الفصل الثاني عشر "ثلاثُ سنوات ، مُعلِّمٌ واحد ، وحركةٌ قاضية "
ثلاثُ سنوات.
هذه هي المدة التي قضاها "ليون " في "دسك مور ".
من مساقط المياه الملوثة بالوحل في "غرايذروة الجبل " إلى الأرضيات المصقولة في عقارٍ عسكريٍ فخم كان الفرق شاسعاً كبُعد ما بين الثرى والثريا. و لقد استبدل مغارف الحساء بالخناجر ، وظلال الأزقة بتدريبات المبارزة ، ووجع الجوع المزمن بألم التدريب المستمر.
والآن ، وهو في العاشرة من عمره ، أكثر نحافةً وسرعةً وخطورةً بكثير كان يؤدي روتين صباحه المعتاد—
الخسارة أمام معلمته.
صليل!
تطاير الشرر من الفولاذ حين صدَّ "ليون " الضربة ، ثم استدار وانقضَّ في لحظهٍ فضية. حيث كانت خنجراه تتراقصان بين يديه بدقةٍ متناهية ، تضربان في زوايا محكمة ، وكل خطوةٍ منه كانت انسيابية ومدروسة.
في مواجهته ، حافية القدمين على الحجر المصقول كانت تقف القائدة "سيخارجين فايل ". لا درعَ عليها اليوم ، فقط سترةٌ سوداء بلا أكمام ، وسروالٌ ضيق ، ووقفةٌ تبعث على الاسترخاء لمن يمتلك زمام الأمور تماماً.
ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على شفتيها بينما كانا يتحركان. لم تكن تسخر منه ، بل كانت... مسرورةً به.
جزَّ "ليون " على أسنانه وضغط بقوة أكبر.
أحياناً ، ظنَّ أنه تمكن منها. التواءةٌ بالشفرة ، حركاتٌ تمويهية ، خطوةٌ خاطفةٌ إلى الأمام—
لكن في اللحظة التي اقترب فيها ، تغير ضغطها.
حدَّت ابتسامتها.
وهنا تدفقت "المانا ".
*فوش!*
اندفعت للأمام—نصلها يتوهج بضعف ، وسرعتها تتضاعف—وفي غضون ثوانٍ ، جردته من سلاحه. حيث طار خنجرٌ عبر الأرضية ، وضُرب الآخر من قبضته كما يُضرب دميةٌ من القماش.
تعثر "ليون " إلى الوراء ، يتنفس بصعوبة. جرحٌ خفيفٌ خطَّ على ساعده لم يكن خطيراً.
وقف صامتاً ، فكُّه مطبق ، وعيناه مسمرتان على الأرض.
هزيمة.
مرة أخرى.
بلا نوبة غضب ، ولا تذمر.
فقط ثقلٌ صامت لخيبة الأمل.
لم يكد يلحظ صوت غمد سيفها.
لكن ما لاحظه حقاً ، هو حركتها المباغتة.
في لمح البصر ، قطعت المسافة بينهما و—
عانقته.
لم تكن تربتةً مهذبة.
بل ضمةً كاملةً بجسدها ، ذراعاها ملتفتان بإحكام ، دافنةً رأسه ذي الشعر الفضي في صدرها.
وقف "ليون " هناك ، متصلباً كدمية تدريب.
تعبيرات وجهه جامدة ، وعيناه نصف مغمضتين.
"...هل كان هذا ضرورياً ؟ " سأل ببرود.
"بالتأكيد " قالت "سيخارجين " وهي تريح ذقنها على رأسه. "لقد تحسنت أكثر مما توقعت. وهذا يستحق الثناء. "
"كنتُ أفضل ألا أُستخدم كدميةٍ محشوة. "
"فات الأوان ، لقد صرتَ في حوزتي. "
أطلق "ليون " تنهيدةً مفعمةً بالمعاناة. "هذا سوء معاملة عاطفية. "
ضغطت عليه أكثر ، غير مبالية. "هذا توجيهٌ تربوي. "
ارتجفت عينه. "هذا غريب. "
"كلا ، إنه فعال. "
لم يبادلها "ليون " العناق ، ولم يقاومه أيضاً. اكتفى بالتحمل—بملامح لا تتغير ، وكرامته تتسرب ببطء كأنها ماءٌ في البالوعة.
في مكانٍ ما في أعماق روحه ، تصالح بهدوء مع قدره.
(ثلاث سنوات من التدريب... وفي نهاية المطاف ، هذا هو ما يهزمني).
لم يتحرك "ليون " حتى بعد أن أطلقت سراحه.
ظلت خناجره منسيةً على الأرض المصقولة ، وذراعاه بجانبه ، لكن حاجبيه كانا مقطبين قليلاً—بالقدر الكافي للكشف عن الفكرة التي تتشكل خلف عينيه الفضيتين الحادتين.
"...لم تعودي تفوزين دون استخدام المانا. "
رمشت "سيخارجين " متراجعةً نصف خطوة.
أمال "ليون " رأسه قليلاً ، بصوتٍ منخفضٍ وهادئ ومباشر "لقد مرَّ شهرٌ الآن. و في كل مرة نتمرن فيها ، تكبحين قوتك حتى النهاية. ثم— " قام بحركة دائرية مبهمة بيده "—تُفعلين خدعة المانا. "
ابتسمت خفيفة. "يُسمى ذلك تعزيزاً سحرياً. "
"يُسمى ذلك ظلماً " تمتم. "وبما أننا في هذا الموضوع—متى ستأخذينني إلى زنزانة الاستيقاظ ؟ "
ساد الصمت.
مرَّ بريقٌ في عينيها.
لقد طلب من قبل. مرتين. وفي كل مرة كانت تحيد عن الموضوع بالطعام ، أو التدريب ، أو ذريعةٍ عشوائية حول الاستعدادات.
لكن الآن ؟
الآن لم يكن ليسمح للأمر أن يمر.
زفرت "سيخارجين " ببطء ، وسارت نحو المقعد بجانب جدار الساحة وجلست ، أنيقةً بملابسها العادية دون درع. للحظة لم تقل شيئاً.
لأن الحقيقة هي...
كانت تعلم أن "ليون " مستعد.
في الواقع لم تكن متأكدةً تماماً من قدرتها على هزيمته بعد الآن بدون سحر. حركاته ، غرائزه ، دقة تصويبه—كان يقاتل بالفعل كشخصٍ يبلغ ضعف عمره. إنه في العاشرة. فلم يكن ينبغي أن يكون هذا ممكناً.
ومع ذلك—
كان كذلك.
كان أكثر من مستعد للاستيقاظ. ولم يكن لديها أدنى شك في أنه سيجتاز الزنزانة بيسر. وكانت تلك هي المشكلة.
لأنها علمت—أيقنت—أنه بمجرد حصول "ليون " على فئته ، وبمجرد اعتراف المملكة به كمقاتلٍ جديرٍ بالسجل والرتبة...
فلن يبقى.
لن يخضع لقيادتها ، ولن يلتزم بخططها.
سيرحل.
ليس تمرداً ، ولا كرهاً.
ولكن لأن هذا هو ما يكون عليه. مستقل ، حاد ، وحر.
قد يزورها. قد يبقى في "دسك مور " لبعض الوقت.
لكنه لن يكون "لها ".
ليس تماماً.
ووجدت "سيخارجين فايل " قائدة فرسان "دسك مور " المهابة ، تلك الفكرة مرعبةً بطريقة لم تكن جراح المعارك يوماً كذلك.
إنه تلميذها. و معجزة الفنون القتالية الصغير والمشاكس. فارسها المصغر القوي ، المفتقر للعاطفة والمفعم بالسخرية.
ولم تستطع تخيل العقار بدون خطواته الهادئة ، وملاحظاته الفظة ، وتلك الطريقة الناضجة بشكل غريب التي ينظر بها إلى العالم.
لقد تسلل إلى قلبها—وأقام فيه إقامة دائمة.
طفلٌ أرادت تدريبه.
وشريكٌ أرادت أن يكون بجانبها.
وصبيٌ أرادت أن تعتني به وتحميه ، وألا تدع السياسة أو طفيليات النبلاء يغرسون أنيابهم فيه.
لكنها لم تستطع تقييده.
لأنها إن حاولت... سيقطع قيوده بنفسه.
لذا كانت تماطل.
تختلق الأعذار.
لأنها في قرارة نفسها ، إن لم يستيقظ ، فلن يرحل.
وإن لم يصبح جندياً أو فارساً رسمياً ، فعلى الأقل يمكنها إبقاؤه قريباً منها. ليس كمجرد مجندٍ من رتبةٍ دنيا—كلا ، تلك الرتب لا تليق بـ "الفتاهها " العزيز.
كان يجب أن يكون بجانبها.
حيث تستطيع عناقه متى شاءت ، حيث تستطيع مداعبة وجنتيه الناعمتين بعد تمرينٍ جيد ، حيث تراه كل صباح وتتخيل ، لفترةٍ قصيرة ، أن القدر ربما منحها شيئاً "لها وحدها ".
ابتسمت "سيخارجين " ابتسامة خافتة ، لكنها لم تصل إلى عينيها.
لأنها بقدر ما كانت حاضرة وبقوة ، وبقدر ما بدت وقفتها قيادية—
كانت هي من يتم تقييدها الآن.
بالمودة. بالخوف.
بالرابطة ذاتها التي تخيلت يوماً أنها ستستخدمها لتقييده.
"ليون " قالت بنعومة ، وصوتها يحمل دفئاً وألماً خفياً "لماذا أنت في عجلةٍ من أمرك للاستيقاظ ؟ "
لم يجبها على الفور.
ثم قال "لأنني أريد أن أقف على قدميَّ. "
أغمضت عينيها للحظة. و بالطبع. و بالطبع كان هذا هو السبب.
لطالما كان هذا هو السبب.
وهذا بالضبط ما كانت تخشاه.
نظر "ليون " إليها لثانيةٍ طويلة. بلا سخرية. بلا ابتسامة متهكمة.
فقط عزيمة هادئة في عينيه الفضيتين.
ثم فعل شيئاً لم يفعله من قبل.
اقترب خطوة ، أمال رأسه قليلاً ، ووسع عينيه الفضيتين حتى بريقتا كضوء قمرٍ شتوي—نقي ، ناعم ، ومدمر.
وبصوتٍ كان صادقاً أكثر مما اعتادت عليه من ملامح المشاغبة ، قال:
"أرجوكِ يا معلمتي. أريد حقاً أن أصبح أقوى... وأن أقف على قدميَّ. "
رمشت "سيخارجين ".
تشكّل صدعٌ في جدارها.
في مكانٍ ما في أعماق روحها ، صرخت رباطة جأشها ثم تفجرت.
تشتت أفكارها كطيورٍ مذعورة.
(عيون الجرو. إنه يستخدم نظرة "الجرو ". بكل قوتها. ومع ذلك الصوت ؟ وتلك الإمالة ؟ لم يفعل هذا قط—لماذا لم يفعل هذا من قبل ؟ هذا غير قانوني. و هذا غير عادل. و هذا تلاعبٌ من المستوى إلهي).
انتفضت جسدياً.
كان الأمر فعالاً جداً. فعالاً أكثر مما ينبغي.
ارتجفت يداها بالفعل—كادت تمتد لتضمه ، وتعانقه ، وتجره إلى مكتبها ولا تدعه يرحل أبداً.
(ابقي قوية يا سيخارجين. و لقد حاربتِ أباطرة حرب. وصمدتِ أمام بوابات القلاع ضد العمالقة. و يمكنك مقاومة صبيٍ صغير—)
أمال رأسه أكثر.
انكسرت.
تقريباً.
زفرت كمن يستسلم في الخط الأخير لمعركةٍ خاسرة ، مائلةً للوراء قليلاً في هزيمة ، ويدها ترتفع لتدلك جسر أنفها.
"...أنت قاسٍ ، أتعلم ذلك ؟ "
ظلت عينا "ليون " متسعتين. بريئتين. ولا تلينان أبداً.
حدقت "سيخارجين " فيه—لكن دون حرارة. فقط بمودةٍ مستسلمة.
"حسناً " تمتمت. "لقد فزت. سأرتب لك تجربة الاستيقاظ. "
رمش "ليون " مرة. خبا بريق عينيه ليعود طبيعياً ، واسترخت وقفته ، ورسمت ابتسامة صغيرة راضية زوايا شفتيه.
حدقت فيه. "...لقد خططت لهذا. "
هز كتفيه. "لقد استخدمتُ أفضل سلاحٍ لدي. "
تنهدت. "وأنا تركتُ حذري يسقط. أمام طفل. "
"طفلٌ عازمٌ جداً. "
مالت "سيخارجين " للأمام ، واضعةً مرفقيها على ركبتيها ، ودفنت وجهها بين يديها مع أنين. "هذا ما أجنيـه من تبني شيطانٍ بشعرٍ ثلجي. "
"تبني ؟ " كرر "ليون " رافعاً حاجباً.
نظرت للأعلى ولم تقل شيئاً.
لكن ابتسامتها—الصغيرة ، الدافئة ، والآدمية بشكلٍ يفطر القلب—قالت كل شيء.