الفصل 678: الاستعدادات قبيل الحملة
لو أطلق "هيراج" العنان لكامل قدراته الكامنة الآن، لربما بلغت قوته ذروة كائنات المستوى السادس، بيد أن مشاركته في خضم المعارك المستعرة في "عالم النجوم" تظل أمراً بالغ المشقة عليه.
ففي نهاية المطاف، هذه العملية تجسد تكتل قوى ثلاثة من "الأسلاف الحقيقيين"، لذا فمن البديهي أن يبلغ مستوى القتال شأناً عالياً من الضراوة والتعقيد. أما "هيراج"، الذي لم يطأ عتبة "المستوى الأسطوري" بعد، فلا يسعه إلا أن يكون مرافقاً في ركابهم.
ولم تكن دعوة "الجد ذو الألف عين" لـ "هيراج" نابعة من توقع مشاركته الفعلية في النزال، بل كان يحدوه الأمل في أن ينمو الفتى سريعاً ليغدو ركيزة أساسية أخرى في "عالم الهاوية".
عقب ذلك، شرع الثلاثة من "الأسلاف ذوي الألف عين" في تداول تفاصيل الخطة اللاحقة باستفاضة، وهي مداولات انطوت على فيض من المعلومات السرية التي لم يُحجب أي منها عن مسامع "هيراج".
استمع "هيراج" بإمعان من جانبه، ولم يكد ينطق ببنت شفة، إذ لم يجد موضعاً يمكنه فيه الإدلاء بدلوه في أحاديثهم. ومن خلال مراقبته، لاحظ أن "عالم السهل" و"أرض الحدود" كانا يُذكران بين الفينة والأخرى في ثنايا حديثهم.
ويبدو أن "السلف ذو الألف عين" ورفاقه يجابهون معضلة جسيمة جراء انحصارهم في "أرض الحدود" و"المستوى الوجودي" المحيط بها، مما جعل "بُعد الهاوية" مكبلاً غير قادر على المغادرة أو غزو مستويات وجودية أخرى.
في الأصل، لو أرادوا شن هجوم على "عالم النجوم"، لكان بإمكانهم نقل "مستوى الهاوية" مباشرة ليكون على مقربة منه، مما ييسر عليهم الكثير من الصعاب، بيد أنهم الآن مضطرون لشق ممر فضائي عبر مسافات شاسعة، وهو أمر يكتنفه عناء شديد ويتطلب وقتاً وجهداً مضاعفاً لإتمامه.
ولاجتثاث هذه المشكلة من جذورها، كانت الطريقة الأكثر نفعاً هي إزالة ذلك "المستوى الوجودي" و"أرض الحدود" من طريقهم. فـ "عالم المجال" ليس سوى عالم متوسط الرتبة، وبالكاد يمكن اعتبار "أرض الحدود" عالماً رفيع المستوى.
وبمنطق الدقة، فإن "أرض الحدود" تُصنف أيضاً ضمن العوالم متوسطة المستوى، نظراً للافتقار الحاد في قوتها القتاليه من الفئات العليا، وهي أدنى بكثير من "مستوى الهاوية". وظاهرياً، يبدو أن سحق "أرض الحدود" وتصفية ذلك المستوى الوجودي أمراً هيناً على قوى الهاوية.
هذا ما ظنه "الجد ذو الألف عين" وصحبُه في بادئ الأمر، ولكن ما إن شرعوا في التنفيذ الفعلي، حتى اصطدموا بصعوبات جمة. فسحرة "أرض الحدود" يمتلكون جعبة ممتلئة بالحيل والدهاء، وهم قادرون دوماً على استشعار أدنى التحركات الصادرة من "عالم الهاوية" وإحباطها في مهدها.
ولا يزال "السلف ذو الألف عين" ورفاقه يعتمدون أساليب موغلة في القدم للنفاذ إلى العوالم الأخرى، تتركز على تقفي الإحداثيات الفضائية المستقرة، وتشييد ممر فضائي، ثم الشروع في الغزو. كان هذا هو النهج المتبع منذ عشرات آلاف السنين، وقد ألفوه حتى صار ديدنهم.
إلا أن هذا الأسلوب لم يجد نفعاً مع ذلك "المستوى الوجودي"؛ فحتى بعد إغواء بعض قاطنيه للحصول على إحداثيات مكانية مستقرة، ذهبت جهودهم سدى. فبينما يشرعون في بناء الممر الفضائي، يكون سحرة "أرض الحدود" له بالمرصاد، فيكتشفونه ويدمرونه.
تكرر هذا السيناريو مراراً، حتى استبد العجز بـ "الجد ذو الألف عين" ومن معه. وهذا هو السبب ذاته الذي دفع "فيجار" في البداية إلى اللجوء لطقوس الاستدعاء، ليقينه بأن تشييد ممر فضائي قد يكون ضرباً من المحال.
وقد تكهن "فيجار" حينها بأن "أرض الحدود" ربما تمتلك منظومة رقابة كونية شاملة تهيمن على ذلك المستوى، بحيث يُكشف أمر أي ممر فضائي فور الشروع في بنائه، ولذلك عقد العزم على سلوك مسلك مغاير عبر طقوس الاستدعاء.
وبطبيعة الحال، كان حدس "فيجار" مجانباً للصواب، إذ لا تمتلك "أرض الحدود" مثل تلك القدرات الخارقة، بل هي تعتمد فحسب على دوريات كشف ذات تردد عالٍ جداً للتحقق من أي بوادر لإنشاء ممرات فضائية، وهي وسيلة لا تخلو من الثغرات.
فعلى سبيل المثال، لولا تنبيه "هيراج" النشط لهم في المرة السابقة، لما فطنت "أرض الحدود" إلى بناء الممر الفضائي، ولتحقق ذلك المستقبل الذي عاينه "هيراج" في رؤياه ذات مرة.
وبما أن "الجد ذو الألف عين" ورفاقه لا يملكون حلاً ناجعاً في الوقت الراهن، فقد أرجأوا شؤون "عالم النجوم" مؤقتاً، بنية استغلال خيرات "عالم النجوم" أولاً، ثم التفرغ لاحقاً لابتكار وسيلة تحسم معضلة "أرض الحدود".
وقد شُيد الممر الفضائي الواصل من "مستوى الهاوية" إلى "عالم النجوم"، وأُرسلت طليعة من الشياطين المتمرسة في فنون التخفي والاستطلاع، ليتسللوا إلى "عالم النجوم" ويجمعوا فيضاً من المعلومات الاستخباراتية في خفاء تام.
وكان مأربهم الأساسي هو الوقوف على الحالة الراهنة لـ "عالم النجوم"، والتأكد من خلو محيط الممر الفضائي من أي أخطار محدقة. وبعد استيثاقهم من انتفاء المعوقات، وأن تحركاتهم لم تثر ريبة "أرواح النجوم" أو "العمالقة الجبارين" هناك، حينئذٍ فقط تأهب "السلف ذو الألف عين" والآخرون للغزو الرسمي.
وبما أن "عالم النجوم" يُعد عالماً من "الدرجة الفائقة"، فإن الأسلاف الثلاثة ليسوا بحاجة للنزول إليه عبر تقنيات "الإسقاط الروحي"، بل بوسعهم الولوج بأجسادهم الحقيقية. وبهذه الطريقة، تظل قوتهم ـ وإن نال منها القمع قليلاً ـ أقوى بمراحل لا تُحصى مما لو استخدموا الإسقاطات.
وتعتمد إستراتيجية "الجد ذو الألف عين" وصحبِه هذه المرة على التحرك في صمت، وتجنب الانخراط في صدامات واسعة النطاق أو مواجهات عالية المستوى قدر الإمكان. فغايتهم المنشودة هي "بئر عالم النجوم"، لا إعلان حرب ضروس شاملة، إذ كانت نواياهم الإستراتيجية واضحة ومحددة.
ونظراً لأن المعركة تُخاض بعيداً عن ديارهم، فإن قوتهم الإجمالية تتأثر لا محالة، لذا فهم لا يجسرون على خوض حرب شاملة مع "عالم النجوم". وقرر "مستوى الهاوية" هذه المرة عدم التحرك إلا بعد تحديد موقع الهدف بدقة متناهية.
لقد حصل "السلف ذو الألف عين" ورفاقه على معلومات دقيقة كشفت لهم موقع "بئر عالم النجوم"، فأعدوا العدة ووضعوا الخطط المحكمة الموجهة نحوه مباشرة.
إن "عالم النجوم"، بخلاف العوالم الكثيرة في "الكون اللانهائي"، يتميز بتركيبته الفريدة؛ فمعظم العوالم تضم كوكباً واحداً يمثل مهد الحضارة ومستقر الحياة، أما في "عالم النجوم"، فالأمر مختلف تماماً.
كانت الصعوبة الكبرى التي واجهت "عوالم الهاوية" سابقاً تكمن في استخلاص إحداثيات مكانية مستقرة، حيث يمتد أمامهم كون شاسع وكامل. وإن محاولة انتزاع إحداثيات ثابتة لذلك الكوكب المنشود من وسط هذا الكون الفسيح لهي مهمة شاقة بلا ريب.
وعلى مر السنين، لم يظفروا إلا بالنزر اليسير من الإحداثيات الثابتة. فالحضارات في بعض الكواكب، بعد بلوغها شأواً معيناً من التطور، تتوسع لتبلغ كواكب أخرى، وتنتشر بذورها على نطاق أوسع.
بيد أن هذا الانتشار رهين بنوع الحضارة القائمة؛ فثمة حضارات، حتى وإن افتقرت للمستويات القتالية العالية، تمتلك القدرة على الامتداد في أرجاء الكون، بينما حضارات أخرى، رغم بلوغ أفرادها مستويات شاهقة من القوة، يظل تطورها العام محدوداً. والنتيجة هي أنه حتى لو استطاع الأقوياء اجتياز الفراغ الكوني وبلوغ كواكب أخرى، فإن عددهم يظل ضئيلاً ومحدود الأثر.
لكن "عالم النجوم" نسيج وحده، فهو لا يمتلك ما يسمى بـ "كوكب مهد الحضارة"، بل يتوزع سكانه الأصليون في أرجاء متفرقة من جنباته. ويعود هذا التوزع إلى طبيعة شكلين من أشكال الحياة الفريدة فيه: "أرواح النجوم" و"العمالقة الجبارين".
فهذه الكائنات تولد في أحضان كواكب ونجوم خاصة؛ فبالنسبة لهم، تُعد بعض الكواكب بمثابة الأرحام التي تقذف بهم إلى الوجود. ففي بعض الأجرام، تولد "أرواح النجوم" بأشكال متباينة، لا يشبه أحدها الآخر. وفي مستهل حياتها، لا تملك قوة تذكر، إذ لا تتخطى مرتبة كائنات المستوى الرابع، غير أن سقف طموحاتها وقوتها لا يحده حد، ونموها لا يعترضه عائق، فبالصبر ومرور الزمن، يمكنها بلوغ رتبة "الأسلاف" في المستوى الثامن، بل وقد تطأ عتبة المستوى التاسع.