الفصل الخامس: قفزة زمنية (1)
مضت سنون بعدما حاز سيمون على "الخوف" بفضل ما يمتلكه من مهارة. وفي لمح البصر، بلغ الخامسة عشرة من عمره.
وخلال السنين الخمس عشرة التي أمضاها في عالم الشياطين، أدرك مدى قسوة العيش فيه.
أو بتعبير أدق، مدى فظاعة المكوث في أدنى مراتب مجتمع الشياطين.
لقد فاق الأمر سوءًا توقعاته، وفي لحظة ما، تساءل سيمون عما إذا كان يمتلك بصيص أمل في استعادة جزءٍ ضئيل من القوة التي كان يتحلى بها في حياته الماضية.
كان عالم الشياطين ينقسم إلى قبائل وعشائر وممالك.
ضمَّ عالم الشياطين بأكمله ست قبائل رئيسية، وست عشائر رئيسية، وست ممالك رئيسية.
مثَّلت القبائل الست الرئيسية قيادة الطبقة الدنيا في مجتمع الشياطين، بينما اضطلعت العشائر الست الرئيسية بدور قادة الطبقة الوسطى، وتصدرت الممالك الست الرئيسية قيادة الطبقات العليا في هذا المجتمع.
لم تكن هذه الجماعات الثماني عشرة هي الوحيدة التي سادت عالم الشياطين الشاسع، بل كانت هناك جماعات أخرى عديدة تنضوي تحت لوائها، ضمن القبائل والعشائر والممالك. بيد أنها كانت جميعًا جماعات صغيرة تتطلع يومًا ما إلى الإطاحة بإحدى الجماعات الرئيسية، طمعًا في استعادة سلطتها ومواردها السابقة.
كان سيمون ووالدته من عامة الناس ضمن قبيلة صغيرة تقطن الأراضي البرية.
كانت منطقة "وايلدلاندز" موطنًا للقبائل، وإحدى أقسى البقاع للبقاء على قيد الحياة.
لقد كان الطقس قاسيًا للغاية ولا يرحم، فكان الجو جافًا وحارقًا، والماء شحيح الوجود، والأرض قاحلة متشققة كصحراء مهجورة. وكانت العواصف العاتية التي تدمر المنازل أمرًا مألوفًا، والأدهى من ذلك كله هو نقص الغذاء والموارد اللازمة للتعافي.
كان سيمون ينتمي إلى قبيلة صغيرة تُعرف باسم "داسكفانغ"، وكانت هذه القبيلة إحدى القبائل التابعة العديدة لقبيلة "آشبورن"؛ إحدى القبائل الرئيسية الست.
قبل أن يستبين سيمون أي شيء عن عالم الشياطين، خطط لإيجاد سبلٍ تمكنه من اكتساب القوة بسرعة، حتى لو تطلب ذلك المخاطرة بحياته في سنٍ مبكرة لمجابهة الوحوش الشيطانية، إلا أنه لم يتمكن حتى من تحقيق ذلك.
ولِمَ كان ذلك؟
لأن قبيلة "آشبورن" منعت ذلك.
لقد أرست قبيلة "آشبورن" قاعدة مفادها أنه لا يُسمح إلا لصياديها باصطياد الوحوش الشيطانية في أراضيها. وإن عُثر على أي شخص ليس من صياديها يمارس الصيد في تلك المنطقة، فلن يكون مصيره موتًا سريعًا وفوريًا، بل موتًا بطيئًا ومروعًا.
في مستهل الأمر، ظن سيمون أنه بمقدوره إيجاد سبيل للتسلل إلى الأراضي البرية والعثور على وحش شيطاني يقتله ويستهلكه، ليغدو أقوى، لكنه أدرك لاحقًا أن مثل هذا المسعى غير ممكن دون علم قبيلة "آشبورن".
كانت العقبة الأولى تكمن في معرفة مواقع الوحوش الشيطانية. فلم يكن التوغل في البراري كمن يدخل غابة أو منطقة برية ويتوقع العثور على الوحوش أو الحيوانات بيسر.
لقد كانت الأراضي البرية شاسعة إلى حدٍ لا يتصوره عقل، وبسبب ظروفها القاسية غير المواتية، قد يفتك الطقس والبيئة بالمرء قبل أن تسنح الفرصة لوحش شيطاني لغرس أنيابه في ذلك الشقي.
