الفصل 680: دم الجبار
بَدَا كوكباً مقفراً عارياً من الحياة، لا أثر فيه لنباتٍ أو حيوان.
وفور وصول طليعة "عالم الهاوية" إلى هذا الكوكب الصغير المجهول، شرعوا في تشييد "بوابة العظام" تيسيراً لنقل القوات الرئيسية من غياهب الهاوية.
خيّم الصمت على كل بقعة، صمتٌ يضجُّ بالسكون الأبدي للكون.
وفي الخارج، كانت جحافل الغزو القادمة من الهاوية ترتقب في هدوء، وقد انتشرت فوق أديم ذلك الكوكب القاحل.
وبما أن الكوكب كان ضئيلاً في الأصل، فقد غصّ بالشياطين الوافدة من الهاوية حتى ضاق بها ذرعاً.
لزمت الشياطينُ السكونَ التام؛ لا انضباطاً وامتثالاً، بل رهبةً من وجود كياناتٍ مرعبة كـ "السلف ذي الأعين الألف"، الذي غرس في نفوسهم مهابةً منعتهم من أي حركة طائشة.
وما إن اكتمل الحشد، حتى حلق "الجد ذو الأعين الألف" في الأعالي، هامساً بكلمة واحدة: "انطلقوا".
حينها بدأت فيالق الشياطين تحركها صوب النظام النجمي المنشود.
وتعددت الوسائط التي تُقلُّ تلك الشياطين: فمنها سفنٌ عظمية تندفع بسرعة خاطفة فتتلاشى عن الأنظار، وأخرى تمتطي نوعاً من الشياطين ثمانية الأرجل، تضاهي في ضخامتها مدناً متنقلة.
ورغم أحجامها الهائلة، لم تكن بطيئة الحركة، بل كانت تسبح في الفراغ الكوني، وكأنها سُخِّرت خصيصاً لنقل الشياطين.
انطلق الحشد العرمرم، لكنك لو نظرت للصورة الأشمل، لوجدت صعوبة في رصدهم؛ فالكون شاسع المدى، وهذه المجموعة من غزاة الهاوية لا تزن ذرة غبار في ملكوتٍ لا يحفل بهم.
كان "هيراغ" يتقدم الطليعة إلى جانب "الجد ذي الأعين الألف" ورفاقه، منطلقين بأقصى سرعة ممكنة.
كانت وتيرة حركتهم من السرعة بحيث تبدو النجوم كأنها تنزلق من أمامهم، يلفها صمتٌ جنائزي مقفر خالٍ من مظاهر الحياة.
"هذا هو الكوكب الذي يحضن جباراً"، توقف "الجد ذو الأعين الألف" أمام جرمٍ سماوي ضخم معرّفاً به.
كان كوكباً صخرياً بامتياز، تكسو سطحه طبقات صلدة للغاية، لا توحي بوجود أي شكل من أشكال الحياة المتطورة في أحشائه.
اقترب "هيراغ"، فترددت في مسامعه دقات قلب خافتة.
وعندما شحذ إدراكه وضاعفه، استبان له بوضوح وجيب القلب المنبعث من أعماق الكوكب.
كان نبضاً قوياً منتظماً، استشف من خلاله "هيراغ" طاقة حياةٍ جبارة.
لم تكن ثمة حراسة على الكوكب؛ فمن طبيعة "عالم النجوم" أن كواكب "الجبابرة" تترك دون حماية، وحتى "الأرواح النجمية" لا تخضع إلا لمراقبة انتقائية من قِبل حُراسٍ معدودين.
نادراً ما يتعرض عالم النجوم للغزو، ولعلهم لم يتصوروا قط أن يجترئ أحدٌ على غزوهم، لافتقارهم التام للخبرة في هذا الميدان.
فداخل عالم النجوم نفسه، لا يجرؤ أحد على إيذاء "الجبابرة" أو "الأرواح النجمية" في طور التكوين؛ إذ يعدُّ ذلك الميثاق الأخلاقي الأكثر جوهرية في عالم النجوم.
وبناءً عليه، لم يكونوا مستعدين لمثل هذا السيناريو؛ فمعظم "الجبابرة" و"الأرواح النجمية" الناشئة مبعثرة في أرجاء عالم النجوم بانتظار يوم بزوغها.
كانت الأرواح النجمية في الأنظمة المجاورة توثق وجود "الجبابرة" والأرواح النامية في الجوار وتتفقد أحوالها دورياً، دون أن يدور بخلدها أن يوم الغزو آتٍ لا محالة.
وفوق ذلك، فإن النيل من هؤلاء العمالقة ليس بالهين؛ فهم يقطنون غياهب الكواكب، وبأحجامهم المهولة، لا تجدي معهم الأساليب التقليدية نفعاً.
لم ينوِ "الجد ذو الأعين الألف" وصحبُه إلحاق الضرر بالجبار الناشئ؛ فليس ذلك مأربهم، كما لا رغبة لديهم في استنفار "الأرواح النجمية" في النظام قبل أوان المعركة.
حام "هيراغ" في فضاء الكوكب، وتسلل إلى ذهنه تساؤلٌ عما إذا كان بوسعه استيعاب قوة سلالة "الجبار".
ثم التفت وسأل: "أعتزم استخلاص شيءٍ من دمه، فهل في ذلك بأس؟".
وبحكمته المعهودة، لم يندفع "هيراغ" بتهور، بل استفتى "الجد ذو الأعين الألف" أولاً.
أجابه "الجد ذو الأعين الألف": "لا ضير في قدرٍ يسير من الدم، شريطة ألا تُحدث جلبة".
ولم يستفسر حتى عما يبتغيه "هيراغ" من ذلك الدم.
أومأ "هيراغ" برأسه، وبسط كفه، مسخراً صخور الكوكب لتشكيل نفقٍ دقيقٍ للغاية نفذ عبر القشرة الأرضية وصولاً إلى الأعماق السحيقة.
وسرعان ما لاح في إدراكه مخلوقٌ بشري الهيئة، مهول الحجم، غارقٌ في سباتٍ عميق.
صاغ "هيراغ" من الصخور إبرةً متناهية الدقة، ليوخز بها سطح الجبار المتنامي برفق.
وبصوتٍ خافت، تكسر السنُّ الصخري عند الملامسة، عاجزاً عن الاختراق.
لقد تجاوزت صلابة جلد "الجبار" كل توقعات "هيراغ"، إذ لم يظن أن جباراً في طور التكوين سيمتلك جسداً بهذا العناد.
وإذ لم يجد بُداً، لجأ "هيراغ" إلى "قوة الحكم"، وبعد بذل جهدٍ جهيد نجح في إحداث ثقبٍ مجهري في سطح "الجبار"، استل منه قطراتٍ من دمٍ ذهبي.
التأم الثقب الصغير على الفور تقريباً، ولولا سرعة بديهة "هيراغ" لاضطر لإعادة الكرة.
أودع "هيراغ" الدم الذهبي الذي حصل عليه في حيزٍ مكاني صغير، ليعمد لاحقاً إلى محاولة امتصاصه بالاستعانة بتقنية "السماء المظلمة العظيمة".
وبما أن جسد "الجبار" هائلٌ لدرجة الخيال، فإن ذلك الثقب الضئيل لا يُذكر بالنسبة له، بل لم يشعر بشيءٍ قط، مما جنبهم أي جلبةٍ تذكر.
وبعد أن شهد "الجد ذو الأعين الألف" والآخرون انتهاء "هيراغ" من مهمته، واصلوا رحلتهم.
تنتشر في الأفق المستقرّات الرئيسية للعمالقة والأرواح النجمية في هذا النظام النجمي، وهي موزعة على كواكب شتى.
وقبل أن يطأ أرضهم، استشعر "هيراغ" بواعث الحياة القادمة من ذلك الاتجاه؛ وهو إحساسٌ غريزي انبثق من ماهية "الطاعون المدمر".
وعند بلوغهم مسافةً معينة، كبح "الجد ذو الأعين الألف" وصحبُه لجام مسيرهم، شاخصين بأبصارهم نحو الكواكب العديدة الممتدة أمامهم، بانتظار فيالق الشياطين الزاحفة من خلفهم.
وما هي إلا برهة حتى بَدَت جحافل الشياطين للعيان.
وعندما رأى "الجد ذو الأعين الألف" أن اللحظة الحاسمة قد حانت، قال: "فعلوا".
ارتفع في الفضاء، وتكثفت من عينٍ سوداء عملاقة حزمةٌ من "شعاع الموت الأسود"، لتمزق كوكباً في الأمام في طرفة عين.
وفي التوِّ، تصدع الكوكب وانفجر شذر مذر، متحولاً إلى شظايا لا حصر لها قُذفت في الخواء الكوني السحيق، فارتطمت بالكواكب المجاورة محدثةً دماراً مستطيراً.
وفضلاً عن ذلك، فبعد أن تصيبها أشعة الموت السوداء، تنبعث موجاتٌ من الطاقة نحو الخارج.
تحمل هذه الموجات طاقةً مرعبة للغاية، مما أدى إلى حصد أرواحٍ لا تُعد ولا تُحصى من أشكال الحياة القريبة.
لم يملك "هيراغ" إلا أن يضرب كفاً بكف دهشةً؛ فهذا المشهد يفوق كل ما أبصره في شظايا الرؤى المستقبلية.
لقد سبق له أن عاين "السلف ذا الأعين الألف" وهو يستخدم هذه الحركة في رؤيا سابقة، لكنها حينئذٍ لم تزد على شطر "قارة كالا" إلى نصفين، أما الآن، فقد دمرت كوكباً بأسره.
بيد أن ما رآه آنذاك لم يكن سوى طيفٍ من "السلف ذي الأعين الألف"، ومن الطبيعي أن تتقاصر قوته أمام جبروت الكيان الحقيقي.