين الذين واجهتُهم... وخاصة الشيطان ذو النقطة القرمزية الوحيدة على قناعه. لا بد أن يكون هذا ثالث أقوى أسياد الشياطين الذين واجهتُهم. ربما حتى ضمن الاثنين الأوائل."
"القوة... يتوجب علي أن أكون أقوى بكثير مما كنت عليه في حياتي السابقة."
أشرقت عينا سايمون بضوء شيطاني بارد وحاد، يشي بعزيمة لا تلين.