الفصل 16: السرقة من لص
قتلَ أحدُ الأسرى المصفّدين الذين بيعوا للتاجر، حارساً غافلاً بطعنه في عنقه بسكينٍ كان قد أخفاها.
حاول الرجل الفرار يائساً، بيدَ أنى له ذلك، وقد أحاط به هذا العدد الهائل من الحراس؟
أمسك به الحراس غاضبين، بل انهال عليه بعضهم ضرباً مبرحاً، لما اقترفه من قتل أحد رفاقهم.
حاول أحد الحراس، وكان صديقاً حميماً للحارس الشيطاني الذي لقي حتفه، اجتثاث رأس الأسير، وما إن أطلق الأسير استغاثته طلباً للعون، حتى انتبه الجميع، بمن فيهم سيمون وزاغلور.
أمعن سيمون النظر في المشهد بنظرة حائرة، وفي اللحظة التي وقع فيها بصره على الشيطان الذي أوشك أن يُفصل رأسه، رأى زاغلور يظهر فجأة أمام الحارس.
قطّب سيمون حاجبيه، ثم نظر قبالته حيث كان يُفترض وجود التاجر.
غير أن التاجر لم يكن موجوداً. وفي طرفة عين، انتقل التاجر من موقعه أمامه إلى حيث الأسير المصفّد، قاطعاً المسافة بينهما في لمحة.
"يا لها من سرعة! لم أستطع أن أتبين حركته على الإطلاق. لقد خُيّل إليّ أنه انتقل لحظياً، مع أنه لم يفعل."
وبينما كان سيمون يستغرق في هذا التفكير، قطّب حاجبيه عندما لمح طيفاً بمؤخر عينه.
رأى شيطاناً مقنعاً يختلس جوهر دم المُلتهم من على الطاولة، بينما كان الكل منهمكاً بالضجة القائمة.
"يا للجرأة!"
تملّكت سيمون رغبة عارمة في إيقاف الشيطان، إذ كان يفضل أن يحوز التاجر جوهر الدم لأنه ملكه، على أن يحصل عليه شيطان من قبيلتهم.
لكن عندما تذكر مستوى القوة الكامنة التي يمتلكها التاجر، توقف هنيهة، وظهرت في عينيه لمعة تدبير وحساب.
وبعد ثوانٍ قليلة، تحرك. مستشِقاً طريقه ببراعة بين الحشود، متجاهلاً تماماً ما يدور بين التاجر وزعيم القبيلة.
كانت عيناه مثبتتين بالكامل على الشيطان سارق جوهر الدم. ولم يكن هو وحده من رمق الشيطان بنظراته، فقد رمقه التاجر نفسه بنظرة خاطفة، لم تغادرها ابتسامته المعهودة.
وبينما كان سيمون يشق طريقه بين الحشود برشاقة ومرونة القطط، قلّص الفارق بينه وبين اللص في غضون أقل من عشر ثوانٍ.
لقد تجاهل تماماً سباب الناس الذين دفعهم جانباً، وعندما دنى من اللص، ثبت بجانبه في ذات اللحظة التي حرك فيها اللص ذراعه محاولاً دفع شيطان آخر بعيداً.
"آه!" صرخ مطلقاً صرخة ألم وهو يسقط أرضاً بفعل دفع الشيطان له.
رمقه الشيطان بنظرة خاطفة، لم تتبين عيناه ملامح سيمون على الإطلاق.
"تنبه أيها الفتى."
دوى صوت أجش من شفتي الشيطان المقنع، ثم انصرف مسرعاً دون أن يهدر لحظة واحدة.
حاول بعض الشياطين مساعدة سيمون، فقد عرفوا فيه موهبة محتملة لقبيلتهم، لكن سيمون رفضهم بأدب وابتسامة، ثم غادر ومعه سيفه الذي ابتاعه حديثاً وقارورة جوهر دم المُلتهم كامنةً في ثيابه.
بخطوات وئيدة ثابتة، غير بطيئة، غادر الحشد مبتسماً. وظلت نظرة التاجر مثبتة على الشيطان المقنع الذي كان قد أوجد مسافة بينه وبين الحشد.
في هذه الأثناء، ظل سيمون محتفظاً بهدوئه دون أن ينظر إلى الوراء، أو يبدي قلقاً أو خوفاً أو ارتياباً ولو ضئيلاً.
وكان السبب في ذلك هو مهارته، التي كانت لا تعرف الخوف.
ولولا هذه المهارة، لشعر سيمون بأنه لما كان قد حافظ على هدوئه بهذا القدر، ولربما انتبه أحدهم لحالته القلقة.
إن السرقة من شيطان عظيم أو كبير، دون أن يمتلك المرء قلباً واجفاً، لعدّ عملاً خطيراً وجريئاً للغاية، ولم يكن سيمون ليفعل ذلك أبداً لولا الظروف المواتية التي تهيأت له.
وفي اللحظة التي وصل فيها إلى المنزل وأغلق الباب بهدوء، أطلق أعمق زفير في حياته التي امتدت لعمرين.
بدأ قلبه ينبض كجواد جامح، وبعد ثوانٍ قليلة، بدأ تأثير "الجسارة" يتبدى، مما جعله يشعر بالهدوء.
"تباً! ظننت أنني سأموت بنوبة قلبية أو ما شابه ذلك."
هز سيمون رأسه برفق، ثم انفتح الباب المؤدي إلى فناء منزلهم الخلفي.
دخلت والدته، ومقارنة بمظهرها قبل ست سنوات، بدت الآن أكثر جمالاً بكثير.
لم تعد مجرد هيكل عظمي يكسوه الجلد بلا عضلات ولا دهون، ولم تعد ترتدي أسمالاً بالية وملابس قذرة مصنوعة من جلود حيوانات رديئة.
بدت مفعمة بالصحة والبهجة والجمال. فالمال الذي اختلسه سيمون كان كافياً لإحداث هذا التحول فيها.
عندما رأت ليسا السيف في يدي سيمون، وشرارة الفرح والخوف الخافتة في عيني ابنها، توقدت عيناها بالقلق.
"القمر الأسود، هل... هل اختلستَ ذلك السيف؟ إنه يبدو ثميناً. ممن اختلسته؟ ألم تقل إنك لن تختلس شيئاً مرة أخرى حتى تهدأ الأوضاع؟"
أمطرت والدته عليه بوابلاً من الأسئلة، فابتسم سيمون لوالدته، إذ كان يتوقع تماماً أن تسرد عليه كل تلك التساؤلات.
"لم أختلس السيف يا أمي، لقد ابتعته من التاجر."
نظرت ليسا إلى سيمون بعينين واسعتين، وقد خَطَرَ ببالها بالفعل افتراض أن سيمون قد أنفق كل ما لديهم من مال لشراء السيف.
"لا تخبرني أنك استنفدت كل أموالنا لشراء السيف؟ فإن فعلت ذلك، فسأصاب بخيبة أمل عظيمة تجاهك يا قمري الأسود."
عقدت ليسا ذراعيها ونظرت إلى سيمون بعينين ضيقتين، فضحك سيمون بهدوء، باديةً على عينيه مسحة من الخوف.
على الرغم من امتلاكه مهارة الجسارة، إلا أنه لا يزال ينتابه بعض الرهبة من والدته، بعد أن أدبته مراراً وتكراراً في الماضي.
كان مشهداً أقسم ألا يفشي سره لأحد قط.
"لقد باعني التاجر السيف وغمده مقابل عملتين عظميتين متوسطتي الجودة."
وفي اللحظة التي تفوّه سيمون بهذا، نظرت إليه والدته نظرة شك وارتياب، ثم تابع سيمون حديثه بسرعة قبل أن تُسارع إلى طرح المزيد من الأسئلة.
وبابتسامة خافتة، أخرج قارورة جوهر دم المُلتهم.
"لم أختلس السيف، لكنني اختلستُ هذا."