الفصل 187: التغيير
خلال المحاضرة ، وعلى الرغم من عدم قدرتهما على التفاعل المباشر ، ومحاولتهما تجنب التواصل لئلا يثير ذلك الريبة كان "لوهان " و "إيزابيلا " يتبادلان النظرات الخفية باستمرار.
وكما كان "لوهان " يراقب خِلسةً تفاعلات "إيزابيلا " في الكلية بفضولٍ -ليس بدافع الغيرة ، بل لاهتمامٍ صادقٍ بمعرفة روتين حياتها- كانت "إيزابيلا " تفعل الشيء نفسه معه.
وبينما هي تراقب ، فوجئت برؤيته يتحدث إلى شخصٍ ما للمرة الأولى.
ورغم أنها لم تكن تولي "لوهان " اهتماماً دقيقاً في الفصل من قبل إلا أنها كانت تعلم أن طلاب "المنطقة السفلى " لا يكاد أحدهم يكلم الآخر ، ناهيك عن التصرف بقرابةٍ تسمح لهم بالهمس لبعضهم البعض بالطريقة التي كانت "لوهان " يفعلها مع ذلك الفتى.
"عَمَّ يتحدثان يا تُرى ؟ " تساءلت بفضولٍ شديد.
ومن خلال نظرةٍ سريعةٍ ألقتها نحو "لوهان " أدركت أنهما كانا غارقين تماماً في حوارهما ، ويبدو أنهما يتناولان أمراً ذا أهميةٍ بالغة.
في المقابل كانت هي تشعر بالاختناق من تلك المحادثات المملة التي تفتقر إلى أي اهتمام.
"لن تصدقي ما فعله فلان... "
"شعري في إيليزيوم جميلٌ جداً لدرجة أنني أرغب في صبغه في العالم الواقعي أيضاً... "
"شركة والدي... "
كان الأشخاص الذين يقصدونها للحديث يحاولون فرض تقاربٍ لا وجود له ، يقصّون عليها تفاصيل حياتهم كما لو كانت أكثر الأمور إثارةً في العالم لكل من حولهم ، بينما هي في الواقع لا تهم أحداً سواهم.
وفي هذا السياق كان من الشائع جداً ألا يستمع الناس إلا لما يقولونه هم ، بينما حين يتحدث شخصٌ آخر ، يتظاهر الجميع بالاهتمام بينما تعكف عقولهم على البحث عما سيقولونه تالياً.
على عكس ما كان عليه الحال حين تتحدث إلى "هالون " في "إيليزيوم " حيث كانا يتحاوران بصدق ، ويستمع كلٌ منهما للآخر ، ويحاولان استيعاب مشاعر بعضهما ، ويستمر الحديث بينهما بدافعٍ من الاهتمام المتبادل ، فقد كانت المحادثات في العالم الواقعي أكثر صعوبةً عليها...
"تنهيدة... " زفرت "إيزابيلا " في أعماقها ، تشعر بالخيبة لأنها لا تستطيع النهوض والجلوس مع "هالون ". "على الأقل لدي الآن شيءٌ مثيرٌ لأراقبَهُ وأصبَّ تركيزي عليه. "
حتى دون القدرة على التواصل المباشر معه كان مجرد اختلاس النظر إليه بين الحين والآخر أكثر إثارةً من الاستماع إلى المحاضرة.
ولأنها تدرك مدى ندرة "عِرقه " فقد كانت تعلم أن معدل استيعابه للطاقة من ذلك العالم سيكون أسرع بكثير من معدل الأشخاص العاديين ، ومعرفة هذا جعلت "إيزابيلا " تبدأ في مراقبة التغيرات الجسديه التي تطرأ عليه يومياً ، لتصاب بالذهول مما رأت!
فرغم ارتدائه ملابس فضفاضة تخفي معالم جسده إلى حدٍ كبير ، أسوةً بغيره من طلاب "المنطقة السفلى " إلا أنها كانت لا تزال تلحظ بعض التفاصيل التي تتغير فيه يوماً بعد يوم.
كان "لوهان " يجلس بطريقةٍ مسترخية ، لكن "إيزابيلا " لاحظت أنه بالمقارنة مع اليوم الأول الذي التفتت فيه إليه ، وهو اليوم الذي اشتبك فيه لأول مرة مع "جوليان نيل " بدت هيئته تزداد تكاملاً يوماً بعد يوم.
لم يستطع المعطف الأسود والملابس الفضفاضة إخفاء كتفيه ، اللذين بدا وكأنهما قد اتسعا ، مالئين تلك الأقمشة السميكة ببنيةٍ صلبةٍ ومتناسقة. أما بشرته التي تذكرها شاحبةً وعليلةً في السابق ، فقد أصبحت الآن تتألق ببريقٍ صحيٍ ناعم.
وما صدمها أكثر هو الكثافة التي كانت يبثها ؛ فبدا الأمر وكأن كل ليفةٍ عضلية تُنحت بواسطة قوةٍ خفيةٍ كل يوم ، مما جعل عضلاته طويلةً وفاعلةً كعضلات سباحٍ محترف.
وفي حين كان الطلاب الآخرون يبدون "منتفخين " بشكلٍ اصطناعي نتيجة استخدامهم لمختلف العقاقير المعززة للقوة والتجميل التي طورتها "الاتحاد " على مدى القرون الماضية كان تطور "لوهان " تطوراً نوعياً خالصاً.
وبدون القناع الذي يغطي وجهه ، استطاعت رؤية خط فكه وقد صار أكثر تحديداً ، والبريق في عينيه الزرقاوين يزداد حدةً وكثافة.
"إنه وسيمٌ حقاً ، أليس كذلك ؟ " تفاجأت بإدراك هذا.
ولأنها لم تعتد إيلاء اهتمامٍ كهذا لشخصٍ من الجنس الآخر من قبل ، اندهشت "إيزابيلا " حين أمعنت النظر في "لوهان " لتكتشف أنه ليس وسيماً فحسب ، بل يبدو أنه يزداد وسامةً يوماً بعد يوم!
لم يكن يرتدي أياً من الإكسسوارات العصرية ، بل كان يكتفي بالاختباء خلف ملابس قديمةٍ وفضفاضةٍ ورخيصة ، ولكن رغم ذلك فإن مظهره الأنيق المقترن بموقفه المتسم باللامبالاة والثقة جعله متميزاً للغاية.
"لو كان من سكان المنطقة العليا ، ومع ذلك المظهر وتلك الشخصية ، لكان محاطاً بالناس من كل حدبٍ وصوب! "
وبينما كانت "إيزابيلا " غارقةً في أفكارها حول مظهر "لوهان " تاركةً لعقلها المبدع والفضولي أن يهيم في تفاصيل لا يدركها هو كان "لوهان " من جهته غارقاً في التفكير في عرض "ديفون ".
كان عقله ممزقاً بين الرفض والابتعاد ، والتركيز فقط على حياته في "إيليزيوم " وتجنب المتاعب ، ولكن عند التفكير في كل المشاكل التي حلت به ، وبالنظر إلى أن أياً من تلك المشاكل لم يكن هو من افتعلها ، أدرك أن مجرد الاختباء لن يجدي نفعاً على الإطلاق.
كانت المشاكل دائماً تبدو وكأنها تطرق بابه ، ولم يكن بوسعه الاعتماد على "إيزابيلا " للتعامل معها في كل مرة.
لقد استطاعت مساعدته في قضية "جوليان نيل " لأنهما في الفصل ذاته ، ولكن لو كان "جوليان " بانتظاره في "المنطقة السفلى " فلن يتمكن من التواصل مع الفتاة فحسب ، بل حتى لو فعل ، لن تستطيع الوصول في الوقت المناسب لإنقاذه.
لذا وبالتفكير في جماعة "ديفون " فإن الطريقة التي وصف بها تلك الجماعة قد جذبت "لوهان ".
فعلى عكس عصابات "المنطقة السفلى " المعتادة التي تحركها الأرباح فقط ، ولا تكترث لأخلاق استغلال سكان "المنطقة السفلى " الآخرين مقابل فتاتٍ من أرباح "المنطقة العليا " أو التي كانت متعجرفةً لدرجة عدم الاكتراث برفاهية الآخرين كانت جماعته تهتم بسلامة المكان الذي يعيشون فيه أكثر من اهتمامهم بالربح.
حتى قبل ظهور "إيليزيوم " كانوا بالفعل قوةً لا يستهان بها في "المنطقة السفلى " وبعد أن تمكنوا من الحصول على خوذة "إيليزيوم " وكان الحظ حليف جزءٍ صغيرٍ من أعضائهم في الحصول على إحصائياتٍ أعلى من المتوسط ، أصبح الوضع أكثر ملاءمةً لهم.
"ألم تكن تتذمر كثيراً من أن المنطقة السفلى مكانٌ حقير ، وأن على أحدهم فعل شيءٍ لتحسينه ؟ إذاً ، كن أنت ذلك التغيير الذي تود رؤيته في العالم يا لوهان. " قال لنفسه.