Switch Mode

ساحر الحلقة السادسة 676

عالم النجوم


الفصل 676: عالم النجوم

ساورَ "هيراغ" شيءٌ من الفضول، بيدَ أنه لم يشأ الاستزادة في السؤال؛ إذ كان "الجد ذو الألف عين" قد ولج الكهف بالفعل.

كان الكهف ضخماً، تنبثق منه الحمم البركانية، ولم يكن يعجُّ بالخلق، فإلى جانب "الجد ذي الألف عين"، وجد كائنان آخران تبدو عليهما سمات القوة المفرطة.

أحدهما كان هيكلاً عظمياً يكسوه بياض ناصع، وقد برزت من ظهره نتوءات عظمية شكلت نمطاً غريباً يحاكي درعاً حصيناً. أما الكائن الآخر، فكانت امرأة ذات قوام فاتن يفيض بالجاذبية، لم يكن يستر جسدها ثياب، بل غطى مواضعها الحساسة جلد أرجواني ممتد.

كانت تلك المرة الأولى التي يعاين فيها "هيراغ" جسداً بهذا الاتساق، كأنه يمثل ذروة الجمال المادي؛ فوجهها كان مذهلاً بملامح دقيقة النحت، تنضح بجمال فطري أخاذ، آية في الحسن، لا يُزاد عليها ولا يُنقص منها، وكأنها بلغت من الكمال غايته.

استشعر "هيراغ" من هذين الكائنين ذات الهالة العتيقة التي تنبعث من "الجد ذي الألف عين"، مما يقطع بأنهما من زمرة "الأسلاف". ولم يكن في حسبانه أن يلتقي في يوم واحد بثلاثة كائنات من هذا المستوى الرفيع.

أضحى "هيراغ" أكثر توجساً، وبيد أن هجومهم عليه كان أمراً مستبعداً، إلا أنه توجب عليه الحذر لئلا تنكشف أسراره. ففي الظاهر، كان "هيراغ" يُعد سلفاً مستيقظاً عاد من غيبوبته، يتربع على قمة القوة في "عالم الهاوية"، وإن لم يسترد كامل عافيته بعد.

إن وجود أي "سلف" يُعد ركيزة أساسية لأي عالم، حتى في عالم عظيم من الدرجة العليا كـ "عالم الهاوية"؛ إذ إن فقدان سلف واحد يمثل خسارة فادحة لا تُعوض. فالسلف هو تجسيد للقوة المطلقة والنقاء في السلالة، وهو المنبع الذي يضمن استدامة تطور المستوى الوجودي.

لذا، فبالنسبة لمن هم في مقام "الجد ذي الألف عين"، سيُنظر إلى "هيراغ" كحليف مستقبلي، وفي العرف السائد بينهم، لا تُتخذ إجراءات عدائية ضد الأنداد. فعند هذا المستوى من القوة، يغدو الصراع بلا طائل، إذ تسمو تطلعاتهم نحو غايات أبعد.

"يا إله الرعد، يا صديقي العتيق، ألا تذكرهما؟ إنهما ملك الهياكل العظمية وملكة العناكب"، هكذا استدار "الجد ذو الألف عين" مقدماً إياهما إلى "هيراغ".

رمق "هيراغ" ملك الهياكل العظمية وملكة العناكب بنظرة، ثم أومأ برأسه قائلاً: "لا تسعفني الذاكرة بتفاصيلهما، لكن سيماهما ليست غريبة عليّ".

لقد انتابه بالفعل شعور بالألفة تجاه هؤلاء الثلاثة، وهو إحساس غريزي نابع من "سلالة أسلاف إله الرعد" التي يحملها، وهي إحدى السلالات العريقة في "عالم الهاوية"، لذا فإن التجاذب بين أبناء السلالات السلفية أمر طبيعي.

ولم يعد غريباً الآن سبب تلطف "الجد ذي الألف عين" معه، وتجاوزه عن التحقق من هويته؛ ففي هذه الربوع، يُعد "النسب" أصدق برهان على الهوية، ولا حاجة لغيره من الأدلة.

رمقت ملكة العناكب "هيراغ" بنظرة خاطفة، وعيناها تبرقان ببريق ناعم كالحرير، وقالت بصوت هادئ: "لقد آبت روحك أخيراً".

أما ملك الهياكل العظمية، فلم ينبس ببنت شفة، بل اكتفى بفتح فمه وإغلاقه سراعاً، فصدرت عن عظامه قعقعة تشبه تحطم الحصون، ولم يتضح المقصد من صنيعه ذاك. بيد أن "هيراغ" استشعر في نار روحه المتذبذبة مشاعر غامضة، وكأنه يضحك في سره.

"هذا هو..."

أعاد "هيراغ" استشعار الأمر بروية، فباغته شعور بالألفة ينبع من ملك الهياكل العظمية، كأنه عاينه في غابر الأيام. واستحضر ذاكرته سراعاً حتى اهتدى إلى مصدر هذا الشعور؛ فقد سبق له أن واجه شيطاناً من الموتى الأحياء يُعرف بـ "الزاحف" في إحدى المناطق الملوثة.

كان ذلك "الزاحف" لا يلقى حتفه وإن قُطعت أطرافه أو فُصل رأسه عن جسده، فكل جزء فيه يملك قدرة على الحركة المستقلة. وكان الشيطان العظيم الذي جابهه "هيراغ" من قبل يحمل ذات الخصائص، غير أنه كان نسخة أضخم وأعتى، وكان من الشياطين الذين يشق مراسهم.

أدرك "هيراغ" أن الهالة التي تنبعث من ملك الهياكل العظمية هي ذاتها التي رآها في "الزاحف" و"الشيطان العظيم". وبالتحديد، بدا وكأن مصدر قوة هؤلاء يرتد في الأصل إلى ملك الهياكل العظمية.

فجال في خاطره ما كانت قد توصلت إليه إحدى الباحثات في "أرض الفجر"، حين رجحت أن سمات الخلود لدى "الزاحف" و"الشيطان العظيم" تعود إلى تلوث أصابهما من مصدر خارجي. وبما أن ذلك المصدر لم يندثر، فإن هؤلاء التابعين سيبقون على قيد الحياة، متمتعين بصفة الموتى الأحياء إلى الأبد.

ويبدو الآن أن ذلك المصدر ليس إلا "السلف ملك الهياكل العظمية"؛ فطالما بقي هو حياً، فلن يطال الموت أتباعه، وسيظلون حائزين على تلك السمة الخالدة. ولقد صدقت تكهنات تلك الباحثة في "أرض الفجر" بالفعل.

ولم يدر بخلد "هيراغ" يوماً أنه سيقف وجهاً لوجه أمام المنبع الذي انبثق منه "الزاحف" و"الشيطان العظيم". والمرجح أن ملك الهياكل العظمية قد خلق تلك الكائنات عن غير قصد، ربما نتيجة حادث عرضي عابر.

كانت الأمواج الروحية المنبعثة تلقائياً من أجساد ملك الهياكل العظمية وملكة العناكب والجد ذي الألف عين من القوة بمكان بحيث لا تجرؤ الكائنات العادية على الدنو منها؛ إذ إن تلك الموجات قادرة على سحق أي كائن يقترب أكثر مما ينبغي.

ولم يجزم "هيراغ" ما إذا كان بإمكانهم كبح تلك الموجات، ولكن ربما لم يجد الأجداد حاجة لذلك، فالحراس والشياطين الذين يخدمونهم كانوا هم أيضاً من أولي البأس الشديد.

وإلى جوار الأسلاف الثلاثة، وقفت شياطين عدة بهيئة بشرية داخل كهف الحمم، وبالنظر إلى هالاتهم، فقد كانوا على الأقل من شياطين المستوى السادس.

وسرعان ما بدأت المأدبة، حيث تحلق الأربعة حول طاولة مستطيلة، غصت بأشلاء كائنات غريبة ومتباينة. كان كل ما قُدم نيئاً، ينضح بالدماء، ومنثوراً عليه ما يشبه التوابل.

وبطبيعة الحال، لم تجد تلك الأطعمة سبيلاً إلى شهية "هيراغ"؛ لجهله بمصدر تلك اللحوم، ولعدم رغبته في تذوقها أصلاً.

(ساد صمت مطبق في أرجاء المكان بينما استمرت المأدبة)

انهمك الجد ذو الألف عين والآخران في الأكل بنهم شديد. وحين رأت ملكة العناكب أن "هيراغ" لم يمد يده إلى الطعام، سألته: "ما بك؟ ألم يرق لك هذا الزاد؟"

أومأ "هيراغ" برأسه مجيباً: "ليس هذا مما تشتهيه نفسي".

فقال الجد ذو الألف عين: "أوه، المعذرة يا صديقي، لقد أُعد هذا وفق ما عهدناه من ذوقك القديم، وتغير الأذواق بعد هذا الغياب أمر وارد جداً، وهذا سهو مني".

بادر "هيراغ" بالسؤال: "هذه الأمور ثانوية، ولكن الفضول يقتلني، ما هو الموضوع الأساسي المدرج على جدول أعمالنا اليوم؟"

أجاب الجد ذو الألف عين بلهجة اتسمت بالجدية: "إذن، سأشرع رسمياً في الحديث عن عالم النجوم".

"عالم النجوم؟" لم يطرق هذا الاسم مسامع "هيراغ" من قبل.

فأوضح الجد ذو الألف عين قائلاً: "إن عالم النجوم، كعالمنا الهاوي، هو عالم من العوالم العليا، تقطنه أرواح نجمية جبارة، وأسلافهم يضاهون أسلافنا قوة ومنعة، مما يجعله عالماً في غاية الخطورة".

استطرد "هيراغ" مفكراً ثم سأل: "وماذا نحن فاعلون حيال ذلك؟"

برقت عينا الجد ذي الألف عين بحماس متقد وقال: "مؤخراً، ورغم الإخفاق في تشييد بوابة مكانية ثابتة إلى عالم النجوم، إلا أننا نجحنا في فتح ممر سري ما زال بعيداً عن أعين رصدهم. ولقد تداولت الأمر مع ملك الهياكل العظمية وملكة العناكب، وعقدنا العزم على غزو عالم النجوم عما قريب، بغية الاستيلاء على ’بئر عالم النجوم‘".

اعتصرت "هيراغ" الدهشة حين أدرك أن هؤلاء الثلاثة يضمرون غزو "عالم النجوم"، وهو أحد العوالم الفائقة التي لا يستهان بها.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط