الفصل 52: الشفاء والتأمل
بعد أن غادر سيمون صالة حَمَلة النعش، قاده فأرٌ شيطانيٌّ قصيرٌ إلى الغرفة التي كان من المقرر أن يُشفى فيها.
كان مدعاةً للسخرية نوعاً ما أن يتولى فأرٌ شيطانيٌّ قيادته، فهو قطٌ شيطانيٌّ في الأساس. وقد لاحظ سيمون الفأر الشيطاني يرتجف مراراً ويكاد يتعثر، إذ كانت سلالته تهابه بالفطرة.
وقد كان هذا على الرغم من كون الفأر الشيطاني شيطاناً صغيراً لم يوقظ قلبه الشيطاني بعد.
بيد أنه لم يكن مستغرباً أن يعتري الفأر الشيطاني خوفٌ فطريٌّ منه. فلم يكن نسب سيمون مفترساً فحسب، بل كان أيضاً أشدّ قوةً بدنيةً من الفأر الشيطاني.
بيد أنه، هل كان سيمون يكترث لهذا الأمر؟
قطعاً لا. كل ما كان يصبو إليه هو بلوغ الغرفة التي سيُشفى فيها.
ولما بلغها، وجد نفسه في غرفةٍ أرضيتها وجدرانها من البلاط الأسود، ويتوسطها حوض استحمام أبيض.
أمره الفأر بالدخول بنبرةٍ هي الأكثر ثقةً يمكنه أن يحشدها، فدنا سيمون من حوض الاستحمام، والحماس والارتياح باديان بوضوح في خطواته وعينيه.
كان داخل الحوض سائلٌ قرمزيُّ اللون، تنبعث منه رائحة الدم الممزوج بالأعشاب.
ورأى بعض الأعشاب، المألوفة منها وغير المألوفة، تطفو على سطح السائل. وبعدما تفحص الأعشاب وأصغى إلى حدسه، أزال ما تبقى من خرقٍ كانت تغطي عورته، ثم ولج حوض الاستحمام.
في اللحظة التي وطئ فيها السائل، أطلق فحيحاً، إذ انتابه ألمٌ لاذعٌ امتد من أطراف أصابع قدميه إلى ذيله القصير، وصولاً إلى قرونه.
شعر سيمون برغبةٍ عارمةٍ في القفز من السائل من شدة الألم، لكنه كان يتوقع مثل هذا الوجع بالفعل.
وفضلاً عن ذلك، فما هذا الألم إلا هينٌ مقارنةً بما قاساه منذ أن اختطفته العشيرة؟
خرج الفأر من الغرفة، مخلفاً سيمون وحيداً، فأغمض سيمون عينيه براحةٍ غامرةٍ بينما كان السائل يضمد جروحه.
ورغم علمه بأن المكون الأساسي للسائل هو الدم، فإنه لم يأبه.
فقد كانت أخلاقه البشرية تتلاشى مع كل محنة يمر بها.
إذا كان عليه أن يغتسل بالدم ليبرأ من إصاباته، فليكن.
كان يشعر بلحمه المفقود وإصاباته الداخلية البليغة تلتئم بوتيرةٍ معتدلةٍ، لا بطيئةٍ جداً ولا سريعةٍ جداً.
ولاحظ أيضاً أن الإصابات التي لحقت بقلبه وجوهره، والتي نجمت عن استئصال سلالته، كانت تلتئم أيضاً، بيد أنها لم تزد قوةً على الإطلاق.
لم يمنحه السائل أيَّ زيادةٍ في قوته أو موهبته، بل عالجه فحسب، وكان سيمون يأمل أن يبرئه تماماً.
وبينما كان مستلقياً في حوض الاستحمام، يحدق بشرودٍ في السقف الأسود، لم يسعف عقله إلا أن يتيه في غياهب ما حل به.
لقد رددها مراتٍ لا تحصى بأنه يكره حياته الثانية جرّاء كل ما قاساه، ولكن عندما أجرى تأملاً عميقاً في ذاته، أدرك أمراً ما.
أدرك أنه، في نهاية المطاف، هو المذنب في وضعه الراهن.
