Switch Mode

ساحر الحلقة السادسة 686

مدينة حدودية شمالية


الفصل 686: مدينة الحدود الشمالية

تعالى نحيبٌ صاخبٌ من الخلف، صادرٌ عن "روح نجم القنطور" التي تحررت -على ما يبدو- من أصفاد ملكة العنكبوت، واستشاطت غيظاً لدرجة الانفجار.

وإنَّ وقع حافره عليه في هذه اللحظة، فسيكون مآله إلى هلاكٍ محتوم.

لم يتوانَ "هيراغ" للحظة، بل انطلق كالبرق صوب بوابة الانتقال الآني.

أما الشياطين القابعة في الخلف، فرغم الرعب الذي تملكها، لم تجسر على المبادرة بالتقدم، ولم يكن أمامها سوى تقفي أثرهم بمسارعة محمومة بعد أن عبر "هيراغ" ورفاقه البوابة.

وفي اللحظة التالية، انبثق فجأة نصل سهم أزرق عاتٍ، ليصطدم بقلب الكوكب القاحل مباشرة. كان السهم مشحوناً بطاقة انفجارية هائلة، وما إن انهمر وقعه حتى استحال الكوكب بأكمله هباءً منثوراً.

ولم تسعف الأقدارُ كثيراً من الشياطين للفرار في الوقت المناسب، فغدوا قرابين وتناثرت أشلاؤهم جراء تلك السهام.

حلّت روح نجم القنطور في المكان في لمح البصر، شاخصةً ببصرها نحو حطام بوابة الانتقال وجثث الشياطين التي لا تُحصى، بيد أنها لم تعثر على الكيانات الثلاثة التي بلغت "رتبة الأسلاف"، مما أجج نيران غضبها أكثر.

كان فقدان "بئر عالم النجوم" يمثل خسارة فادحة لا تُقاس بالنسبة لها.

إذ سيؤدي ذلك إلى توقف نمو العديد من العمالقة الناشئين في شتى أرجاء العالم، وهو ما قد يفضي بهم إلى حتفهم.

أثارت هذه المعضلة حنق روح نجم القنطور، غير أنها وقفت حيال ذلك عاجزة مكبلة اليدين.

أما الشياطين المتبقية فكانت محض هباء لا وزن له، مجرد أتباع لا شأن لهم. في حين أن الكائنات القليلة من رتبة الأسلاف قد تحركت بخطى حثيثة ومدروسة، إذ كانت متأهبة تماماً، وتراجعت دون تردد فور بلوغ مأربها.

...

مستوى الهاوية، كهف الحمم البركانية.

وقف الجد ذو الألف عين، رفقة ملك الهياكل العظمية، وملكة العنكبوت، و"هيراغ" مجتمعين أمام جرم زجاجي أزرق، لم يكن في حقيقته سوى مجسم دقيق الصنع لكوكب كامل.

لقد سخر السلف ذو الألف عين قدرات خاصة لتنقية هذا الكوكب، محتفظاً به في حجم كرة زجاجية على المدى الطويل.

وخلال تلك العملية، كانت الحيوات التي لا تعد ولا تحصى على سطح الكوكب تزهق تباعاً وبسرعة خاطفة.

وبالطبع، لم يلقِ الجد ذو الألف عين بالاً لتلك الأرواح؛ فبالنسبة لكيان مثله، لم تكن تلك الكائنات سوى مستعمرات بكتيرية ضئيلة لا تستحق الاكتراث.

إلا أن "هيراغ" اعتراه شيء من الصراع النفسي، إذ استشعر فداحة الأرواح المزهقة على ذلك الكوكب.

فالحياة أوهن من بيت العنكبوت في بعض الأحيان؛ ففي مواجهة السلطة المطلقة، يرحل الكثيرون دون أن يدركوا حتى كنه السبب الذي أودى بحياتهم.

"أنا أدمرك، فما شأنك أنت بذلك؟"؛ قفزت هذه العبارة إلى مخيلة "هيراغ" بشكل لا يفسره منطق.

لم يكن مطمح السلف ذي الألف عين هو إبادة أشكال الحياة كافة، بل كان يسعى لتكرير الكوكب، الأمر الذي آلت معه الأرض حتماً لتصبح قاعاً صفصفاً.

"يبدو أن ثمة معضلة ما." ظهرت لمحة من الريبة في العين الضخمة للجد ذي الألف عين.

وبدا أن ملكة العنكبوت قد فطنت لأمر ما هي الأخرى، فقالت: "إن جوهر النهر الأم في بئر عالم النجوم يتلاشى بسرعة، ما الذي يجري بحق الخالق؟"

أجاب الجد ذو الألف عين بنبرة جادة: "لعل هناك بعض النواميس التي لم نلقِ لها بالاً. فبمجرد ارتحال بئر عالم النجوم عن موطنه الأصلي، يبدو أنه يفقد مفعوله سريعاً. إن الرابطة بين البئر والنهر الأم تضعف شيئاً فشيئاً، ولن يطول الأمد حتى تنبتَّ تماماً."

"سحقاً! هل يعمل بئر عالم النجوم في حيزه المكاني فقط؟" استشاطت ملكة العنكبوت غضباً.

فلو صح ذلك، لكانت كل مخططاتهم التي حيكت حتى الآن محض سراب، وسعياً ضائعاً هباءً.

لزم "هيراغ" الصمت جانباً، فهو لم يكن يحيط علماً بتلك المسائل المعقدة.

وعلى أية حال، فقد نال مراده وتحققت أهدافه، ولم يكن يكترث إن كان بئر عالم النجوم قابلاً للاستخدام في مستوى الهاوية أم لا.

وبعد مداولات، عقد الجد ذو الألف عين وملكة العنكبوت العزم على اتخاذ تدابير لمحاولة استبقاء حالة بئر عالم النجوم والحفاظ على صلته بالنهر الأم.

وبدا أنهما يقصدان مكاناً ذا طبيعة خاصة، لذا انتحيا بعيداً عن "هيراغ" مؤقتاً.

راقبهم "هيراغ" وهم يغادرون، ثم شد مآزره استعداداً للرحيل هو الآخر.

وعلى الرغم من أن الجد ذو الألف عين قد عرض عليه البقاء في كهف الحمم البركانية، حيث كان الجميع هناك إما من سلالة الجد نفسه أو من أتباعه المخلصين الذين سينصاعون لأوامر "هيراغ"؛ إلا أن "هيراغ" كان يعتزم العودة إلى بُعده الخاص، فلم يرغب في المكوث.

"أنا راحل الآن، يا ملك الهياكل العظمية." نادى "هيراغ" رفيقه.

التفت ملك الهياكل العظمية، فأحدثت عظامه طقطقةً مسموعة، وتوهجت نيران روحه ببريقٍ غريب، ثم أومأ بفكّه نحو "هيراغ".

لم يستوعب "هيراغ" سر عجز ملك الهياكل العظمية عن التواصل -رغم بلوغه رتبة الأسلاف- حتى بدون صوت، لربما عبر فيض من الوعي أو تخاطر ذهني؟

وبعد تفكير، لم يجد بداً من عزو ذلك إلى غريزة ملك الهياكل العظمية ككائن غير حي، وهي سمة متجذرة في كينونته.

وعقب مغادرته كهف الحمم البركانية، عمدت شياطين سلالة الألف عين إلى إعادة تشييد بوابة الانتقال الآني لإعادة "هيراغ" إلى حيث كان.

حينها أدرك أن تلك الأصقاع تقع ضمن حوزة الجد ذي الألف عين، وأن جميع الأقاليم المحيطة تخضع لسطوته.

وعندما وطأت قدما "هيراغ" ذلك المكان لأول مرة، جذب أنظار الشياطين من حوله، بيد أن هالة حضوره المهيبة منعتهم من الجسارة على الدنو منه، فآثروا إبلاغ الجد ذي الألف عين، مما أفضى إلى تتابع تلك الأحداث.

وبعد أن استبان "هيراغ" الأمر، أمضى برهة من الوقت في الترحال، مستمداً الطاقة من إحداثيات العالم عقب مغادرته أراضي السلف ذي الألف عين، ومن ثم قفل راجعاً إلى عالمه.

عاد "هيراغ" إلى قلعته، فاستشعر على الفور تلك التحولات الجذرية في أرجاء المكان.

ففي البقعة التي لم تكن تحوي في البدء سوى بضعة مبانٍ متناثرة قرب القلعة، شُيدت مدينة بأكملها تقريباً، بل إن سور المدينة قد أُحكم بناؤه.

لقد أوفدت حكومة الأراضي الحدودية فريقاً متخصصاً للإشراف على تطوير الإقليم الشمالي الخاص بـ "هيراغ"، وقد أتموا الآن أخيراً بناء "مدينة الحدود الشمالية".

كانت الكفاءة الإنتاجية لشركة "ماجيك" مثيرة للإعجاب حقاً؛ إذ أدى توظيف تقنيات السحر "ماجيك" في مشاريع البنية التحتية إلى نتائج منقطعة النظير، حيث عملت المنشأة كفريق هندسي محترف فاق كل التوقعات.

ولم تكن هناك حاجة لآلات ضخمة تقليدية، إذ كانت المعدات السحرية بحد ذاتها جبارة ومتعددة المهام.

تضاعف تعداد السكان داخل مدينة الحدود الشمالية، مما نفخ روح الحياة في المنطقة، حيث استوطنها بالفعل حشد غفير من السكان.

وكان "هيراغ" قد وضع سابقاً ضوابط لـ "ريس" والآخرين؛ فمن المؤكد أن القاطنين هناك هم من ذوي الروابط المتينة والحلفاء الموثوقين.

ولم يتشدد "هيراغ" في وضع معايير تعجيزية، فما دامت خلفياتهم لا تشوبها شائبة، فلا ضير من وجودهم.

ويُعد التعداد السكاني الأولي ركيزة أساسية؛ لأنه يرسم وتيرة النمو في المستقبل، فالكثافة السكانية تظل دوماً العامل الأهم.

وكان وجود عائلة "تشيكي" أمراً لا ريب فيه، إذ هاجر جلُّ أفرادها إلى هناك.

واستقرت أراضيهم عند سفوح جبال الحدود الشمالية، على مسافة قريبة تكفي لإدارة شؤون تجارتهم في العقاقير السحرية بيسر.

بل إن "هيراغ" أبصر جمعاً غفيراً من "الجان" الذين توافدوا من عالمهم، بوصفهم من أقارب "تشاتيا".

لقد استثمرت "تشاتيا" مكانتها ببراعة، حيث استدعت بصفة شخصية ثلة من عرق "الجان" لتقديم العون، ونسقت استقرار الراغبين منهم في مدينة الحدود الشمالية.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط