«إلى أين تظنين نفسك ذاهبة ؟» صرخ مويونغ جون بحدة في وجه ريو سيول.
كانت تودُّ أن تقتفي أثره لتصفعه على مؤخرة رأسه ، لكنَّ فنون الحركة التي يتمتع بها مويونغ جون كانت أسرع بكثير مما توقعت ؛ ففي تلك اللحظة ، بالكاد كانت قادرة على مجاراته.
أكان سريعاً إلى هذا الحد ؟
عضَّت ريو سيول على شفتها بقوة ، فقد بات الصديق الذي عرفته لعشرين عاماً يبدو لها كغريبٍ تماماً.
أجابها مويونغ جون: «...تابعي ملاحقتي لفترة أطول قليلاً ، فقد أوشكنا على الوصول».
بعد حين توقف في منتصف الطريق نحو قمة جبل صغير والتفت ليواجه ريو سيول التي كانت تقف متوترة.
سأل بابتسامة باهتة: «هل تتذكرين هذا المكان ؟»
«......»
«لا يوجد كمين هنا ، لذا كفي عن الالتفات حولك بهذا الارتباك. أنتِ حقاً لا تتذكرين ، أليس كذلك ؟» تمتم مويونغ جون بخيبة أمل وهو يحك وجنته.
أثار هدوؤه حفيظة ريو سيول ، فحدقت به بضيق وقالت متهكمة: «لماذا تتصرف بتعالٍ وغرور أيها الوغد ؟ أنت لست سوى خائن دنيء تشبث بطائفة الدم...»
قاطعها مويونغ جون بضحكة ماكرة: «في الماضي ، هل تذكرين كيف كنتِ تركضين إلى هنا لتبكي كلما أوسعكِ الرئيس ضرباً ؟»
«مـ... ما الذي تهذي به بحق الجحيم!» نفت ريو سيول ذلك على الفور وقد احتقر وجهها خجلاً.
كانت تلك قصة تعود لأكثر من عشر سنوات مضت ، لكن مويونغ جون كان ما زال يتذكر كيف كانت حالها آنذاك ، كونهما انضما في الوقت ذاته. لم تبكِ قط إلا في عامها الأول في «فيلق التصفية» ومنذ ذلك الحين لم تذرف دمعة ، لكنه كان يتذكر الأمر وكأنه حدث بالأمس.
سألها: «أترين تلك الصخرة هناك ؟»
«......»
كانت الليلة مظلمة ، لكنهما كانا يريان بوضوح كافٍ لتمييز حركة أصغر الحشرات. وفي المكان الذي أشار إليه مويونغ جون كانت تقبع صخرة ضخمة بحجم منزل صغير. حيث كان سطحها مغطى بشقوق لا تحصى ، وأدركت ريو سيول على الفور أنها من صنع يديها في الماضي.
«ما زلتِ لا تتذكرين ؟»
«تباً ، بدا هذا المكان مألوفاً بالفعل».
داهمتها ذكريات محرجة ؛ ذكريات تعرضها للضرب لعصيانها الرئيس ، وركضها إلى هنا لتغرق في البكاء ، وذكريات شعورها بالظلم الشديد لدرجة أنها كانت تشق تلك الصخرة مراراً وتكراراً ، ثم تعود مخمورة ، تبكي وتنتحب وهي تثير الفوضى.
اللعنة.
وفي معظم تلك الذكريات كان مويونغ جون بجانبها دائماً.
«كلما كنتِ تسكرين ، كنتِ تنهالين على تلك الصخرة تقطيعاً ، كنتِ تقولين إنها تشبه وجه الرئيس المسطح العريض ، وحين تصبحين أقوى ، كنتِ تشطرينها نصفين تماماً...»
«اصمت ، هل تتحدث بجدية ؟»
قهقه مويونغ جون ، والخبث يلمع في عينيه: «لم أتخيل يوماً أن تلك الطفلة الباكية ستصبح قائدة فيلق التصفية».
«تباً لك أيها الأحمق...»
لن يصدق أحد ذلك الآن ، ولكن عندما وصلت ريو سيول لأول مرة إلى تحالف الموريم كانت ضعيفة للغاية. فلم يكن «فيلق التصفية» منظمة رقيقة تتعامل بلطف مع فتاة هزيلة ترتدي رقعة عين. حيث كان معظم الناس إما ينظرون إليها باحتقار أو يعذبونها في أكاديمية الفنون القتالية.
«مويونغ جون ، ساعد ريو سيول على التأقلم».
«ماذا ؟ ولماذا أنا ؟»
«اصمت وافعل ما طُلب منك أيها الصغير».
في ذلك الوقت كان قائد فيلق التصفية قد ألقى بريو سيول على عاتق مويونغ جون ؛ فقد كانا في العمر ذاته ، وظن القائد أن ظروفهما متشابهة إلى حد ما ؛ فمويونغ جون هرب من عائلته ، وريو سيول أصبحت يتيمة بين عشية وضحاها.
لم يرغب مويونغ جون في الارتباط بريو سيول ، لكن الأوامر نافذة ، فلم يكن لديه خيار... رغم أنه كان هو نفسه ذا شخصية فظة في ذلك الوقت.
«مهلاً يا ذات العين الواحدة ، دعينا نذهب لنأكل ، فأنتِ بحاجة إلى ملء معدتكِ إذا أردتِ اجتياز تدريبات الظهيرة».
«نادني بهذا الاسم مجدداً وسأقتلك».
«انظري إليكِ ، تتصرفين بوقاحة بينما أحاول أن أكون لطيفاً معكِ ، أتريدين أن أوسعك ضرباً وأجركِ خلفي ؟»
«هل أوسعك ضرباً حتى تصمت ؟»
هكذا بدأت صداقة مويونغ جون وريو سيول. ومنذ ذلك الحين ، تقاسما الطعام لعشرين عاماً ، وحميا بعضهما البعض في ساحات المعارك ، وتخطيا الخط الفاصل بين الحياة والموت مراراً....ثم انهارت كل الثقة التي بنياها في يوم واحد.
سألت ريو سيول بأسى: «لماذا خنت التحالف ؟»
ضحك مويونغ جون بخفوت وسحب سيفه من غمده ببطء: «أخبرتكِ ، أردت أن أصبح أقوى منكِ».
رنين!
انعكس ضوء القمر على نصل السيف ، مانحاً إياه توهجاً براقاً. وبينما اتخذ وضعية القتال ، بدا مهيباً كأنه يؤدي طقساً مقدساً.
صوَّب مويونغ جون سيفه نحو ريو سيول وتشكلت ابتسامة باهتة ، وعيناه تفيضان بنية قتل باردة: «اخترتُ هذا المكان لأنه مليء بالذكريات ، وظننتُ أنه سيكون خير مقبرة لكِ».
«أنت مجنون...» لم تستطع ريو سيول استيعاب ما يدور في عقل مويونغ جون.
لقد فقد هذا الوغد عقله تماماً!
أحكمت قبضتها على نصلَيها المزدوجين وشحنت طاقتها ، فرفرفت ملابسها القتالية بعنف جراء تدفق الطاقة.
«توقفي عن الثرثرة واهجمي عليَّ! لن أشعر بالراحة حتى أسحقكِ الآن!»
لا يهم ، ستضربه حتى تتركه على حافة الموت ثم تفكر في الأمور الأخرى.
حدق مويونغ جون في ريو سيول بهدوء: «ريو سيول ، هل يمكنكِ قتلي حقاً ؟»
«ها! يبدو أنك خفت أخيراً!»
اشتباك!
ضربت ريو سيول الأرض بقدمها وانطلقت كقذيفة مدفع ، تقاطعت نصلاها السوداوان فشقتا الظلام ، بينما تراقصت «الطاقة المظلمة» فوق جسدها كاللهب.
لم يتفادَ مويونغ جون الهجمة ، بل طعنها بسيفه ببراعة قتالية فائقة ، حيث أحاطت بنصله طبقة رقيقة من طاقة شفافة منقاة بتركيز شديد.
كان صدامهما كالنار في مواجهة الجليد ؛ فقد غلفت ريو سيول نصلها الأسود بطاقة «الداو» المظلمة وهاجمت بضراوة ، بينما تحرك سيف مويونغ جون بهدوء ليجعل هجماتها بلا جدوى.
رنين! رنين! رنين!
في كل مرة كانت نصولهما الثلاثة تتصادم كانت الموجات الارتدادية تشوه المكان من حولهما. وسرعان ما بدأ الجبل الصغير الذي كان يحمل ذكرياتهما ، بالتداعي وكأنه يرمز إلى النهاية الكارثية لعلاقتهما.
سخرت ريو سيول: «تتظاهر بالتسامي ، وكل ما تفعله هو الصد. أهذا كل ما تعلمته من فنون السيف بعد خيانة تحالف الموريم ؟»
ابتسم مويونغ جون ببرود: «ريو سيول ، متى ستأخذين الأمور على محمل الجد ؟»
«عن ماذا تتحدث بحق الجحيم...»
في تلك اللحظة ، تلاشى طيف مويونغ جون وظهر أمام ريو سيول مباشرة ، مغلقاً المسافة بينهما في طرفة عين.
