Switch Mode

ساحر الحلقة السادسة 685

النجاح والرحيل


الفصل 685: النجاح والرحيل

أما حيال "النهر الأم"، فإن الكائنات الأسطورية من الرتبة السابعة لا تملك سوى الأهلية لمجرد التواصل معه، في حين يُعتبر "المسيطر" من الرتبة الثامنة هو شكل الحياة الحقيقي الذي بوسعه الإسهام في تطوير النهر الأم وتعزيزه.

وبمقدور "هيراغ" الارتقاء إلى الرتبة السابعة عبر سطوة سلالته؛ ذلك لأن الرموز السحرية لدمه الكامنة في كيانه قد نالت اعتراف "النهر الأم" بالفعل، وبات بمقدوره الاتصال به مباشرة.

ويعزى هذا الفضل كله إلى سلالة أسلاف "إله الرعد"؛ فما دامت دماء الأسلاف داخل "هيراغ" قوية إلى حد معين، فإنه يستطيع الارتقاء مباشرة إلى الرتبة السابعة.

ولن تعترض هذه العملية أي عقبات، كونها تنبع من القوة الموروثة المتجذرة في السلالة.

وهذا هو السبب عينه الذي دفع شخصيات بوزن "السلف ذي العيون الألف" إلى الرغبة في مد يد العون لـ "هيراغ".

فـ "هيراغ"، بامتلاكه القوة الكاملة لسلالة أجداده، لا يواجه أي عوائق في ارتقائه، ومجرد دفعة يسيرة منه كفيلة ببلوغه المرام والتقدم السريع، ليغدو ركيزة أخرى في "عالم الهاوية"، ومن الطبيعي أن يكون كبار السادة مثل "السلف ذي العيون الألف" على استعداد تام للقيام بذلك.

وبعد أن استوعب "هيراغ" هذه الحقائق، جال بخاطره بغتة أنه قد يستفيد من هذه المعطيات.

إذ خطط لابتكار سحر خاص به، يتسم بالبساطة المطلقة: توظيف قدرة "رونزات" دمه للتواصل مع "النهر الأم".

ويبدو الأمر في ظاهره كأنه استخدام للسحر للتواصل مع "النهر الأم"، بيد أنه في جوهره يتحقق عبر قوة "رونز الدم".

ولم يكن هذا الجانب الجوهري ذا أهمية قصوى في الواقع؛ فـ "هيراغ" يحتاج فقط إلى قالب ظاهري، ومتى ما استقام المظهر على هذا النحو، فقد استوفى الغرض.

وبينما كان "هيراغ" غارقاً في أفكاره، كان "السلف ذو العيون الألف" يتشاور مع "ملكة العناكب" حول كيفية استخلاص "بئر عالم النجوم" هذا.

وقد تبيّن لهما أن "بئر عالم النجوم" قد اندمج كلياً مع الكوكب، مما جعل فصلهما عن بعضهما أمراً عسير المراس.

إن "بئر عالم النجوم" كيان استثنائي للغاية، وهو يشبه في كينونته "أرواح النجوم" و"الجبابرة"، فجميعها تُحتضن في الأصل داخل كواكب معينة، ولا تُبصر النور إلا بعد أمد طويل من الرعاية والاحتضان.

وقد تملكت "هيراغ" دهشة لا بأس بها حين علم بذلك، إذ لم يدر بخلده قط أن "بئر عالم النجوم" يتخلق عبر المخاض والتربية، شأنه شأن "أرواح النجوم" و"الجبابرة".

ومع ذلك، فإن "بئر عالم النجوم" ذاته لا يُصنف كشكل من أشكال الحياة، بل هو أقرب إلى ظاهرة طبيعية، وما إن يولد حتى يندمج ويصبح جزءاً لا يتجزأ من الكوكب الذي احتضنه.

وحين يولد "بئر عالم النجوم" وينصهر في الكوكب، يبدأ ببث تأثيره في الكواكب المجاورة.

فتشرع تلك الكواكب المحيطة في رعاية "أرواح نجوم" جديدة، و"جبابرة"، بل وحتى "آبار عالم نجوم" وليدة.

وفي "عالم النجوم"، يشبه "بئر عالم النجوم" البذرة؛ فهو الذي يحرك عجلة التطور في عوالم النجوم، ويؤدي إلى انبثاق العديد من أرواح النجوم، والجبابرة، والآبار النجمية الجديدة.

لذا، يحظى "بئر عالم النجوم" بأهمية جلل بالنسبة لعالم النجوم، ولهذا السبب تحديداً وُجد سلف يحرس هذا المكان.

فكل بئر من آبار عالم النجوم يمثل قوى حيوية مستقبلية لا تُحصى لعالم النجوم.

وعلى الرغم من إدراك "السلف ذي العيون الألف" لوضع "بئر عالم النجوم"، إلا أن معضلة قد طفت على السطح.

فقد اندمج جوهر "بئر عالم النجوم" بالفعل مع الكوكب، مما جعل فصلهما أمراً مستحيلاً من الناحية العملية.

وقد استنتج "السلف ذو العيون الألف" أنه في حال انتزاع "بئر عالم النجوم" قسراً، فمن المرجح أن يفقد ماهيته ويتلاشى في طيات العدم.

ولم يكن هذا المصير هو ما يبتغيه "السلف ذو العيون الألف".

"لمَ لا... ننقل الكوكب بأسره؟" اقترحت "ملكة العناكب" بعد هنيهة من التفكير.

التصقت عينا "السلف ذي العيون الألف" بوميض من الإعجاب وقال: "هذا أمرٌ ممكن".

وعندما تناهى إلى سمع "هيراغ" هذا الحوار بينهما، أُلجم لسانه من هول ما سمع؛ أيعقل أن يكون أحد الأسلاف بهذا الجموح في سطوته؟ تحريك كوكب بهذا الجرم العظيم وكأنه لا شيء! إن القوة اللازمة لفعل ذلك تتجاوز حدود الخيال البشري.

شرع "السلف ذو العيون الألف" و"ملكة العناكب" في العمل بحزم وسرعة، واصطحبا معهما "هيراغ" وهما يحلقان خارج الكوكب، حتى بلغا أطرافه الخارجية.

راقب "هيراغ" الكوكب وهو يدور برعونة وسرعة، متسائلاً عن السبيل الذي سيسلكه "السلف ذو العيون الألف" لتحريك هذا الجرم العظيم.

شخص السلف ذو العيون الألف ببصره نحو الكوكب، وتصاعدت هالته واشتدت اضطرابات طاقته، وكأنه يتأهب لواقعة عظيمة.

بالنسبة لمثل هؤلاء، فإن تدمير كوكب قد يكون أهون نسبياً، أما نقله برمته فيتطلب جهداً جهيداً وبراعة فائقة.

بدأ "السلف ذو العيون الألف" في ترتيل ترانيم غريبة الوقع، كان كل مقطع منها يتردد صداه في الفضاء الفسيح حاملاً معه هالة بدائية عتيقة.

ومع كل لفظ يتفوه به، كان "هيراغ" يستشعر تبدلات في ملكوت السماوات والأرض، مع تدفق قوانين الطبيعة ودورانها بسرعة خاطفة.

"هَممم؟"

توجس "هيراغ" خيفة وتساءل إن كان ما يراه مجرد وهم؛ فقد خُيّل إليه أن الكوكب يبدو وكأنه يتقلص قليلاً.

لم يدم هذا التغير سوى برهة، وعلى الرغم من أن "هيراغ" قد رصده بذكائه الحاد، إلا أن التبدل كان طفيفاً لدرجة جعلته يشكك في صحة رؤيته.

بيد أن "هيراغ" سرعان ما تيقن أن الأمر لم يكن خيالاً.

فمع كل ترنيمة يطلقها "السلف ذو العيون الألف"، كان الكوكب الماثل أمامهما ينكمش ويتحول باستمرار.

وبدت تلك المقاطع القديمة وكأنها تهيمن على هذه البقعة من السماء والأرض، وكأنها تجسدت في مادة صلبة، فجمدت الزمان والمكان، وكأن جميع القوانين الكونية قد كفت عن الوجود.

ولم يستطع "هيراغ" أن يحدد مقدار الوقت الذي انصرم، لعجزه التام عن إدراك سريان الزمن.

شعر وكأن لحظة خاطفة قد مرت، أو ربما حقبة تاريخية بأكملها قد تولت.

ثم تجلى أمام "هيراغ" جرم أزرق صافٍ كالبلور، يشبه حبة خرز زجاجية صغيرة.

هذا الكوكب الذي كان يوماً ما عملاقاً، بات الآن يبدو وكأن المرء يمكنه التقاطه بين إصبعيه.

لكن "هيراغ" كان يدرك يقيناً أن هذا الشيء لا يمكن الإمساك به بتلك البساطة.

فلو حاول أحدهم الاعتماد كلياً على القوة البدنية المحضة لقبضه، فلن يحصد سوى تحطم عظام أصابعه.

فعلى الرغم من تضاؤل حجم الكوكب، إلا أن كتلته العظيمة ظلت ثابتة لم تنقص ذرة.

ولم يكن "هيراغ" من الغرور بحيث يظن أنه قادر على استخدام قوته الجسدية لقرص كوكب بين إصبعيه.

"هيا بنا!" قال "السلف ذو العيون الألف" بعجالة بعد أن تم له النجاح.

وفي بقعة أخرى، حيث كان "ملك الهياكل العظمية" يقف حارساً.

كانت الهالة الأرجوانية لـ "ملكة العناكب" تضطرب ويتغير شكلها بعنف، بينما كان "روح نجم الحصان" لا يزال يصارع في الداخل، مستميتاً في محاولة الانعتاق.

وبالنظر إلى مدى تشوه تلك الكرة الضوئية الأرجوانية، بدا واضحاً أنها لن تكون قادرة على كبح جماح "روح نجم الحصان" لفترة أطول.

لم يرغب "السلف ذو العيون الألف" و"ملكة العناكب" و"ملك الهياكل العظمية" وغيرهم في المكوث أكثر، فقد نالوا مأربهم وحققوا أهدافهم، لذا شرعوا في الانطلاق نحو "بوابة الانتقال الآني" بسرعة تفوق الوصف.

وفي لمح البصر، وصلوا إلى ذلك الكوكب القاحل، حيث لا تزال بوابة الانتقال الآني منتصبة في مكانها.

كان حراس الشياطين قد انتشروا في الأرجاء، فانحنوا بإجلال ومهابة عند رؤية الأسلاف العائدين.

"سنقفل راجعين." أمر "السلف ذو العيون الألف"، ثم ولج بوابة الانتقال الآني، بينما جثت جميع الشياطين على ركبها مودعة سادتها الأسلاف.

وفي تلك اللحظة، انطلقت صرخة مدوية طويلة من سحيق الكون، واستحالت نبراتها إلى موجات طاقة عاتية بلغت أطراف المكان، مما أدى إلى ارتجاج الكوكب القاحل بأسره.

خفق قلب "هيراغ" بشدة من هول الصرخة، وهرع يتبعهم إلى داخل بوابة الانتقال الآني دون إبطاء.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط