الفصل 682: بئر عالم النجوم
اتسم "ملك العظام" عادةً بشيء من التراخي والبطء، غير أنه على نحو مباغت أظهر خفةً استثنائية في هذه اللحظة، لدرجة أن "هيراغ" لم يستطع رصد حركاته بوضوح على الإطلاق.
وحينما استعاد بصره القدرة على التمييز، كان نصل "ملك العظام" الطويل قد شارف بالفعل على ملامسة "روح كوكبة الفرس".
وقبيل أن يهوي النصل العريض على قمة رأس "روح كوكبة الفرس"، كانت الأبعاد المحيطة قد تصدعت بأسرهـا، مخلفةً شقوقاً تحاكي نسيج العنكبوت، حيث تحطم الفراغ وانهارت بعض القوانين الحاكمة في هذا الموضع.
بدت تلك الضربة وكأنها تمزق نسيج عالم النجوم بأسره وتشطره إلى نصفين.
كان من الجلي أن "ملك العظام" لم يدخر ذرةً من قوته ولم يلجم جماح باسه، فبما أن هذا البُعد لم يكن عالمه الخاص، فقد أطلق العنان لهجماته بكل ما أوتي من طاقة تدميرية.
وبغض النظر عن مآلات هذه الملحمة، فإن صدوع الفراغ التي ستخلفها هذه المعركة ستظل أمراً مؤرقاً ومزعجاً على أية حال.
ومع ذلك، بالنسبة لكيانات عالم النجوم، فلا ينبغي أن يمثل هذا معضلةً كبرى؛ إذ إن ترميم صدوع الزمكان يُعدُّ أمراً يسيراً للغاية بالنسبة لهم.
ضاقت عينا "روح كوكبة الفرس"، في حين تجمعت ذرات زرقاء من النور أمام ناظريه، وسرعان ما تكاتفت لتشكل حجاباً أزرق صقيل الصنع لصد ذلك النصل العظيم.
وعندما ارتطم النصل العظمي بالحجاب الأزرق، ولّد على الفور اضطرابات طاقية عاتية، تلاطمت أمواجها في الأنحاء.
انتشرت تلك التموجات الطاقية نحو الخارج، دافعةً الرفات الكوني السابح والمحيط بالأجرام السماوية إلى مسافات سحيقة.
وبينما كانت "روح كوكبة الفرس" تستحضر الحجاب الأزرق لدرء هجوم "ملك العظام"، تكثف مزراق أزرق خلف ظهره، وما إن اكتمل تكوينه حتى انطلق كالسهم المسدد نحو "ملك العظام".
تلقف "ملك العظام" درعاً بيده اليسرى، وصد الرمح المندفع بسرعة خاطفة.
كان كلاهما من رتبة "الأسلاف"، وبدا أنهما متكافئان في القوة إلى حد بعيد.
وفي مثل هذا المستوى من الصراع، لا يمكن إحراز نتائج حاسمة في أمد وجيز، إذ قد يُقاس أمد المعركة بالسنوات الطوال.
ولم يكن غرض "ملك العظام" بطبيعة الحال إزهاق روح "روح كوكبة الفرس"، إذ لم يتوقعوا القضاء على روح نجمية من الرتبة السلفية بهذه السهولة، بل كان الهدف المحض هو عرقلته وتأخيره.
وفي الغضون، كان جيش الشياطين المنحدر من رتبة "الهاوية" قد وصل بالفعل، مندفعاً صوب كوكب عملاق يلوح في الأفق، حيث يقبع "بئر عالم النجوم".
كان هذا البئر يمد الأرواح النجمية والجبابرة المحيطين به بالطاقة الحيوية، كما أن الكيانات النجمية التي لا تزال في طور التخليق والتكوين تستمد طاقتها من هذا المنهل.
ولم يكن ثمة انتقال مباشر للطاقة عبر وسائط، بل كان يكفي تواجدهم على مقربة من "بئر عالم النجوم" ليستقوا منه القوة والمدد.
وعقب هجوم فيالق الشياطين، أعلن الجبابرة والأرواح النجمية المولجون بحماية الكوكب عن وجودهم، والتحموا في قتال ضارٍ وجهاً لوجه مع جيوش الشياطين.
وتحولت تخوم الكوكب في غضون لحظات إلى ساحة وغى مستعرة، حيث سقطت أعداد لا تُحصى من الشياطين، جنباً إلى جنب مع صرعى الأرواح النجمية والجبابرة.
وتسلل العديد من الشياطين بالفعل إلى سطح الكوكب، وشرعوا في شن مذابح مروعة وإحداث دمار واسع النطاق.
ومن جانب آخر، اقتربت "ملكة العنكبوت" و"السلف ذو الألف عين" من ساحة المعركة الدائرة بين "روح كوكبة الفرس" و"ملك العظام"، وبدا أنهما يشرعان في إلقاء طقوس سحرية مشتركة.
استحضرت "ملكة العنكبوت" جرماً أرجوانياً بين كفيها، وهو ابتكار سحري صاغته هي و"السلف ذو الألف عين" معاً، ولم يدرك "هيراغ" كنه الغرض منه في البداية.
لكن بالنظر إلى حدة تركيزهما، بدا أن هذا الجرم قد أُعد خصيصاً للنيل من "روح كوكبة الفرس".
وبعد أن انطلق الجرم الأرجواني في الفضاء، اتجه مباشرة صوب "روح كوكبة الفرس"، حيث استمر "السلف ذو الألف عين" و"ملكة العنكبوت" في ضخ الطاقة داخل الكرة من خلفها.
وبينما كان الجرم يشق طريقه، استمر في التضخم والاتساع، فاستحال من حجم راحة اليد ليضاهي كوكيباً صغيراً.
وخلال اشتباكه مع "ملك العظام"، رصدت "روح كوكبة الفرس" تلك التحركات المريبة خلفه.
لم يكن يدرك ماهية ذلك الجرم الأرجواني، لكن حدسه أنبأه بوجوب تجنب ملامسته بأي ثمن.
ومع ذلك، تعمد "ملك العظام" أثناء النزال استدراج "روح كوكبة الفرس" ودفعها نحو مسار الجرم الأرجواني.
ورغم محاولات "روح كوكبة الفرس" الحثيثة للابتعاد، إلا أن "ملك العظام" رفع فجأة من نسق هجماته، ولم يمنحه أي فرصة أو ثغرة لالتقاط أنفاسه أو المناورة.
علاوة على ذلك، كان الجرم الأرجواني تحت السيطرة المطلقة لـ "السلف ذي الألف عين" و"ملكة العنكبوت"، اللذين وجهاه ببراعة ليمثل أمام "روح كوكبة الفرس" مباغتة، ثم تغلغل الجرم متجاوزاً الحجاب الدفاعي الأزرق المحيط به وابتلعه بالكامل.
وبعد أن احتوى الجرم الأرجواني "روح كوكبة الفرس" بداخله، استقر في مكانه، وأخذ يتلوى ويتغير شكله باستمرار كأنه منطاد يوشك على الانفجار في أية لحظة.
كان من الواضح أن "روح كوكبة الفرس" قد وقعت في الشرك داخل الجرم، وهي تحاول جاهدة ضرب جدرانه للتحرر من قيوده.
"هذا السجن لن يكبح جماحه طويلاً، علينا أن نحث الخطى"، قالت "ملكة العنكبوت" وهي ترمق الجرم المضطرب بنظرة ثقيلة ونبرة يملؤها القلق.
كان من الجلي أن قوة "روح كوكبة الفرس" قد فاقت توقعاتها، وأن الوسائل التي خُطط لها سلفاً قد لا تصمد طويلاً، فاعتقال روح من رتبة الأسلاف لم يكن يوماً بالأمر اليسير.
وبالنسبة لـ "ملكة العنكبوت"، ظل هذا الأمر يمثل عبئاً ثقيلاً على كاهلها.
تولى "ملك العظام" مهمة الحراسة في ذلك الموضع، متأهباً للتدخل فوراً في حال استطاعت "روح كوكبة الفرس" الخلاص، بينما اصطحبت "ملكة العنكبوت" و"السلف ذو الألف عين" "هيراغ" نحو سطح الكوكب.
وفي ذلك الحين، استعرت المعارك حول الكوكب دون هوادة، وامتد أتون الحرب ليشمل سطحه بأسره.
تمثلت مهمة الشياطين، إلى جانب القتل والتبديد، في تقصي الموضع الدقيق لـ "بئر عالم النجوم".
فلم تفلح عمليات الاستطلاع الأولية إلا في تأكيد وجود البئر على هذا الكوكب، دون تحديد إحداثياته بدقة.
شرع "السلف ذو الألف عين" و"ملكة العنكبوت" في عملية بحث مضنية، حيث قاما بمسح تضاريس الكوكب على نطاق واسع.
ولم ترد أي أنباء من فيالق الشياطين حتى تلك اللحظة، مما يشير إلى إخفاقهم في العثور عليه بعد.
حلقت "ملكة العنكبوت" و"السلف ذو الألف عين" وبرفقتهما "هيراغ" حول الكوكب العملاق مراراً وتكراراً، واجتاحوا بسرعة منطقة تلو الأخرى على سطحه.
وبعد مضي نصف يوم، توقفت "ملكة العنكبوت" فجأة فوق مسطح مائي شاسع، وأمالت رأسها تتفرس في الأعماق، ثم قالت بعد برهة: "لقد وجدته، ها هو ذا".
أدار "السلف ذو الألف عين" مقلته السوداء الضخمة، ونظر نحو الأسفل، ثم أومأ برأسه مؤكداً: "بالفعل، لقد عثرنا عليه".
نظر "هيراغ" نحو الأسفل لكنه لم يبصر شيئاً، ولم يستشعر أي أثر غير مألوف.
كما أن عمليات الكشف البيئي التي أجراها نظامه "شينلان" لم ترصد أي منبع طاقي شاذ في الجوار، فتعجب من كيفية اكتشاف هذين السلفين للموقع.
هبط الثلاثة بعد ذلك نحو باطن الغلاف الجوي للكوكب، حتى استقروا فوق منطقة بحرية.
سكنت الرياح هنا تماماً، وبدت الأجواء المحيطة هادئة ونقية إلى حد مريب، حيث لم تلوح في الأفق ولو جزيرة واحدة.
قطب "هيراغ" حاجبيه، مستشعراً غرابة المكان، إذ بدت تلك المنطقة البحرية في الأسفل وكأنها بحر ميت، خاوٍ تماماً من أي مظهر من مظاهر الحياة.
عادة ما تضج المناطق البحرية بالنظم البيئية الواسعة والحافلة بمختلف الكائنات.
بيد أن تلك المنطقة البحرية لم تحوِ صدفةً ولا عشبًا بحريًا، بل كانت مجرد قفر مائي ممتد.
سألت "ملكة العنكبوت" بشيء من الحيرة وهي تتلفت حولها: "أين هو تحديداً؟".
لقد استشعرت بوضوح أن نفحات "النهر الأم" تنبعث من هنا، لكنها بعد وصولها عجزت عن تحديد الموضع بدقة.
برقت عينا "السلف ذي الألف عين" بضياء ساطع، وقال بلهجة واثقة: "لا داعي لمزيد من البحث، فقد وصلنا بالفعل".
"وصلنا بالفعل؟ ماذا تعني؟"، تطلعت "ملكة العنكبوت" فيما حولها، قبل أن تدرك الحقيقة المذهلة فجأة.
كانت تلك المنطقة البحرية الشاسعة الممتدة تحتهم هي ذاتها "بئر عالم النجوم"؛ إذ إن البحر بأكمله لم يكن سوى تجسيد لهذا البئر العظيم.
ولم يكن من الغريب ألا تستطيع "ملكة العنكبوت" تحديد موقع معين، فقد كانوا في حقيقة الأمر يسبحون فوقه مباشرة.