الفصل 687: مسار الأساطير
لا ينزع جنس الجان بطبعه إلى الانكفاء داخل "غابة الليل الدامس" إلى الأبد؛ فكثير منهم يشتغلون بالتجارة، ويولي جمعٌ غفير منهم اهتماماً بالغاً بالثقافة البشرية.
تتملكهم رغبة عارمة واستكشاف العوالم الأخرى، بيد أن لظى الحروب الغابرة التي دارت مع العالم الخارجي خلّفت في نفوسهم نوعاً من التوجس، فلم يجرؤوا على الوفود إليه.
في تلك الحقبة، استُبيح الجان ونُهبوا في العوالم الأخرى استباحةً نكراء، مما ولّد لديهم نفوراً قاطعاً من المجيء إلى هنا.
إلا أن موازين القوى قد تبدلت الآن؛ فـ "العالم الهادئ" بات يخضع لحكم "أرض التخوم"، والتي ترتبط بعلاقة تعاون وُدّية مع "عالم الجان"، وبناءً عليه لم يعد لتلك المعضلات وجود.
وبما أن بضائع الجان تتسم بنفعٍ عظيم لـ "هذا العالم"، فقد أُرسيت دعائم علاقات تجارية وطيدة بين عالم الجان وهذا العالم.
وفي ظل هذه المعطيات، بات لزاماً على الكثير من الجان الاستقرار في هذا العالم على المدى الطويل؛ تيسيراً لمباشرة العمليات التجارية وإدارتها.
وتُعد المنطقة الشمالية من السهل البقعة الأمثل لسكنى الجان، فهي تتبع أراضي "هيراج"، وبما أن "تشاتيا" هي امرأة "هيراج"، فإن ذلك يمنح الجان شعوراً وكأنهم في ديارهم.
لم يعد الجان يحملون في صدورهم أي ضغينة تجاه "هيراج"؛ فبينما كانوا يرمون "تشاتيا" في السابق بالعار لانضمامها إليه كخادمة، بل ويضمرون نية التخلص من "هيراج" نفسه لغسل عارهم، تغير الحال الآن.
فبعد أن غدا "هيراج" قوياً وراسخ القدم، اضمحل أي نفور تجاهه، بل أضحوا يعدونه واحداً منهم تماماً، ممتنعين عن ذكر مواقفهم العدائية السابقة.
بل إن كثيراً من الجان باتوا يتساءلون بشوق عن الموعد المرتقب لزفاف "هيراج" والأميرة "تشاتيا".
إبان عودته إلى القلعة، لم يخرج "هيراج" على الفور، بل شرع في نسج تعويذة سحرية.
فقد كان بحاجة إلى ابتكار تعويذة تُمكنه من الارتقاء إلى "المستوى السابع الأسطوري".
وبمقدور "هيراج" في واقع الأمر تفجير قوى سلالته في أي آن والسمو مباشرةً إلى ذلك المستوى الأسطوري.
بيد أنه لضمان قدرته على قيادة ارتقاء "العالم" وتطوره، تعين عليه تنظيم هذه العملية بدقة.
امتلك "هيراج" رؤية جلية ومحددة لبناء هذه التعويذة، وقد استعرض مراحل العملية برمتها في مخيلته.
وأثناء تدبره، التمس أيضاً بعض الخطط من "شينلان" (الزرقاء العميقة).
في الحقيقة، لا يفتقر "هيراج" إلى "شينلان" لبناء هذه التعويذة، وإنما يصبو ببساطة إلى استلهام أفكار من مخططاتها؛ ليرى إن كان ثمة سبيل أمثل للتنفيذ، وليقتبس من مواطن القوة لدى كل منهما.
ولم ينقضِ وقت طويل حتى استقر "هيراج" على النموذج السحري لهذه التعويذة.
إن النموذج في جوهره ليس معقداً، إذ يضاهي في تركيبته تعويذة عادية من المستويين الثالث أو الرابع؛ فهو يرتكز بصفة أساسية على "رونات الدم" لأداء وظيفته، ولا يعمل إلا كغلاف خارجي للتعويذة.
وقد أطلق "هيراج" على هذه التعويذة اسم "درب الأساطير".
ولا يتأتى استخدام تعويذة "درب الأساطير" إلا لـ "هيراج" وحده؛ فلو حاز غيره على نموذجها، فلن تعود عليه بأي نفع.
وحتى لو أتم أحدهم بناء النموذج السحري لهذه التعويذة، فإن مآلها الإخفاق المحتوم في غياب "رونات الدم" الخاصة بسلالة "سلف إله البرق"، مما يحول دون استخدامها الطبيعي.
أما السحرة اللاحقون في عالم السحرة، الذين يطمحون للارتقاء من "الدائرة السادسة" إلى "المستوى السابع" من المخلوقات الأسطورية، فسيتحتم عليهم انتظار عودة "أندريس"؛ إذ إن "أندريس" وحده يملك منهج الارتقاء القياسي للدائرة السادسة.
أو عوضاً عن ذلك، قد يفلح السحرة اللاحقون في ابتكار طريقة للارتقاء إلى المستوى السابع الأسطوري بجهودهم الخاصة.
وبعد نجاحه في تشييد نموذج تعويذة "درب الأساطير"، نهض "هيراج" ميمماً شطره نحو البحر اللجي وراء المنطقة الشمالية، استعداداً للارتقاء إلى المستوى السابع الأسطوري.
ولم يكن واثقاً مما إذا كانت ستطرأ أي اضطرابات أثناء ارتقائه، لذا نأى بنفسه عن "مدينة الحدود الشمالية" تجنباً للمناطق الآهلة بالسكان.
وبينما كان "هيراج" طافياً فوق عباب البحر، سكن روعه وفعّل تعويذة "درب الأساطير".
وعندما تدفقت القوة الروحية في نموذج التعويذة، تنشطت "رونات الدم" في سائر جسد "هيراج" فوراً، وبدأت الرموز المختومة بالانفتاح، وكأنها تحطم أغلالاً كانت تكبلها.
بل إن "هيراج" سمع وقع تكسر السلاسل في أعماقه، وشعر بقوة سلالته تشتد وتتعاظم بوتيرة متسارعة.
ومع انكشاف مكنون قوة السلالة تدريجياً، بدأت هالة "هيراج" تتبدل، فغدت عتيقة، مهيبة، وقاهرة، تكتنف كيانه بأسره.
أدرك "هيراج" أن هذه هي هالة سلالة "سلف إله البرق"، والتي تجلت الآن بكامل بهائها.
وفي المنطقة الشمالية، كانت "الشياطين الأسطورية الثمانية العظام" المنتشرة في أصقاع مختلفة، ترنو جميعاً نحو البحر، ترتعد فرائصها وتخر ساجدة على الأرض، لا تجرؤ على إتيان أي حركة.
فمعظمهم ينحدرون من سلالات سحيقة، مما يجعلهم ذوي حساسية مفرطة تجاه هذه الهالة.
ومع استعار قوة السلالة باطراد، ازدادت قوة "هيراج" وروحُه منعةً واقتداراً.
وعند هذه النقطة، أدرك "هيراج" أنه إن لم يقم بصقل "روحه الحقيقية"، فإن محاولة الارتقاء المتعجلة إلى المستوى السابع الأسطوري ستفضي حتماً إلى عواقب وخيمة.
فالروح قبل تنقيتها لتصبح "روحاً حقيقية" تظل هشة للغاية، وعرضة للاضمحلال بفعل سطوة قوة السلالة الهائلة أثناء عملية الارتقاء، لتتحول إلى جسد بلا روح، ولا ينبثق فيها وعي جديد إلا بعد دهر طويل.
وحينها، لن يكون "هيراج" هو "هيراج" الذي نعرفه.
لم يكن "هيراج" شيطاناً من عالم الهاوية، ولا هو المالك الأصلي لسلالة "سلف إله البرق"، فكان يفتقر إلى قوة الروح التي تضاهي عنفوان السلالة.
ومن ثمّ، كان صقل روحه الحقيقية ركيزة أساسية لا غنى عنها في مسعاه.
وخلال ارتقاء "هيراج"، وقعت تبدلات غير عادية في البيئة المحيطة.
إذ تشكل إعصار عاتٍ فوق رأسه، وتلبدت السماء بالغيوم القاتمة لمئات الأميال، ودوت قعقعة الرعد في الأرجاء.
وعلى الرغم من نأيه المتعمد عن "مدينة الحدود الشمالية"، إلا أن ذلك الاضطراب طال تلك المنطقة، محولاً جزءاً كبيراً من قارة "كالا" من ضياء النهار إلى ظلام الليل.
أثارت هذه الظاهرة بطبيعة الحال جلبة في كافة أنحاء القارة، حيث ساد الجهل بما يدور بين العامة.
ووصل "أكورن" وسحرة آخرون من "أرض التخوم" إلى ساحل البحر، يرقبون "هيراج" القابع في قلب العاصفة.
أصدر "أكورن" أمراً حازماً بإجلاء كافة الأشخاص من المناطق المجاورة، وضرب طوقاً يمنع أي شخص من الدنو.
فقد كان على دراية بما يصبو "هيراج" إلى تحقيقه.
ولم يلقِ "هيراج" بالاً لهذه المستجدات؛ فقد ظل تركيزه منصبّاً بالكلية على ارتقائه.
ولاحظ التغيرات الطارئة على قوة سلالته، حيث انفتحت الآن كافة "رونات الدم" في جسده تقريباً، كاشفةً أخيراً عن القوة الجبارة الكامنة في سلالة "سلف إله البرق".
وعندما انفتحت الرموز بالكامل، تراءى لـ "هيراج" نهرٌ عظيم.
كان نهراً لا تصفه الكلمات، مياهه زرقاء صافية كبلور الكريستال، لا منبع له يُعرف ولا وجهة يُهتدى إليها.
وجد "هيراج" أن رؤيته غدت غريبة، كما لو كان يقبع في قاع النهر، أو يطفو على سطحه، أو يرقب جريانه من ضفته.
تراكبت هذه الرؤى المتعددة في آن واحد، مما جعل من المستحيل عليه التمييز بين الحقيقي منها، أو ما إذا كانت جميعها حقيقة واحدة مجسدة.