لم يكن بإمكان أحدٍ أن يصطاد مع تقليل المخاطر على حياته سوى أولئك الذين كانوا على دراية تامة بالأراضي البرية، كصيادي "آشبورن". ولكن حتى هؤلاء كانوا يفقدون أرواحهم أحيانًا، لأن الأراضي البرية لم تكن مكانًا آمنًا على الإطلاق.
لقد كانت بقعة شديدة الخطورة، لدرجة أنها كانت قادرة على إزهاق روح زعيم عشيرة، ناهيك عن رئيس قبيلة أو محارب شيطاني عادي.
لقد رأى سيمون كيف حاول محارب شيطاني من قبيلتهم التسلل إلى الأراضي البرية، وبعد انقضاء أسبوعين، أعاد صيادو قبيلة "آشبورن" جثته إلى موطنه.
لقد شهد أفراد قبيلته التعذيب الوحشي الذي تعرض له على أيدي صيادي "آشبورن"، وأمام مرأى ومسمع جميع أفراد القبيلة، أقدموا على قطع رأس أحد محاربيهم، بل وفرضوا غرامة باهظة على قبيلتهم لدرجة أنها أثرت عليهم لسنين ستٍ كاملة.
بسبب تلك الغرامة، عانت القبيلة بأكملها معاناة شديدة، إذ أصبح الطعام شحيحًا للغاية، وازداد الحصول على المال صعوبة، وغدا كل شيء باهظ الثمن على نحوٍ خيالي.
اختار بعضهم الهجرة إلى القبائل المجاورة، لكن قرارًا كهذا كان محفوفًا بالمخاطر.
فلم تكن المسافة من قبيلتهم إلى أقرب قبيلة إليهم تُقطع في رحلة ليوم واحد، بل في أسبوع كامل سيرًا على الأقدام.
وكان ثمة أيضًا خطر مواجهة وحش شيطاني، أو أن تغدو البيئة قاسية للغاية على حين غرة. ورغم ذلك، كان هذان الاحتمالان نادرَي الوقوع.
ومع ذلك، حتى لو بلغ المرء قبيلة "هولوكلو" التي كانت أقرب القبائل إلى قبيلة "داسكفانغ"، فإن العلاقة بين القبيلتين لم تكن وطيدة، ولم تكن المناوشات والمعارك بينهما نادرة.
إن اختار المرء الرحيل إلى قبيلة "هولوكلو"، فمن شبه المؤكد أنه سيعامل كعبد أو منبوذ.
لن تكون حياتهم أفضل حالاً بكثير، ولكن بالنسبة للبعض، كان ذلك أكثر احتمالًا من البقاء في قبيلة "داسكفانغ" بعد الغرامة.
وقد وافق سيمون أيضًا على رأي أولئك الذين هجروا القبيلة.
كانت الغرامة قد فُرضت عليه وهو في السابعة من عمره، والآن وقد بلغ الخامسة عشرة، مضى عامان على سدادها بالكامل. ورغم ذلك، لم يطرأ أي تحسن على وضع القبيلة.
في الحقيقة، بالنسبة لسيمون، فقد تفاقم الأمر سوءًا. فقد ألحقت الغرامة ضررًا بالغًا باقتصاد قبيلتهم على نحوٍ لم يتخيله الكثيرون.
بفضل خبرته كملك في حياته السابقة، استطاع أن يرى بوضوح كيف أثرت هجرة بعض أقوى محاربيهم وخياطيهم وحرفييهم الموهوبين بشدة على قبيلتهم... وعلى أسرته.
غدت والدته نحيفة للغاية، وتلاشت الابتسامة التي كانت ترتسم على وجهها سابقًا.
كان بإمكانه أن يلمح دائمًا الحزن والقلق والإحباط والارتباك والغضب في عينيها.
لكنه لم يعتبرها قط والدته الحقيقية، فقد كانت لديه أمٌ أخرى عندما كان إنسانًا. ومع ذلك، كان يهتم بها أيما اهتمام، ووجد نفسه متعلقًا بها حقًا، نظرًا لطريقة رعايتها له وحبها غير المشروط إياه.