الفصل 675: الجد ذو الألف عين
علم "هيراغ" من خلال المعلومات التي استقاها من تلك الشياطين ذات الأعين الألف، أن "الجد ذا الأعين الألف" هو من خصه بالدعوة تحديداً لحضور هذه المأدبة.
إن التشكيل الذي تقيمه هذه الزمرة من ذوي الأعين الألف هو في حقيقته طقسٌ جليل الشأن لديهم؛ إذ يتم انتقاء كل شيطان مشاركٍ بعنايةٍ فائقة، ولابد أن يستوفي معايير صارمة ليحظى بشرف المشاركة في هذا الاحتفال.
وأضعف شياطين هذه المجموعة هم من المستوى الرابع، مع وجود العديد من شياطين المستوى الخامس، بل إن قائدهم شيطانٌ من المستوى السادس.
وخلال هذا الوقت، لفت "هيراغ" انتباه "الجد ذي الأعين الألف" أثناء ممارسته لتأمل ضوء النجوم في هذا الموضع.
وكان "هيراغ" قد سمع "الضفدع" يذكر هذا السلف آنف الذكر سابقاً، واصفاً إياه بكونه كائناً ضارباً في القدم في عالم الهاوية، وأحد الأسلاف الذين يوجهون دفة الأمور ويحددون مسار ذلك العالم.
وبمعنى آخر، فقد كان يوماً ما أحد أولئك الذين أحكموا السيطرة على اقتراب عالم الهاوية من العوالم الأخرى، وشرعوا في شن الغزوات ضدها.
وفي لحظة، استحضرت ذاكرة "هيراغ" رؤيةً مستقبلية عاينها ذات مرة، حيث أطلقت عينٌ عملاقة ضوءاً أسود، شطر قارة "كالا" إلى نصفين.
كما أن حادثة "مدينة القمر الفضي" التي تورط فيها أتباع طائفة الهاوية حظيت بدعمٍ من مخلوقات جنس الأعين الألف.
كان هذا أول لقاءٍ لـ"هيراغ" مع شياطين الهاوية التي اجتاحت هذا العالم بالفعل، إذ لم يسبق له مواجهتهم من قبل.
أما "ريان"، فلم يشارك قط؛ إذ كان غرضه الدائم هو البحث عن قوة سلالة أسلاف "إله الرعد"، مما دفعه للرغبة في ولوج "عالم الرعد".
"أأقبل دعوة الجد ذي الأعين الألف أم أرفضها؟"
أخذ "هيراغ" يتفكر في هذا السؤال؛ فلم يكن يعلم الغرض الكامن وراء دعوة "الجد"، ورغم جلال الترتيبات الاحتفالية، إلا أنها قد تخفي وراءها وليمةً محفوفة بالمخاطر.
استشعر "هيراغ" الطاقة الكامنة في "وسم العالم" المنقوش على يده اليسرى، ولا تزال هناك كمية غزيرة منها، تكفيه للبقاء في عالم الهاوية لأمدٍ طويل.
وقدّر بشكلٍ تقريبي أن هذا الأمد قد يمتد لأكثر من عامين.
بيد أن هدف "هيراغ" كان القدرة على مغادرة عالم الهاوية في أي لحظة يشاء.
والآن، مع فيض الطاقة المتبقي في "وسم العالم"، فهذا يعني أنه لا يستطيع مغادرة عالم الهاوية على الفور، ولا الفرار من الخطر في التو واللحظة.
فكر "هيراغ" في الأمر، وحاول امتصاص الطاقة من "وسم البُعد المكاني".
لقد أخضع الأمر للتجربة ووجد أنه قادرٌ بالفعل على امتصاص الطاقة المخزنة في الوسم بفعالية.
وهذا من شأنه أن يسهل الأمور؛ فإذا ما استطاع "هيراغ" استنزاف الطاقة متى شاء، سيمكّنه ذلك من العودة إلى عالمه الأصلي مباشرة.
تكمن المعضلة الوحيدة في أنه على الرغم من إمكانية التصريف السريع، إلا أنه سيستغرق بضعة أجزاء من المليون من الثانية (ميكروثانية).
قد يبدو هذا الوقت وجيزاً، ولكن بالنسبة لأمثال "هيراغ"، قد تقع فيه أحداثٌ جسام؛ إذ غالباً ما تفقد الثواني قيمتها المعهودة في مثل مستوياتهم العالية.
قلب "هيراغ" الفكرة في رأسه وقرر قبول الدعوة.
فبما أن السلف ذا الأعين الألف قد رصده، فسيكون من العسير التواري عن أنظاره طالما بقي في عالم الهاوية.
وفي نهاية المطاف، سيجد نفسه مضطراً لمواجهته، إلا إذا قرر عدم العودة إلى عالم الهاوية مرة أخرى.
وفي الوقت الراهن، لم تكن ثمة عداوة بينه وبين "الجد"، لذا كان بوسعه الذهاب لاستجلاء ما يبتغيه الطرف الآخر.
قال "هيراغ" بهدوء: "تقدموا".
سرعان ما احتشدت الشياطين ذات الأعين الألف في المقدمة، وتراكبت فوق بعضها البعض، لتشكل في وقتٍ وجيزٍ هيئة باب.
وانبثق في المقدمة بابٌ هائلٌ مشكّلٌ من مقلة عينٍ ضخمة، يتوسطه ضوءٌ أخضر مريب، تنبعث منه هالةٌ موغلة في القدم، توحي بأن المكان الذي يفضي إليه ليس بالهين قط.
خطا "هيراغ" بخطىً وئيدة وثابتة نحو بوابة النور الخضراء هذه.
وبمجرد عبوره البوابة، كان أول ما اعتراه هو لفح الحرارة الشديدة.
"لا بد أن درجة الحرارة تبلغ آلاف الدرجات المئوية".
اندفعت موجةٌ لافحة من الحرارة، ليجد "هيراغ" نفسه واقفاً عند فوهة وادٍ.
الحالة: لم يعد يرهبه القيظ الحارق؛ فالوقوف فوق الصهارة لم يؤثر فيه أدنى تأثير، بل كان وقعها عليه كوقع الماء الدافئ، بل ومريحاً للغاية.
وحتى من دون استخدام "المجال الداخلي"، كانت قوة جسده السلفي الحقيقي كفيلةً بضمان بقائه حياً في بيئةٍ كهذه.
"أهلاً بك يا صديقي، لم أرك منذ أمدٍ بعيد".
انبعث الصوت من أغوار الوادي، وتلاه ظهور شخصٍ ذي عينين سوداوين.
كانت هذه العين السوداء مغايرةً لشياطين الأعين الألف السابقة، إذ كانت تنقل المعلومات مباشرةً عبر الصوت واللغة.
أدرك "هيراغ" على الفور أنها مقلة العين ذاتها التي عاينها في رؤياه المستقبلية.
"ذلك التذبذب المنبعث..."
استشعر "هيراغ" التذبذب الإشعاعي الذي ينبعث تلقائياً من حول تلك المقلة السوداء، فداخله شيءٌ من الوجل.
فقد كان مجرد ذاك التذبذب الإشعاعي الطبيعي كفيلاً بإزهاق أرواح العديد من المخلوقات العادية من المستوى الثالث.
"إنه السلف ذو الأعين الألف..."
إن حيازة مثل هذه القوة لا تتأتى إلا للسلف ذي الأعين الألف نفسه، وهو كائنٌ من المستوى التاسع.
كما أحس "هيراغ" بالهالة العتيقة والمهيبة للطرف الآخر، تماماً كما استشعر الآخر هالة "هيراغ".
قال "هيراغ": "لا أذكر شيئاً".
لقد كبح كل هالةٍ تحيط به، ولم يبدِ منها شيئاً، رغبةً منه في تقليل تسرب معلوماته الخاصة.
فما زال "هيراغ" يكتنز الكثير من الأسرار التي لا يمكن البوح بها بتهور، لاسيما أمام كائنٍ بمكانة "الجد ذي الأعين الألف"؛ فالحذرُ هنا هو سيد الموقف.
إذ قد يفضي أي تهاونٍ إلى سبر الطرف الآخر لأغوار الكثير من شؤونه الخاصة.
بدا الجد ذو الأعين الألف غير مكترثٍ وقال: "هذا أمرٌ طبيعي يا صديقي. لقد كنت بانتظار عودتك. ورغم تبدل هيئتك وفقدانك لذاكرتك، إلا أن السلالة لا تكذب؛ فكل ما تفتقر إليه هو الوقت فحسب".
بدا الجد ذو الأعين الألف وكأنه يستعيد ذكرياتٍ غابرة، دون أن يستقصي كثيراً عن حال "هيراغ" الراهن، وكأنه كان يتوقع حدوث ذلك مسبقاً.
شعر "هيراغ" أن كينونته الشخصية لا تشكل فارقاً لدى الجد، بل ما يهم حقاً هو امتلاكه لسلالة أسلاف "إله الرعد" كاملةً.
فطالما حاز المرء هذا النسب، فهو بلا ريب سلف "إله الرعد".
أدرك "هيراغ" أن "الجد" ربما كان لقباً موروثاً وليس فرداً بعينه.
كان الأمر أشبه بإرثٍ يتناقله الأحفاد عن الأجداد؛ فقد يتباين كل جيلٍ عن الآخر، لكنهم جميعاً يُعدون أسلافاً لـ"إله الرعد".
وبعد إدراكه لهذه النقطة، تفهم "هيراغ" العلة وراء موقف الجد ذي الأعين الألف؛ فبالنسبة له، لقد عاد سلف "إله الرعد" حقاً.
فطن "هيراغ" فجأةً إلى السبب الذي جعل "ريان" يسعى بدأبٍ لنيل قوة السلالة الكاملة، واستعداده للتضحية بنفسه في سبيل إتمام سلالة أسلاف "إله الرعد".
ذلك لأن النسب كان يمثل لهم كل شيء؛ فامتلاك السلالة الكاملة هو ما يجعل من المرء سلفاً لـ"إله الرعد".
أما "هيراغ"، الذي هو إنسانٌ في جوهره، فقد ظل يحتفظ دوماً بوعيٍ فرديٍّ متقد، مما جعل استيعاب مثل هذه المفاهيم والاعتقادات أمراً عسيراً عليه.
قال الجد ذو الأعين الألف: "تفضل بالدخول يا صديقي، فلدينا بعض الأنباء السارة مؤخراً، والتي من شأنها أن تعود عليك بنفعٍ عظيم".