الفصل 186: الحرب
تنهد ديفون بعمق ، وهو ينظر إلى لوهان بملامح تمتزج بين عدم التصديق ولمحة من الشك. ثم مال نحوه أكثر ، وخفض صوته حتى بات همساً بالكاد يُسمع تحت ضجيج أحاديث الطلاب الآخرين وهدير مكيفات الهواء في القاعة الدراسية.
قال ديفون وعيناه مثبتتان على الطاولة ، بينما كان عقله يهيم في مكان آخر "يا رجل ، أنسى أحياناً أن ليس كل من هنا نشأ على سماع قصص الرعب التي كانت تقصها جداتنا. و لكن ما تراه في الخارج ، ذلك الضباب من الكبريت والمعادن الذي نسميه هواءً ، ليس مجرد ’تلوث‘ ، بل هو أقرب ما يكون إلى بقايا هزيمة... "
بقي لوهان صامتاً ، ينصت باهتمام. فرغم مضي قرابة شهر على وجوده في هذا العالم إلا أنه كان يجهل الكثير عنه. ومع وجود هذا العدد الهائل من الكواكب التابعة للاتحاد البشري كان التاريخ واسعاً جداً لدرجة يصعب معها على أي شخص الإلمام به دون توجيه. فكل مكان شهد أحداثاً جساماً ، وهو بصفته "دخيل " حتى على الكوكب الذي يعيش فيه لم يهتم يوماً بفهم ذلك التاريخ. و لكن الآن ، وقد وجد من يسرد له تلك الحقائق بأسلوب ممتع وفي سياق أثار فضوله كان لوهان متعطشاً للسماع.
تابع ديفون "قبل خمسين عاماً لم يكن هذا الكوكب... منقسماً هكذا. وعلى الرغم من أن ثقافة المناطق العليا والسفلى كانت موجودة هنا ، كما هو الحال في كواكب أخرى إلا أن المنطقة السفلى كانت القلب الصناعي. فكنا نكرر الوقود ، ونعمل على استخراج موارد الكوكب ، بل وشاركنا في إنتاج التكنولوجيا التي سمحت للمنطقة العليا بالصعود حرفياً فوق الغيوم. و في ذلك الوقت ، وعدونا بأن التقدم سيصل إلينا أيضاً ، لكن بتأثير من ثقافة المناطق ، استولى العديد من رجال أعمال المنطقة العليا على هذه الإنجازات ونسبوها لأنفسهم ، ثم تخلوا عنا ".
صمت ديفون قليلاً ، وسرحت عيناه نحو مجموعة من ورثة الشركات الكبرى في المنطقة العليا. ثم أكمل "بدأت الحرب الأولى عندما أدرك أهل القاع أننا نُخنق عمداً لنحيا هم في نعيمهم. وهكذا نشبت ’ثورة الفلاتر‘ ، اسم سخيف ، أعلم ، ولكن أي حربٍ لم تكن سخيفة ؟ أغلق أجدادنا الآلات ، وقطعوا إمدادات الطاقة تماماً. لمدة أسبوع ، ارتجفت المنطقة العليا في ظلام دامس. أرسلوا وسطاء ، ووعدوا بإصلاحات... لكن كان ذلك كله مجرد ذر للرماد في العيون. فبينما كنا نتفاوض كانوا هم ينهون بناء القباب الجوية " وأشار بيده نحو النافذة.
من خلال الزجاج كان يمكن رؤية القبة الجوية التي تغطي الكلية ، وتعزل تماماً الهواء الملوث في الخارج ، مما يجعل البيئة الداخلية هنا أكثر راحة وقابلية للعيش. أثار هذا الأمر دهشة لوهان إلى حد كبير.
"قبل هذه الحرب كان ما زال هناك تحكم صارم في النفايات والتلوث البيئي ، لدرجة أن الناس لم يكونوا بحاجة إلى أقنعة تنفس ليتنفسوا. و لكن بمجرد أن أصبحت القباب جاهزة ، شعروا بالاكتفاء الذاتي لدرجة تجعلهم في غنى عن التفاوض معنا ، فأنهوا كل أشكال الحوار. "
"وبتحكمهم في الأموال والموارد القادمة من الكواكب الأخرى تمكنوا من تفعيل بروتوكولات التنقية في جانبهم فقط ، وتركوا النفايات الكيميائية -التي كانت إنفاق الكثير من المال لمعالجتها يعتبر هدراً بالنسبة لهم- تتشبع في جانبنا إلى مستويات فتاكة. مات الآلاف بسبب فشل تنفسي حاد في أقل من 48 ساعة. و لقد كانت مجزرة تسببوا فيها دون أن يطلقوا رصاصة واحدة. "
أطبق ديفون قبضته بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه ، وتابع "منذ ذلك الحين ، ونحن نقتات على الفتات. لكي نبقى على قيد الحياة ، نحتاج إلى فلاتر التنفس التي يسيطرون عليها ، سواء من حيث شراء هذه الأقنعة من كواكب أخرى أو تكنولوجيا تصنيعها. ولكي نعيش ، نقدم عمالة رخيصة لكي يستمروا في حياتهم المترفة. و لكن الآن ، يا أخي... أشعر أن القواعد على وشك أن تتغير. و منذ ظهور ’إليسيوم‘ ، لاحظت أنا ومجموعتي أن الحاجة إلى أجهزة التنفس بدأت تتناقص بشكل كبير. "
نظر ديفون مباشرة إلى لوهان ، بنظرة واثقة والشرر يتطاير من عينيه "لكننا لسنا الوحيدين الذين لاحظوا ذلك. فقد أدركوا هم أيضاً الإمكانات التي يتمتع بها ’لاعب القاعدة‘ النادر. و إذا أيقظ طفل من المنطقة السفلى عرقاً ملحمياً أو حتى أسطورياً ، فسيصبح سلاحاً لا يمكنهم السيطرة عليه. ونظراً للكره الذي يكنونه لنا ، ومعرفتهم بأننا نبادلهم الشعور نفسه ، فهم يدركون أن ذلك السلاح سيوجه مباشرة إلى رؤوسهم. "
"لهذا السبب يطاردون ’أصحاب الإمكانات‘. يريدون ’توظيفنا‘ قبل أن ندرك أننا لم نعد بحاجة إلى أقنعتهم لنتنفس. وإذا رفضنا الانصياع... حسناً ، فهم يعرفون كيف يقنعون من أمامهم جيداً. "
شعر لوهان بطاقة "المانا " تسري ساخنة في عروقه البشرية ، متذكراً كيف كان يشعر بالهواء "العذب " في الكلية وكيف بدأ جسده بنفسه بتنقية التلوث المحيط به. وأدرك حينها أن ديفون كان محقاً: فهو منقٍ متحرك ، ومنارة قوة لن تسمح الشركات لها بأن تشع خارج نطاق سيطرتها.
تمتم لوهان بصوت بارد "فهمت. " فرغم تعاونه الوثيق وصداقته مع إيزابيلا فانس كان يدرك أن هذه العلاقة تقتصر عليهما وحدهما. ولو اهتم به شخص أكثر نفوذاً في مجموعة فانس وكانت له مآرب أخرى ، فلن يكون بوسعه فعل شيء. ورغم الإمكانات الهائلة لقاعدته الأسطورية المزدوجة إلا أن كلاً من عرقه وفئته ينموان ببطء ولن يزدهرا إلا في المراحل المتقدمة من اللعبة. ومع الطريقة التي تتطور بها الأمور ، ربما سيجذب انتباه أعداء خطرين قبل أن تتاح لقاعدته فرصة الازدهار.
عندما رأى ديفون ملامح لوهان تتغير بوضوح ، شعر بالحماس لإحساسه بأنه حقق هدفاً مهماً ، فبادر بتقديم دعوة "ما رأيك يا لوهان ؟ لماذا لا تأتي معي لمقابلة مجموعتي اليوم بعد الحصص ؟ إذا حدث لك أي مكروه في المنطقة السفلى ، يمكننا أن نمد يد العون. "
عند سماع هذه الدعوة ، شعر لوهان بإغراء حقيقي. فبما أن إيزابيلا قوية جداً في العالم الحقيقي ، فإن الاقتراب منها أكثر من اللازم والاعتماد على مواردها قد يكون سلاحاً ذا حدين ؛ فهو قد يعمل كدرع حصين ، وفي الوقت نفسه كمنصة تعرضه لأنظار النسور الجائعة. و لكن لو تمكن من التعامل مع هذه المشاكل بنفسه ، أو بمساعدة أشخاص يشبهونه ، ربما يصبح الأمر أكثر يسراً.
من ناحية أخرى لم يكن يعلم إلى أي مدى سيكون التقارب مع هؤلاء الأشخاص مفيداً له ، فقد يجرّه ذلك إلى حرب لم يكن متأكداً حتى مما إذا كان يرغب في خوضها...