Switch Mode

الهالة المكسورة 511

الأم فليشوود +


الفصل 511: أم اللحم الخشبي

بينما كان سيمون يغمر بقوة المهارات المتضافرة للّحم الخشبي ، أحسّ جسده يمرّ بتغيير ذكّره باللحظة الأولى التي حاز فيها على قوة الابتلاع.

كان كيانُه بأسرِه – جسداً وفكراً وروحاً – يجتازُ تحوّلاً لم يتمكّن سيمون من صياغته في كلماتٍ وافية.

لقد كان ألماً موجعاً ، لكن بفضل قدرته الفائقة على تحمّل الألم لم يطلق صرخةً أو أنيناً. بل اكتفى بتحمّل الألم ومراقبة التحوّلات التي كانت تطرأ على جسده وعقله وروحه.

غير أنّ سيمون ، وعلى عكس غمرة الابتلاع السابقة ، أدرك سريعاً أن ثمة شيئاً مختلفاً.

كان النور الأسود ، المنهمر من النجم الأسود ، يتبدّل.

ازداد كثافةً وظُلمةً.

وأحسّ بحيويةٍ غريبة تتغلغل فيه.

لقد كانت تلك الحيوية من الكثافة والمبالغة بحيث شعر سيمون وكأن كل خلية في جسده تغرق في بحر الحياة ذاته.

ارتعش جسدُه.

وارتعشت روحُه.

حتى بحر وعيه تَهَلْهَلَ.

ثم تبدّل مشهدُه.

وجد سيمون نفسه فجأة واقفاً في مكانٍ غريبٍ ، وكان أول ما استرعى انتباهه هو السماء.

أو بالأحرى...

غيابُ السماء بالكلية.

فوقه ، انبسطت كتلةٌ لا متناهية من الجذور. جذورٌ لا تُعدّ ولا تُحصى تَعانقت وتَشابكت لتُشكّل ما يُشبه سقفاً.

امتدت تلك الجذور إلى البعيد ، بعيداً لدرجة أن سيمون لم يستطع أن يرى منتهاها.

"أين أنا ؟ "

وما أن خطرت هذه الفكرة ببال سيمون حتى لاحظ شيئاً غريباً.

كان ثمة نور. نور قرمزيّ خافتٌ بالتحديد.

تدفّق ذلك النور عبر الجذور كالدماء المتدفقة في الشرايين.

عقد سيمون حاجبيه قليلاً حينما رأى هذا النور.

"أهذه هي جذور اللحم الخشبي الذي واجهه لوسيان ، أم جذور اللحم الخشبي الأول ؟ "

أدرك سيمون حينها أن كل ما حوله كان ينبض بالحياة.

كانت الجذور حيّة.

وكانت الأرض من تحته حيّة.

حتى الهواء نفسه بدا له ينبض بالحياة.

ثم تحطّم العالم.

تغيّر المشهد.

وجد سيمون نفسه واقفاً وسط ساحة معركة.

لا.

لم يكن وصفُها بساحة معركة دقيقاً.

كانت مقبرةً.

مقبرة لا متناهية.

امتدّت جبالٌ من الجثث إلى ما وراء مدى بصره.

كان بعض هذه الجثث ضخماً لدرجة أن سيمون لم يتمكّن حتى من تحديد أيّ عرقٍ تنتمي إليه.

بعضها يمتلك ستّة أذرع.

وبعضها الآخر يمتلك عشرات الأجنحة.

وآخر يمتلك أجساداً تشبه النجوم.

بينما بدا البعض الآخر مصنوعاً بالكامل من الحجارة والجبال.

في اللحظة التي حاول فيها سيمون التمعّن في أحدها ، انفجر ألمٌ لا يُحتمل في رأسه.

"آه! "

ترنّح إلى الخلف متأرجحاً ، ثم غَشِيَ بصره.

بعد ثانية واحدة ، ظهر نورٌ أسود حوله ، وعلم سيمون أن هذا النور الأسود هو من بركة النجوم السبعة الخاصة به.

اختفى الألم على الفور ممّا جعل سيمون يتنفّس الصعداء.

ثم نظر سيمون بعينين ضيقتين قليلاً تملؤهما الحيرة والارتباك.

"أهذه هي هاوية الجثث ؟ "

وما أن خطرت هذه الفكرة بباله حتى تلاشى مشهد ساحة المعركة.

ثمّ ظهر مشهدٌ جديد.

في هذه المرة ، رأى سيمون جذوراً.

لا شيء سوى الجذور.

امتدّت الجذور بلا نهاية عبر الظلام.

اخترقت الجثث.

اخترقت الجبال.

اخترقت الأنهار.

اخترقت أشياءً لم يتمكّن سيمون من فهمها.

في كل مكان امتدّت إليه الجذور ، اضمحلّت الحياة.

ومع ذلك...

لقد احتوت الجذور ذاتها على حيويةٍ طاغيةٍ لدرجة أن سيمون شعر بالاختناق منها.

كان ذلك متناقضاً.

لقد ابتلعت الجذور الحياة.

ومع ذلك فقد امتلكت من الحياة ما يفوق أي شيء صادفه سيمون من قبل.

ثمّ أحسّ به.

الجوع.

جوعٌ مرعب.

لم يكن هذا الجوع عائداً إليه.

بل كان ينتمي إلى شيءٍ آخر.

كان كياناً قديماً ، هائلاً ، وغارقاً في سباتٍ عميق.

ذكّره هذا الجوع بالآكلين (المفترسس) ، ولم يستطع سيمون إلا أن تكتسي ملامحه تعبيراً جاداً.

"هذا الجوع... إنه يذكّرني بالابتلاع... وبالآكلين. "

"هل كان أحد الآكلين موجوداً بين جثث هاوية الجثث ؟ وهل نمت شجرة اللحم الخشبي من جثة أحد الآكلين ؟ "

تعمّق عبس سيمون.

"وهل من الممكن لي أن أدمج قدرة التجديد الخاصة باللحم الخشبي مع الابتلاع ؟ وهل هما متوافقان ؟ "

شاردٌ جزءٌ من عقل سيمون في أغوار أفكاره ، لكنه ظلّ واعياً بماذا يجري حوله.

وكلما تعمّق في إدراك هذا الجوع و كلما أدرك أمراً غريباً.

لم يكن هذا الجوع موجّهاً نحو اللحم ولا نحو الدم. بل كان يصبو إلى شيءٍ آخر...

الأرواح.

الذكريات.

المشاعر.

الألم.

المعاناة.

الخوف.

في اللحظة التي استشعر فيها سيمون هذا الجوع ، دبّت قشعريرة باردة في أوصاله كلها.

"ما هذا الكائن بحقّ السماء ؟ هل شجرة اللحم الخشبي مرعبة إلى هذا الحدّ ؟ "

تحطّمت الرؤيا مرة أخرى.

في هذه المرة ، رأى سيمون ومضاتٍ.

ومضاتٍ عديدة.

غابة.

مدينة.

ساحة قتال.

مملكة.

سلسلة جبال.

كل ومضة لم تستمر لأكثر من ثانية.

لكن كلّ مكانٍ من تلك الأماكن كان يجمعها قاسمٌ مشتركٌ واحد.

الجذور.

كانت جذورٌ مخبأة تحت الأرض ، تنتشر عبر أسس مناطق بأسرها.

استرجع سيمون فجأة ما قالته ليليث.

لقد بسط اللحم الخشبي جذوره عبر أساس هذا العالم.

في حينها ، فهم تلك الكلمات.

أما الآن ، فقد أدرك أنه لم يستوعبها حقاً قط.

الجذور التي كانت يراها لم تكن تنتشر عبر المدن فحسب.

بل كانت تمتدّ عبر العالم بأسره.

انقبضت حدقتا عينيه.

ثمّ ظهرت صورةٌ أخرى.

استمرّت هذه الصورة لوقتٍ أطول من غيرها.

رأى سيمون شجرةً.

في اللحظة التي وقعت عيناه عليها ، تجمّدت أفكاره.

كانت الشجرة هائلةً لدرجة أن عقل سيمون رفض غريزياً ما كانت عيناه تراه.

لقد رأى الكثير والكثير في حياته السابقة. و لقد وطئ عوالم الآلهة ، وشاهد وحوشاً ضخمة ، وآلهة ، وكائنات حية ، وأشياء لا تُحصى من قبل.

لكن في هذه المرّة... لم يستطع تحديد مدى ضخامتها.

كلما حاول تقدير حجمها ، انهار لديه مفهوم المقياس.

كانت الجذور أكبر من سلاسل الجبال.

وشبهت أغصانها القارات.

وبدا لحاؤها كجدرانٍ لا متناهية من اللحم المجفف.

ومغروسةً في لحائها...

كانت وجوهٌ.

وجوهٌ لا تُحصى.

ملايينُ.

ملياراتُ.

وجوهٌ لشياطين ، ووحوش شيطانية ، ومخلوقاتٍ مجهولة.

بعضها يصرخ.

وبعضها يبكي.

وبعضها الآخر يبدو مسالماً.

بينما بدا البعض الآخر فارغاً تماماً من أي تعبير.

حدّق سيمون في الشجرة بصمتٍ مذهولٍ.

علم أن حجم الشجرة التي تراءت له كان على الأرجح أكبر بكثير مما قدره عقله.

لم يكن ذلك سوى عقله الذي قلّص حجمها كي لا يغمره الذهول.

غير أنه كان يعلم شيئاً آخر أيضاً.

دون الحاجة إلى من يخبره ، علم أن هذه الشجرة التي تفوق الخيال كانت...

أم اللحم الخشبي.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط