الفصل 679: الأرواح النجمية والجبابرة
يهيمنُ على رقعةِ عالمِ النجومِ كائناتٌ تُدعى بالأرواحِ النجميةِ؛ وهي كائناتٌ عتيدةٌ، ضاربةٌ في القدمِ، تنعمُ بأعمارٍ سرمديةٍ ومعارفَ لا يدركُ كنهَها أحد.
وتتمتعُ هذه الأرواحُ النجميةُ بقوىً فرديةٍ متباينة، وقد شيّدت لنفسِها هياكلَ اجتماعيةً مستقرة، مُحققةً درجاتٍ رفيعةً من التطورِ الحضاري. لقد تغلغلت حضارةُ الأرواحِ النجميةِ في كلِّ ركنٍ من أركانِ عالمِ النجوم، حتى غدت حضارةً ناضجةً وطيدةَ الأركان.
وعادةً ما تُعاملُ منظومةُ النظامِ النجميِّ ككتلةٍ واحدة، حيثُ يُنظرُ إلى الأرواحِ النجميةِ القاطنةِ فيها كما لو كانوا سكانَ مدينةٍ واحدة.
أما الجبابرةُ، فخلقُهم يباينُ الأرواحَ النجميةَ وإن تقاربت هيئاتُهم، إذ يتبدَّون في صورٍ آدميةٍ ذاتِ بنيةٍ عملاقةٍ شاهقة. وهم يمتلكون قوةً غاشمةً منذ مهدِهم، إذ يُولدون بفطرةٍ أسطوريةٍ تضعُهم في المرتبةِ السابعة.
بيدَ أنَّ قوةَ معظمِ هؤلاءِ العمالقةِ تقفُ عند هذا الحدِّ؛ فلا ينالُ رتبةَ "السيادةِ الثامنة" إلا نزرٌ يسيرٌ ممن حظوا بموهبةٍ فذة، بينما ينعدمُ وجودُ الجبابرةِ في "المرتبةِ السحيقة" تقريباً.
ويعزى السببُ الجوهريُّ في إمكانيةِ ولادةِ هؤلاءِ الجبابرةِ إلى وجودِ "ينبوعِ عالمِ النجوم". فخلالَ فترةِ نموِّهم فوقَ الكواكب، يمدُّهم الينبوعُ بالطاقةِ دونَ انقطاع، مانحاً إياهم قدرةً فطريةً على التواصلِ المباشرِ مع "النهرِ الأم"، مما يتيحُ لهم استقاءَ القوةِ منه لتعزيزِ ذواتِهم.
ولهذا السببِ يُولدُ الجبابرةُ كأساطيرَ من المرتبةِ السابعة، بل ويمكنُهم التواصلُ مع "النهرِ الأم" حتى قبلَ أن يخرجوا إلى الوجود.
وتمتلكُ الغالبيةُ العظمى من الجبابرةِ أنظمةً كوكبيةً لحظةَ ولادتِها، فأجسادُهم الضخمةُ تحوي في ثناياها أنظمةً بيئيةً متكاملة، تعجُّ بصنوفِ الكائناتِ الحيةِ التي تتخذُ من أبدانِهم موطناً لها.
وعلى الرغمِ من ذلك، يحظى الجبابرةُ بمكانةٍ دنيئةٍ نسبياً في عالمِ النجوم، فهم أدنى منزلةً بكثيرٍ من الأرواحِ النجمية. ومع أنَّ قوتَهم عند الولادةِ تفوقُ قوةَ معظمِ الأرواحِ النجمية، إلا أنَّ آفاقَ تطورِهم ليست بالعظيمة. وعلاوةً على ذلك، فإنَّ الأرواحَ النجميةَ هي التي تمسكُ بزمامِ السيطرةِ على عالمِ النجومِ حالياً، مما جعلَ شأنَ الفريقين شتّان.
وفي هذه المرة، رصدَ عالمُ الهاويةِ جباراً في طورِ التكوينِ داخلَ أحدِ الكواكب، ويبدو أنه لا يزالُ في مراحلِ نموِّه الأولى، وأمامَه أمدٌ طويلٌ قبلَ مخاضِ الولادة. ويقعُ "ينبوعُ عالمِ النجومِ" الذي يمدُّ هذا الكوكبَ بالطاقةِ ضمنَ نظامٍ نجميٍّ غيرِ بعيد.
وإنَّ الغايةَ المنشودةَ من هذه المهمةِ التي تضطلعُ بها سفينةُ الهاوية هي التوجهُ صوبَ ذلكَ النظامِ النجميِّ والاستيلاءُ على الينبوع. وقد رسموا بالفعلِ خارطةً لتوزيعِ القوى هناك، حيثُ لا يوجدُ سوى روحٍ نجميةٍ واحدةٍ من "المرتبةِ السحيقة"، بينما يرزحُ البقيةُ في المرتبتين السابعةِ أو الثامنة.
وقد أوفدت مملكةُ الهاويةِ ثلاثةَ كائناتٍ من "الرتبةِ السحيقة" لإنجازِ هذه المهمة، مما يجعلُ الاستيلاءَ على الينبوعِ أمراً ميسوراً من الناحيةِ النظرية. وهم لا ينتوون الفتكَ بسلفِ الأرواحِ النجميةِ مباشرةً، بل إنَّ مأربَهم هو اقتلاعُ ينبوعِ عالمِ النجومِ والمغادرةُ على الفورِ دونَ إبطاء.
ويقعُ النظامُ النجميُّ المستهدفُ على أطرافِ حشدٍ نجميٍّ هائل، وهو ما يشبهُ المناطقَ الريفيةَ النائيةَ بمقاييسِ البشر، ولذا فإنَّ القوةَ الحمائيةَ المرابطةَ هناك ليست بالمنعةِ الكبيرة.
وبعدَ أن أصاخَ "هيراج" السمعَ لمداولاتِ "الجدِّ ذي الأعينِ الألف" ورفيقيه، تشكَّلَ لديهِ إدراكٌ شاملٌ للموقف. فكلُّ ما عليهِ فعلهُ هذه المرة هو مرافقةُ الثلاثة، وامتصاصُ جزءٍ من قوةِ "النهرِ الأم" من ينبوعِ عالمِ النجومِ فورَ الوصول.
وبما أنَّ الأسلافَ الثلاثةَ يخوضون غمارَ تجربةِ الاستيلاءِ على الينبوعِ للمرةِ الأولى، فإنَّ نجاحَهم ليسَ مضموناً بَعْد، وعليهم خوضُ التجربةِ لاستبيانِ الأمر. بل إنهم يجهلون الكيفيةَ التي سيتمُّ بها فصلُ الينبوع، ويتعينُ عليهم الدنوُّ منه أولاً لابتكارِ وسيلةٍ ناجعة.
قد تؤولُ هذه المهمةُ إلى الإخفاق، فهم يقدمون عليها على سبيلِ الاختبار. لكنَّ الأمرَ يختلفُ بالنسبةِ لـ "هيراج"، فهو لا يحتاجُ سوى إلى الاقترابِ من الينبوع؛ إذ إنَّ غايتَه تقتصرُ على استخلاصِ قوةِ "النهرِ الأم" الكامنةِ في جوفِه، وليسَ حيازةَ الينبوعِ بأكمله.
وعقبَ انتهاءِ مشاوراتِهم، أهبّوا أنفسَهم للانطلاقِ رسمياً. وكانَ الممرُّ الفراغيُّ الذي شيده "السلفُ ذو الأعينِ الألف" ورفقاؤه يقعُ في أرضٍ قفراءَ على مقربةٍ من كهفِ الحممِ البركانية.
وعندما بلغَ "هيراج" المكان، تراءت له بوابةٌ ضوئيةٌ مهولةٌ شُيِّدت من عظامِ وحوشٍ شتى كُدِّست فوقَ بعضِها. وكانَ يقبعُ داخلَ ذلك القوسِ العظميِّ ستارٌ ضوئيٌّ يتلألأُ بخضرةٍ باهرة.
وفي تلكَ الأثناء، كانت جحافلُ الشياطينِ تهرعُ للداخل، وتتلاشى وسطَ ذلكَ الستارِ الأخضر. وكانَ لكلِّ شيطانٍ من هؤلاءِ مأربٌ ومهمة، وبالمعنى الدقيقِ للكلمة، لم يكونوا سوى "قرابينَ حربٍ" أو طعوماً، والهدفُ من زجِّهم هو إثارةُ الفوضى في أرجاءَ متفرقةٍ من النظامِ النجميِّ المستهدفِ لتشتيتِ الأنظار.
أما قضيةُ عودتِهم من عدمِها، فالمرجحُ أنهم لن يطؤوا أرضَ موطنِهم ثانيةً؛ إذ إنَّ الخطةَ التي أحكمَها "الجدُّ ذو الأعينِ الألف" ومن معهُ لم تكن تضعُ في الحسبانِ استعادةَ هؤلاءِ الشياطين. وسواءٌ كُتبَ للمهمةِ النجاحُ أم البوار، وسواءٌ نجا هؤلاءِ الشياطينُ أم هلكوا، فإنَّ مصيرَهم هو البقاءُ في غياهبِ عالمِ النجومِ إلى الأبد.
فبالنسبةِ لعالمِ الهاوية، كانَ مِلاكُ هذه المهمةِ هو "خطفُ البرق"؛ أي العملُ بسرعةٍ خاطفةٍ لا تحتملُ التواني. ورغمَ بأسِهم الشديد، لم تكن لديهم رغبةٌ في خوضِ صدامٍ طاحنٍ ومباشرٍ مع عالمِ النجوم. فلو طالَ أمدُ المهمةِ قليلاً ووصلت الإمداداتُ من عالمِ النجوم، فقد يلقى الأسلافُ الثلاثةُ حتفَهم هناك، بما فيهم "الجدُّ ذو الأعينِ الألف".
لذا، وفي ظلِّ هذه الظروفِ الضاغطة، لم يكن هناكَ متسعٌ من الوقتِ لانتظارِ انسحابِ حشودِ الشياطينِ بؤدة. وبالنسبةِ للجدِّ وجماعتِه، لم تكن تلكَ الشياطينُ سوى أدواتٍ تُستعملُ لمرةٍ واحدةٍ ثم يُلقى بها.
باغتَ "هيراج" فجأةً شعورٌ طاغٍ بالألفةِ مع الموقف، وكأنه مشهدٌ عهدهُ من قبل؛ فبذاتِ الطريقةِ تمَّ التخلي عن المناطقِ الملوثةِ من "بُعدِ السراب" (Deja Vu) وعن الشياطينِ في أطلالِ مستنقعِ الموتِ هناك دونَ اكتراثٍ باستعادتِهم.
وبالنظرِ إلى الوراء، يبدو أنَّ التاريخَ يعيدُ نفسَه. بيدَ أنَّ ذلكَ "البُعدَ" كانَ أضعفَ حالاً، وعاجزاً عن استئصالِ شأفةِ الشياطينِ المتبقية، بل وتحولت المناطقُ التي احتلوها إلى أراضٍ موبوءةٍ بالمخاطر. أما في عالمِ النجوم، فالوضعُ مغايرٌ تماماً، ولم يخالج "هيراج" أدنى شكٍ في بأسِ الأرواحِ النجميةِ والجبابرةِ هناك؛ فإولئك الشياطينُ العالقون لن يجدوا ملاحاً ولا ملجأ، ومصيرُهم المحتومُ هو الفناء.
بيدَ أنَّ "هيراج" كانَ يمتلكُ خطةً بديلة؛ إذ إنَّ إحداثياتِ البُعدِ المنقوشةَ على يدهِ اليسرى تمنحهُ حريةَ الكرِّ والفرِّ. وحتى في أحلكِ الظروف، يمكنُ لـ "هيراج" استمدادُ الطاقةِ من إحداثياتِ المستوى للعودةِ سراعاً إلى موطنه.
كانت هذه الإحداثياتُ بمثابةِ تميمةٍ للنقلِ الفوريِّ، تُفعلُ عند اكتمالِ طاقتِها لتسمحَ بولوجِ مستوى الهاوية، وعند نفاذِها تعودُ به تلقائياً إلى هناك. فجوهرُ هذه الإحداثياتِ عبارةٌ عن تعويذةِ انتقالٍ ذاتِ وجهةٍ ثابتة، لا تقوى إلا على الارتحالِ صوبَ مستوى الهاويةِ أو الإيابِ إليه. وهكذا، حتى وهو في قلبِ عالمِ النجوم، كانَ بمقدورِ "هيراج" العودةُ إلى "الهاوية" عبرَ استخلاصِ الطاقة.
"لقد أزفت ساعتُنا." نطقَ الجدُّ ذو الأعينِ الألف بصوتٍ جهوريٍّ أمامَ رتاجِ العظام، وبجانبهِ تقفُ ملكةُ العنكبوتِ وملكُ الهياكلِ العظمية.
اقتفى "هيراج" أثرَهم عبرَ البوابةِ العظمية، فاستشعرَ تموجاتٍ فراغيةً مألوفةً تكتنفُه، بينما خيَّمَ الظلامُ على ناظريه. وعندما فتحَ "هيراج" عينيه مجدداً، وجدَ نفسَه واقفاً على أديمِ أرضٍ قاحلة، تعلوها سماءٌ مرصعةٌ بالنجوم.
بدا هذا الكوكبُ ضئيلاً جداً، فلم يكن جِرْمُه كبيراً، حتى إنَّ انحناءَ الأفقِ كانَ جلياً للعينِ المجردة. وعلى تلكَ الأرضِ اليابسة، لم يَنبُتْ نصلُ عشبٍ واحد، ومن خلفِه كانت تنتصبُ بوابةٌ عظميةٌ تماثلُ تلكَ التي عبرَ منها.