Switch Mode

ساحر الحلقة السادسة 681

روح النجم الحصاني


الفصل 681: روح قنطور النجوم

دوت ضربة السلف ذي الألف عين كصاعقةٍ انبلجت من سماءٍ صحو، فارتجت لها أرجاء المجرة قاطبة.

أهلكت تلك الضربةُ من أرواح النجوم والجبابرة ما لا يُحصى، بينما استفاق آخرون على وقعها، ليهرعوا مستطلعين جلل ما حدث.

أبصر "هيراج" كائناتٍ بيضاء شفافةً تتراءى للناظر، تفيض نقاءً كقطعٍ فنيةٍ صاغها خبير.

"أهذه هي أرواح النجوم؟" لاحظ "هيراج" تباين هيئاتها؛ فبعضها يحاكي وحوشاً كالأيائل البيضاء أو الدببة الشهباء، وبعضها الآخر يتخذ سيماء بني البشر.

ومن خلف تلك الأرواح، اندفعت جبابرةٌ عظامٌ نحو الموقع، ومهمتهم الذود عن حمى هذا المكان.

وبما أنهم تحت وطأة الهجوم الآن، فمن البديهي أن يهبوا لحماية السكينة المستباحة.

تراءى لـ "هيراج" سبعةٌ أو ثمانيةٌ من الجبابرة المدججين بالدروع في الطليعة.

كان كل واحدٍ من هؤلاء العمالقة يفوق الكواكب المعتادة حجماً، وفي خضم هذا الكون الشاسع، بدت النجوم بجوارهم كدمى ضئيلة تجفوها الواقعية.

فور ظهورهم، اندفع العمالقة صوبهم مباشرةً، بعد أن رصدوا بالفعل مجموعة السلف ذي الألف عين.

ورغم أنهم لم يعاينوا السلف ذي الألف عين من قبل ولا عرفوا مأتاه، إلا أنهم استشعروا هالته العتيقة الجبارة، فمضوا قدماً دون أدنى تردد.

فقد كان ذلك واجبهم المنوط بهم ومهمتهم المقدسة.

لم ينكص السلف ذو الألف عين على عقبيه، بل حشد شعاع الموت الأسود وقذفه مباشرةً نحو الجبار المتصدر.

اخترق شعاع الموت صدر الجبار للتو، فتناثرت دماؤه الذهبية في كل حدبٍ وصوب كغيثٍ عسجديٍّ منهمر.

رقب "هيراج" تلك الدماء الذهبية وهي تتطاير في الأرجاء، فاستبد به أسفٌ شديد، وهمس في نفسه: "يا له من هدرٍ عظيم".

بيد أن وطيس المعركة كان أشد من أن يجرؤ على الدنو لجمع تلك الدماء.

ولا تظنن أن الجبار قُتل بيسرٍ بمجرد نظرةٍ من السلف ذي الألف عين؛ فما ذلك إلا لعظم شأن السلف الذي واجهه.

كانت رتب هؤلاء العمالقة المهاجمين لا تقل عن المستوى السابع، بل إن كُثُراً منهم بلغوا المستوى الثامن "مستوى السيادة"، وهي رتبةٌ تتجاوز طاقة "هيراج" على المجابهة بمراحل.

فلو اجترأ على الاقتراب قيد أنملة، لكانت لمسةٌ واحدةٌ كفيلةً بإزهاق روحه.

آثر "هيراج" الانصياع لغريزته، مقاوماً غواية الإغراء، ليراقب دهاء الخبراء وسطوتهم من ملاذٍ بعيد بآناة.

فبعد أن أباد السلف ذو الألف عين أحد الجبابرة مباشرةً، دارت مقلته السوداء، وانبثقت دوامةٌ من السديم الأسود فوق رؤوس البقية.

تلوى ذلك الضباب القاتم لتبزغ من ثناياه عينٌ منتصبة.

كانت تلك العين المستقيمة خاليةً من أي شائبة عاطفة، تبث الرعب في أفئدة كل من ينظر إليها، وتفيض بهالةٍ سرمدية من الدمار المحض.

ارتجفت تلك العين المنتصبة، فاندلع منها شعاعٌ ذهبيٌّ كثيف، غمر الجبابرة القابعين في الأسفل على الفور.

كان ذلك الشعاع الذهبي من السرعة بحيث عجز "هيراج" عن إدراك كنهه أو الاستجابة له، فتاهت بصيرته في غياهب الحيرة.

وحين استرد وعيه، وجد الفضاء أمامه قاعاً صفصفاً، فقد تلاشى العمالقة جميعاً دونما أثر.

أدرك "هيراج" حينها أن أولئك الجبابرة قد أُبيدوا عن بكرة أبيهم بذلك الشعاع الذهبي، ومُحي أثرهم من الوجود تماماً.

"مَنِ الذي يجرؤ على تعكير صفو عالم النجوم؟"

تردد صدى صوتٍ جهوريٍّ قادمٍ من سحيق المسافات، مجلجلاً في جنبات المجرة برمتها.

رمق "هيراج" مصدر الصوت، فاستبان له كائنٌ ضخمٌ شفاف يشبه "القنطور" ينبعث منه وهجٌ أزرق، ويقبض على قوسٍ طويلة شفافة تتلألأ بضياءٍ سماوي.

استشعر "هيراج" هالةً مهيبةً وعظيمةً تضرب بجذورها في القدم، تنضح من روح قنطور النجوم هذا.

"إنها روحٌ نجمية من رتبة الأسلاف..."

أدرك "هيراج" توّاً أن هذه هي الروح النجمية من رتبة الأسلاف التي تحرس هذه المجرة.

ارتسم الغضب على محيا روح قنطور النجوم، مصوباً نظره شطر السلف ذي الألف عين، وملك الهياكل العظمية، وملكة العناكب، ضارباً بـ "هيراج" عرض الحائط.

كما أبصر جيش الشياطين يقترب من الخلف، لكنه أشاح عنهم بوجهه غير آبهٍ بهم.

أجال روح قنطور النجوم بصره في أطلال الدمار المحيطة: كواكب مهشمة، وحطامٌ يسبح في الفراغ بلا هدى.

فجذبت قوى الثقالة بعض ذلك الحطام صوب الكواكب المجاورة، مُشكلةً أحزمةً من الركام تشبه الحلقات النجمية، ناتجةً عن الأجرام الكوكبية التي استُحيلت هباءً.

انتشرت أشلاءٌ لا تُعد من أرواح النجوم والجبابرة في الأرجاء، وكلهم سقطوا ضحايا لتبعات المناوشة الصاعقة السابقة.

استشاطت روح قنطور النجوم غضباً لمشهد هذه الفاجعة؛ فقد ظلت تذود عن هذا الحمى لدهورٍ مديدة، ولم تشهد نكبةً كهذه قط.

كفّ عن الوعيد، ورفع قوسه الطويلة بكلتا يديه، ثم جذب وترها بقوةٍ جبارة، ليتشكل سهمٌ ضوئيٌّ أزرقٌ مستطير، ثم أطلق الوتر ليمضي السهم الضوئي مندفعاً نحو المنطقة التي يقبع فيها السلف ذو الألف عين وصحبُه.

انطلق ذلك السهم الضوئي الأزرق بزخمٍ ينذر بالقيامة، كأنما يعتزم سحق السلف ذي الألف عين ومن معه، بل ومحو هذا العالم بأسره.

بدا السلف ذو الألف عين رابط الجأش، لم يتزحزح من مكانه قيد شعرة.

فغَرَ ملك الهياكل العظمية فاهُ ثم أطبقه كمن يقهقه ساخراً.

مدّ يده، فانتزع درعاً عظمياً من ظهره وألقى به إلى الأمام.

اتسع الدرع العظمي على الفور وتعاظم حجمه حتى غطى نصف مجرةٍ في طرفة عين.

وفي تلك اللحظة، وصل سهم الضياء الأزرق وارتطم بالدرع العظمي.

بوم!

رغم انعدام الصوت في الفراغ، إلا أن "هيراج" سمعه بوضوحٍ تام، وكأنه يشهد لحظة نشأة الكون نفسه.

ارتعد الدرع العظمي بأكمله تحت وطأة الاصطدام.

وأطلق ذلك الارتطام بالدرع سيلاً عارماً من الطاقة؛ ولولا امتصاص الدرع العظمي لتلك القوة الهوجاء، لاستُحيل كل ما خلفه حطاماً، وابتلعه العدم.

حين رأى روح قنطور النجوم سهمه الأول قد رُدّ، لم يثنه ذلك، بل أخذ يشرع قوسه المرة تلو الأخرى، ويطلق وابلاً من السهام اللاهبة، يحركه غيظٌ حانق وعزمٌ على دكّ ذلك الدرع العظمي الذي يبدو منيعاً.

اصطكت عظام ملك الهياكل العظمية مجدداً وكأنه يضحك، والتفت إلى السلف ذي الألف عين كأنه ينقل إليه أمراً أو يتفق معه على غاية.

ثم تقدّم ملك الهياكل العظمية، وتضخم حجمه بسرعةٍ مهولة، حتى بزّ الجبابرة ضخامةً في برهةٍ من الزمن.

وبالمقارنة مع قامته الآن، بدا الجبابرة كالفئران بجانب الفيل.

مدّ ملك الهياكل العظمية يده، وقبض على درع العظام بصلابة.

وتحت وابل الهجمات المتواصلة من روح قنطور النجوم، غدا الدرع العظمي راسياً كالجبال، دون أدنى ارتجاف.

قبض ملك الهياكل العظمية على الدرع بيدٍ واحدة، ورفع الأخرى مستحضراً نصلًا عظمياً مهولاً.

أحكم قبضته على السيف الطويل، واثنى ركبتيه قليلاً، ثم وثب وثبةً عاتيةً وانطلق صوب روح قنطور النجوم، هاوياً بسيف العظام مباشرةً نحو رأسه.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط