في "عالم نجم الدرع السماوي " وتحديداً في مركز هذا العالم النجمي بأسره ، يربض جرم كروي الشكل ، يكتسي باللون الأرجواني الباهت ، فيبدو للناظر كأنه كرة ضخمة منسوجة من أغصان الكروم. إلا أن هذه الكرة ، وبخلاف كرات الكروم المألوفة ، تتسم بضخامة مفرطة تتجاوز كل حد ؛ فهذا هو عش "عرق الخنافس السماوية ". إنه بناء يفوق حجم أكبر نجم في عالم الدرع السماوي بمئات المرات ، شُيّد على مدار سنين طوال بجهد عدد لا يحصى من الخنافس السماوية حتى استحال إلى هذه الهيئة العملاقة.
يغصُّ العش بأعداد لا تُحصى من الخنافس التي تحيا وفق نظام طبقي صارم ، حيث تضطلع كل فئة بمهامها الموكلة إليها. أما المسؤولون عن رصد الشبكة الحسية ، فهم عصبة من أفراد العرق الحشري ، يتميزون بثلاثة أزواج من أجنحة الدروع السماوية على ظهورهم ، ويصل قوام الواحد منهم إلى طول فارع يناهز خمسة أو ستة أمتار. وتُصنف الخنافس السماوية ثلاثية الأجنحة ضمن القوى المتوسطة الدنيا في السرب ، فقدراتها القتالية ليست بالبأس الشديد ، وتتركز مهامها أساساً في الأعمال الخدمية والروتينية ، ومع ذلك فهي تتمتع بذكاء يربو على ذكاء الطبقات الدنيا من بني جنسها ، وتمتلك وعياً ذاتياً مستقلاً. وبسبب قصور قوتها ، لا تُعد من القوى الضاربة الأساسية ، بل يقتصر دورها على تقديم الدعم والمساندة. وحدها الخنافس رباعية وخماسية الأجنحة تُعتبر العمود الفقري للعرق ، في حين تُصنف سداسية وسباعية الأجنحة كقوى قتالية رفيعة المستوى ، أما فئة ثمانية الأجنحة ، فلا يوجد منها في الوقت الراهن سوى "ملك الخنافس السماوية " وحده.
"تم رصد كيانات غريبة " ؛ كانت هذه الصيحة من خنفساء ثلاثية الأجنحة هي أول من استشعر وجود "هيراج " ورفاقه ، ثم مررت هذه المعلومة لتسري في أوصال جميع المسؤولين عن مراقبة الشبكة الحسية. وبما أن جميع قبائل "مستوى العرق الحشري " مفطورة على موهبة تشارك المعلومات ، فإن هذه القدرة قد تسبب بعض الإرباك ، إذ تؤدي أحياناً إلى فيض من البيانات تعجز الحشرات من الطبقات الدنيا عن معالجته. وفي سياق تطورها اللاحق ، استنبطت قبائل الحشرات أساليب لحل هذه المعضلات ، فأصبح بمقدورها الآن انتقاء المعلومات التي ترغب في استقبالها أو حجبها ، مما يسمح بانتقال المعلومة بدقة إلى أعضاء بعينهم. وعادةً ، لا تُنشر المعلومات على نطاق القبيلة بأسرها إلا في الحالات القصوى والطارئة ، وهو أمر نادر الوقوع ، مما قلل من حدة التشتت.
سُرعان ما وصلت الأنباء المتعلقة بـ "هيراج " ورفاقه إلى مسامع القادة من الخنافس السماوية ، وكان أول رد فعل لهم هو تقييم مستويات قوة هؤلاء الغرباء. وبالنسبة لـ "تود " و "هيراج " فقد استطاعوا استشعار قوتهما بشكل غامض ، وبدت كأنها تراوح المستوى السادس أو السابع ، ولأنهما كانا يطوقان هالتيهما بستار من الكتمان لم تتبين الخنافس مستوياتهما بدقة. أما "سلف الألف عين " فقد عجزوا تماماً عن سبر أغوار قوته ، واستحال عليهم الوقوف على حقيقة بأسه. وإلى جانب تقييم القوة ، تعين عليهم إجراء تقييم للمخاطر للوقوف على مأرب هؤلاء الأغراب ؛ ورغم عدم تيقنهم من غايتهم إلا أنهم أدركوا أن المجموعة لم تقصد "عرق الخنافس السماوية " بسوء ، بل كانوا مجرد عابري سبيل ، وهو ما فضحه مسار حركتهم وهم يلتفون حول عالم الدرع السماوي بالكامل.
بيد أن عدم استهداف "هيراج " ورفاقه للعرق لا يعني بالضرورة أن الخنافس ستكف أذاها عنهم ؛ فالخنافس المنوط بها مراقبة الشبكات الحسية تضطلع بمهمة أخرى تلي التحذير من المخاطر ، ألا وهي تأمين القوت. فعندما يقع نظرهم على كيانات جبارة ، يطلقون نذير الخطر لإعداد القبيلة للذود عن حياضها ، أما إذا ظفروا بكيانات أضعف ، فيرسلون مفارز لاقتناصها. ورغم امتلاك "هيراج " و "تود " قوةً من المستوى السادس أو السابع إلا أنهما لم يكونا بتلك الهيبة في نظر الخنافس ، فكائنات المستويين السادس والسابع لا تعدو كونها "فرائس " في قائمة طعام العرق الحشري. وصحيح أن كائن المستوى السابع يمتلك قوة مهولة ، ولكن "الكثرة تغلب الشجاعة " وفوق كل ذي قوة مَن هو أقوى منه ؛ فبالنظر إلى القوة القاصمة للعرق و يمكنهم بلا ريب أسر كائن من المستوى السابع.
بالنسبة لعرق الخنافس ، يمثل كائن مثل "هيراج " مادة خاماً نفيسة لتعزيز "قلب العرق الحشري " فالكائنات التي بلغت المستوى السابع تكون قد اتصلت بالفعل بـ "النهر الأم " ويمكن للخنافس استخدامها كوقود لإثراء "المخزن الغذائي " لقلب العرق. وبناءً على ذلك وبعد رفع التقارير للمستويات العليا ، وُضعت خطة قتالية على عجل ، استعداداً لإرسال قوات لاصطياد "هيراج " ورفيقيه. إن مصادفة كائن من المستوى السابع يتجول بمفرده في "مستوى العرق الحشري " هو أمر نادر الحدوث ، فغالباً ما يتجشم الخنافس عناءً كبيراً للحصول على فريسة بهذا المستوى ، مما يضطرهم لغزو قبائل أخرى بتكلفة باهظة ، والآن وقد ساق القدر هذا الكائن الوحيد إليهم ، فليس من شيمهم تفويت مثل هذه الغنيمة.
أما بخصوص "سلف الألف عين " مجهول القوة ، فقد قدّروا أنه من المستوى السابع أيضاً ، واهمين بأن هذا الكائن الغريب قد استعمل حِيلاً خاصة لتمويه هالته ، ولم يدر بخلدهم قط احتمال كونه من المستوى التاسع ؛ إذ إن وجود كائن بهذا المستوى يتجول هكذا هو ضرب من المحال في "مستوى العرق الحشري " فكائنات المستوى التاسع هم سادة القوم وأسلاف القبائل العظيمة ، ولا يضربون في الآفاق فرادى. وزيادة على ذلك رأى الخنافس أنه لو كان هؤلاء الغرباء يملكون قوة قاهرة حقاً ، لما توخوا هذا الحذر الشديد في مسيرهم. و لقد حللوا سلوك "هيراج " ورفاقه بدقة ، وربطوا شتات المعلومات ليصلوا إلى هذه النتيجة. ولأن عالم الدرع السماوي مترامي الأطراف ، فلن يتمكن "هيراج " وصحبه من مغادرته سريعاً ، مما أتاح للخنافس وقتاً كافياً لتمحيص البيانات.
تبدع قبائل الحشرات في تسخير أدمغة أعضائها لتحليل المعلومات ، حيث يندمج ذكاؤهم الجماعي ليشكّل ما يشبه "الحاسوب العملاق " الذي يعالج أعتى البيانات ويصدر النتائج في لمح البصر ، مستغلين ميزاتهم العرقية خير استغلال. و لقد كان "هيراج " ورفاقه مفرطين في التوجس خلال رحلتهم ، يسيرون ببطء وحذر شديدين ، وهو سلوك لا يمت بصلة لهيبة ومقام كائن من المستوى التاسع. وبعد بلوغ هذه الاستنتاجات ، استنفر عرق الخنافس السماوية طاقاته ، واندفعت أفواج تلو الأفواج من العش ، تضم حشرات ضخمة من رباعيي وخماسيي الأجنحة ، يقودهم جيش عرمرم من الخنافس سداسية وسباعية الأجنحة ، تجاوز قوامه مئة ألف مقاتل. ورغم هذا الزحام ، فقد تحركوا بدقة متناهية ونظام بديع ، في تناسق يعجز الكثير من الأعراق عن مضاهاته أو بلوغ شأوه.
رمق "سلف الألف عين " أعماق عالم نجم الدرع السماوي بنظرة ثاقبة وقال "المتاعب توشك أن تحل بنا ".
استفسر "هيراج " قائلاً "ما الذي حدث ؟ ".
أجاب "سلف الألف عين " "إن صدق حدسي ، فقد استنفرت حشرات ذلك العالم النجمي قواها وجعلتنا هدفاً لها. أشعر بتركيزهم علينا بوضوح تظن ؛ إنهم يرمقوننا بأعينهم ".
قال "هيراج " بدهشة "بهذه السرعة! ". لم يدر بخلده أن تتحرك هذه الحشرات بتلك الخفة والسرعة ؛ فمنذ اللحظة التي استشعر فيها السلف أنهم تحت المراقبة وحتى استنفار جيش الحشرات لم تنقضِ سوى عشر دقائق.