اتسعت عينا ريو سيول ، فقد فقدت أثره للحظة وجيزة.
نـزيف!
أرجعت ريو سيول رأسها إلى الوراء ، فظهر خط رفيع على عنقها ، وتكونت قطرات دم صغيرة على طول الجرح السطحي.
كانت ضربة جعلت شعر جسدها يقشعر ، ولو كانت أبطأ بجزء بسيط من الثانية لقطعت رقبتها.
ضحك مويونغ جون بجنون عندما رأى الدماء: «لقد خنتكِ بنية قتلكِ ، لذا لا تهينيني بالتساهل معي. و إذا واصلتِ على هذا المنوال...»
بدأت هالة مويونغ جون تتغير مع غليان الطاقة الأنيقة لـ «سيف اللامحدود».
هل هذه... طاقة الغضب ؟
كان هذا الوصف الوحيد الذي استطاعت ريو سيول استخدامه لما رأته في عيني مويونغ جون.
همس مويونغ جون: «...ستموتين بأكثر الطرق إيلاماً».
«أنت معتوه...!»
شن مويونغ جون الذي أصبح الآن أشبه بشيطان سيف ، هجومه ؛ إذ كان نصله يفيض بنية قتل عنيفة لدرجة يصعب معها تصديق أنه الشخص نفسه قبل لحظات.
رنين! رنين! رنين!
جزَّت ريو سيول على أسنانها وهي تصد ضرباته الشرسة.
أي فن قتالي هذا ؟
لقد شعرت بضغط من مويونغ جون أكبر مما شعرت به يوماً من أعظم سياف في تحالف الموريم ، «قائد السيف الإلهي». ومع ذلك لم تكن فنوناً شيطانية ؛ فكانت ستلاحظ ذلك بالتأكيد.
في الوقت ذاته لم تبدُ كفن قتالي متكامل أيضاً.
لم يمر سوى عام أو نحو ذلك منذ أن خاننا.
في تلك الفترة القصيرة ، أصبح مويونغ جون قوياً بشكل غير طبيعي.
سألت ريو سيول رغم علمها أن الأمر ليس بهذه البساطة: «هل أعطوك إكسيراً ؟ أم فناً إلهياً ؟»
لا يمكن لهذا الوضع غير الطبيعي أن يعني سوى شيء واحد.
«...لا ، إنها انحراف في الطاقة ؛ لقد ابتلعك ذلك الفن القتالي».
انفجر مويونغ جون ضاحكاً: «هاهاها! أنا متأكد من أنك تودين تصديق ذلك. و بعد أن رأيتِ أنني تفوقت عليكِ ، لا بد أنكِ ترغبين في التقليل من شأني بأي طريقة!»
دوي!
أطاحت مويونغ جون بريو سيول بعيداً ورفع طرف سيفه نحو السماء ، متأملاً إياه بتعبير مسحور: «...لقد اختارني السيف».
شعر مويونغ جون بإثارة لا توصف ؛ فهو يسيطر الآن على المقاتلة التي أعجب بها لنصف عمره ، وآمن بأنه يستطيع فعل أي شيء الآن.
زئير...!
انطلقت عاصفة شرسة من سيف مويونغ جون.
أحست ريو سيول بشيء مشؤوم واندفعت على الفور لكن الأوان كان قد فات.
«عاصفة اللامحدود» ، واحدة من التقنيات النهائية لـ «سيف اللامحدود» ، أُحييت من جديد بين يدي حفيده.
تحطم!
لم يبقَ شيء في المكان الذي مزقته الرياح الهائجة ؛ بدا الأمر وكأن جزءاً من الجبل الصغير قد اقتُلع تماماً.
«أوه...» رغم أن ريو سيول كانت قد قاطعت نصليها لتتحمل «عاصفة اللامحدود» إلا أن جروح التقطيع غطت جسدها بالكامل.
«هاها! ما زلتِ على قيد الحياة ؟ هذا معهود من ريو سيول ، نصل الشيطان ذو العين الواحدة». سار مويونغ جون نحو ريو سيول المرتجفة ، واثقاً من أن النتيجة قد حُسمت بالفعل. «...أعرف كل شيء عنكِ ؛ عاداتكِ ، كيف تمسكين نصلكِ ، حركة كتفيكِ ، الطريقة التي تحرفين بها نظركِ عند التمويه ، وأي تقنية تستخدمين في أي موقف».
«أيها الخنزير المنحرف!»
«أليس هذا طبيعياً ؟ لقد قضينا نصف حياتنا معاً».
«أيها الوغد المثير للغثيان...»
ضحك مويونغ جون باستهزاء: «أردت فقط أن تعلمي أن هذا قتال لم يكن بوسعي خسارته... وداعاً يا ريو سيول».
رفع مويونغ جون سيفه مستهدفاً قلب ريو سيول ، حينها دهمته آلام مبرحة في رأسه فجأة ؛ شعر بالغثيان وكأنه على وشك التقيؤ كان قلبه يخفق بعنف ، ويده التي تمسك السيف ترتجف بشكل لا إرادي.
شعر وكأن جسده يرفض فعل قتل ريو سيول ذاته.
لماذا أنا...
فجأة ، وجد مويونغ جون أنه من الغريب أنه يمسك سيفاً من الأساس. وظهرت عاطفة أخرى لفترة وجيزة في عينيه اللتين غشاهما طاقة الغضب.
هز رأسه بسرعة يميناً ويساراً ؛ سيشعر بالتحسن حالما يسفك الدماء ، فإذا قتل ريو سيول بأقوى فن سيف في العالم ، فإن هذا الارتجاف سيتوقف فوراً.
صليل!
صرخت ريو سيول وهي تلقي أسلحتها على الأرض: «أنت واثق جداً بنفسك ، أظننت أنك تعرف كل شيء عني ؟»
«ماذا ؟»
«أظننت أنك الوحيد الذي يخفي سراً كبيراً ؟»
قهقه مويونغ جون: «إذا كنتِ تظنين أنني سأعفو عنكِ لأنك استسلمتِ الآن...»
«أيها الأحمق ، مهما فعلت ، لن تستطيع هزيمتي». لم تستسلم ريو سيول للقتال ، بل وضعت يدها اليمنى على المصفوفه التي تغطي عينها اليسرى ، وحذرته: «لم أكن أريد فعل هذا حقاً... يا مويونغ جون ، يمكنك اعتبار نفسك ميتاً».
كانت تلك هي رقعة العين التي لم تنزعها قط ، لا أثناء التدريب ، ولا في ساحة المعركة ، ولا حتى أثناء نومها. مصنوعة من خيوط دودة القز القوية ، ولم تتمزق يوماً ولم تحتج للاستبدال.
حتى مويونغ جون ، صديق العشرين عاماً لم يرَ قط ما يختبئ تحتها.
لأول مرة منذ عشرين عاماً ، نزعت ريو سيول المصفوفه أمام شخص آخر.
«عينكِ...!»
في محجر عينها اليسرى الذي كان يجب أن يكون فارغاً ، لمعت «عين شيطانية» بنفسجية كجوهرة ، باعثة هالة مشؤومة.
«هذا هو فني الشيطاني الحقيقي».
تجمد جسد مويونغ جون لحظة التقائه بعين ريو سيول الشيطانية ؛ لم تدم اللحظة سوى برهة ، لكنها كانت كل ما تحتاجه.
بوم!
ارتطمت قبضة ريو سيول بفك مويونغ جون. وبينما كان يترنح ، هاجمت بلا رحمة.
بوم! بوم! بوم!
توالت لكماتها بسرعة خاطفة ؛ الوجه ، البطن ، الجذع لم تفرق بين موضع وآخر. قبضتاها ، اللتان كانت كالفولاذ ، طبعتا أثرهما على كل شبر من جسد مويونغ جون.
«هل تحتاج إلى ضرب مبرح لتستعيد وعيك ؟ ها ؟ أتظن أنك تستطيع ممارسة هذا التمرد على قائِدتك ؟»
«أغغ! أغغ...!» تأوه مويونغ جون وحاول أرجحة سيفه ليدفعها عنه ، ولكن في كل مرة كانت عين ريو سيول الشيطانية تألق ، فشلت أطرافه وتشتت ذهنه.
هل هو وهم ؟ سحر ؟ لا ، الأمر ليس بهذه البساطة!
وقبل أن يدرك كان جسد ريو سيول بالكامل مغلفاً بتيار بنفسجي عميق ، أسرع وأقوى من أي شيء رآه من قبل.
«انـ... انتظري...!»
وجهت ريو سيول ضربة بكفها إلى وجنته اليسرى.
وبعبارة أخرى ، صفعت وجهه.
صفعة!
بصق مويونغ جون الدم وهو يطير إلى الخلف ليهبط نصف مدفون في تلك الصخرة ذاتها التي استخدمتها ريو سيول يوماً لتفريغ مشاعرها.
بصقت ريو سيول وهي تمسح الدماء عن قبضتيها بملابسها: «سأشطر هذه الصخرة اليوم ، ومعها جمجمتك».