هل كان ليتكبد كل هذا العذاب لو لم يسرق جوهر دم المُلتهم؟
هل كانت والدته لتخونه في هذا العمر الغضّ؟
هل كان ليحمل في جوفه حريشاً يلتهم الأرواح لو لم يسرق؟
كانت الإجابة البينة على هذه التساؤلات هي لا.
كلا، لم يكن ليتحمل كل تلك الويلات التي اجتازها.
في المطاف الأخير، كان كل ذلك خطأه هو.
كان بوسعه أن يلقي باللائمة على والدته، أو على زاغلور، أو على عشيرة شادوغريف، لكن المأخذ كان عليه وحده لأنه كان جشعاً.
لم يتسبب جشعه في كل هذا الألم المادي والنفسي والعاطفي فحسب، بل أفضى أيضاً إلى هلاك أكثر من مائة شيطان.
بسببه لم تعد قبيلة آشبورن قائمة، ولكن بغض النظر عن اهتمامه بأي شيطان، فقد كان عليه أن يتحمل مسؤولية أفعاله.
كان لديه ما يكفي من المال للذهاب إلى عشيرة صغيرة والبدء من هناك. فلم يكن الأمر يسيراً، لكنه كان ليكون أكثر أماناً على الأقل.
"جشعي هو ما ساقني إلى هذا المصير. رأيت فرصة لأغدو أقوى فاغتنمتها، متجاهلاً المخاطر التي كانت ماثلةً أمامي مباشرة."
"لا ينبغي لي أن ألقي اللوم على أمي، أو على زاغلور، أو على عشيرة شادوغريف، أو على عالم الشياطين بشكل أساسي. بل إن المسؤول الأول الذي ينبغي أن ألومه هو ذاتي."
"لقد جلبت هذا على نفسي، وعليّ أن أحيا مع تَبِعات أفعالي."
أطلق سيمون تنهيدةً عميقةً، وهو يدفع نفسه أعمق في حوض الاستحمام. ثم رفع بصره، وتألقت عيناه بنظرةٍ حازمةٍ.
"سأنجو، ثم سأثأر. وخاصةً من بيلين؛ سيكون أول من أفتك به."
لمع بصره بنية القتل ولمحة من الجنون، ثم أطلق تنهيدةً أخرى ليُهدئ من روعه.
قرر ألا يمعن التفكير في أمور أخرى في هذه الآونة، مثل ماهية الاختبارات المرتقبة، أو حَمَلة النعش الستة، أو ماهية خطواته التالية.
في تلك اللحظة، كان كل ما يريده هو النوم بعد أن فرغ من تأمله العميق في ذاته.
وبينما كان يحدق في السقف، لم يفكر في شيء، وبعد حين وجيز، غلبه النعاس.
كان هذا النوم نادراً، إذ لم يكن ينعم به إلا عندما كان رضيعاً، بسبب عادته في عدم النوم بعمق.
لقد شفى السائل القرمزي الإصابات الخارجية والداخلية لجسده، لكن ما عجز عن شفائه هو روح سيمون.
وكما أفاد حَمَلة النعش، فإن حريش الوجه البشري كان في الحقيقة حريشاً قاضماً للأرواح أو ملتهمًا لها.
كل قضمة التقمها من داخل جسد الإنسان لم تؤثر في الجسد المادي فحسب، بل في الروح أيضاً.
كل جزءٍ انتزعه من جسده كان بمثابة جزءٍ من روحه. ورغم ضآلة حجمه، كانت الروح هشة للغاية، لا سيما بالنسبة لسيمون الذي كان لا يزال واهنًا جداً.
لكن، وعلى الرغم من تجسده من جديد بذكرياته وبركته، إلا أن روحه لم تكن قوية كما كانت من ذي قبل، وقد أُضعِفَت بشدة حتى يتمكن من التجسد مرة أخرى دون أن يُكتَشف.
لم يكن لدى سيمون أي علمٍ بهذا، ولكن مع انقضاء الوقت، ستؤثر فيه هذه الأجزاء الضئيلة المفقودة من روحه.