Switch Mode

ساحر الحلقة السادسة 674

دعوة من السلف


الفصل 674: دعوة من السلف

اُفتتح مسار قطار الأبعاد المتجه من "أرض الحدود" إلى "عالم الجان" رسمياً، فلم يعد "هيراغ" بحاجة إلى استخدام مذبح النقل الآني للوصول إلى وجهته؛ إذ بات بمقدوره ببساطة ابتياع تذكرة للرحلة.

فما دام المرء يمتلك "الوسم"، يمكنه شراء تذكرة قطار الأبعاد مباشرة من المحطة، وعبور العوالم لبلوغ غايته.

استغرقت الرحلة إلى "بُعد الجان" وقتاً أقل بكثير مما توقعه هيراغ؛ فمنذ لحظة اعتلائه متن القطار حتى توقفه في ذلك البُعد، لم يمضِ سوى بضع دقائق معدودات، غير أنه من حيث زمن الرحلة الفعلي، فقد انقضت سبعة أيام كاملة.

وكما حدث في المرة السابقة، توقف قطار الأبعاد قبالة "شجرة العالم الأم" مباشرة، متوغلاً في أعماق "غابة الليل الغاسق". لم يتمالك هيراغ نفسه من التفكير في أنه ليس من المستغرب أن يتوجس "سهل الجان" خيفة من "أرض الحدود"؛ فقدرة الطرف الآخر على نقل جحافل من المقاتلين مباشرة إلى قلب أراضيك كفيلة ببث الذعر في نفس أي امرئ، ناهيك عن أن قوتهم القتالية تربو على قوتك بمراحل.

لم يطرأ تغيير يُذكر على صعيد جنس الجان، وسرعان ما اجتمع هيراغ بـ "أسونا" و"ريس" و"شاتيا"، الذين بدا أنهم جميعاً على خير ما يرام.

أرسى بُعد الجان الآن علاقات تجارية رسمية مع أرض الحدود، وغدت حركة قطار الأبعاد مستمرة لا تنقطع، وهو أمر اعتاد عليه الكثير من الجان، غير أن عامة الناس في عالم الجان لا يزالون يجهلون هذا التطور؛ إذ يقتصر العلم به حالياً على علية القوم من بني جنسهم.

مكث هيراغ في بُعد الجان زهاء شهر، وكان ينوي الاستمرار لفترة أطول، نظراً للكثافة العالية لجزيئات الطاقة الحرة تحت ظلال شجرة العالم، وهو ما يهيئ بيئة مثالية لممارسة التأمل؛ إذ إن تركيز جزيئات الطاقة هناك يبلغ شأواً بعيداً يتجاوز معظم مناطق أرض الحدود، ولا يقل إلا قليلاً عن تركيزها داخل "برج الحلقة السادسة".

كان الدافع الرئيس لبقاء هيراغ هو رغبته في تعويض ما فاته من وقت مع "ريس" والآخرين، رغبةً منه في مؤانستهم. ومع ذلك، وجد هيراغ بعد انقضاء الشهر أن سرعة تأمله لا تزال وئيدة للغاية، ولا تُقاس أبداً بتلك الفترة التي قضاها في "عالم الهاوية".

فعندما كان في بُعد الهاوية، كان ضياء النجوم ينهمر عليه مدراراً ويتكثف في جسده مباشرة، ولم يكن ثمة وجه للمقارنة بين سرعة التأمل تلك والوضع الراهن، حيث حرمته قوانين بُعد الجان من معونة "إرادة العالم".

وبعد مرور الشهر، استقر رأي هيراغ على أن العودة إلى عالم الهاوية لمواصلة التأمل هي الخيار الأمثل، سعياً منه لتكثيف "روحه الحقيقية" في وقت أقرب ولبلوغ رتبة "الحلقة السادسة".

وبعد أن نال دفعة أخرى من "عصارة شجرة العالم" من جنس الجان، قفل عائداً إلى بُعده مع ريس والآخرين.

كانت المنطقة الشمالية قد أتمت رسم مخطط كبرى مدنها، مدينة "ليندونغ"، التي ستغدو أعظم حواضر الإقليم الشمالي. وبفضل ما يتمتع به سكان "أرض الحدود" من مهنية وكفاءة عالية، تمكن هيراغ من الانتقال إليها مع مجموعته؛ فقد أتمت مدينة ليندونغ بالفعل أعمال البناء الأساسية، بما في ذلك المساحات الشاسعة من الوحدات السكنية والشوارع والساحات، وصولاً إلى قلعة هيراغ المنيعة.

بيد أن المدينة كانت لا تزال تفتقر إلى العنصر البشري. وبعد أن وقف هيراغ على حجم التقدم المحرز، عهد إلى ريس وأسونا وليليان بمهمة إدارة هذه الشؤون، بينما تهيأ هو لولوج عالم الهاوية.

أما شاتيا، فقد انضمت إليهم بدافع التسلية، ورغم أنها لم تقدم عوناً كبيراً في المسائل الإدارية، إلا أنها ساهمت بفعالية في تحسين البيئة الطبيعية للإقليم الشمالي، مستغلةً براعتها الفائقة في سحر الطبيعة.

لم يُجلب "إميل" والآخرون بعد، غير أن عصارة شجرة العالم قد أُرسلت إليهم بالفعل، وتناولها "إريك" والجيل الناشئ. كان هيراغ يخطط لاستقدامهم بمجرد أن يربو عدد سكان مدينة ليندونغ، لتصبح أكثر ملاءمة للعيش؛ وإلا فإنها ستظل في نظر الناس العاديين مكاناً موحشاً يلفه السكون القاتل ويبعث على السأم.

وبينما كان هيراغ جالساً في غرفته بالقلعة، ألقى نظرة خاطفة على "وسم الأبعاد" المنقوش على راحة يده اليسرى، ثم اختفى بومضة فكر...

في سهل قفر لم تنبت فيه بذرة عشب واحدة، أشرق ضياء القمر على التربة رمادية البياض، فكان الضوء المنعكس يكاد يذهب بالأبصار من شدة سطوعه. لم يدرِ هيراغ كنه هذا المكان؛ إذ يبدو أن وسم الأبعاد كان يقذفه في بقاع شتى في كل مرة، ولا يعيده إلى الموضع الذي فارقه آخراً.

رمق السماء المرصعة بالنجوم وقارن مواقع الأجرام لتقدير المسافة التقريبية، فتمتم قائلاً: "يجب أن يكون هذا الموضع شرقي المكان الذي غادرت منه في المرة السابقة، وعلى مسافة شاسعة جداً".

حسب هيراغ المسافة بسرعة انطلاقاً من النقطة التي دخل منها سابقاً إلى "عالم فيجار" عبر الاستدعاء، وتأكد أنها مسافة نائية بحق. تفحص البيئة المحيطة بعناية فلم يستشعر أي نذير خطر؛ وبالطبع، كان هذا يعني انعدام الخطر بالنسبة لمستواه هو، أما الشياطين الصغرى الهائمة في الأرجاء، فلم تكن لتشكل أي تهديد يُذكر له.

وبعد أن استوعب هيراغ ماهية المكان، شرع في الدخول في حالة من الاستغراق، مستغلاً كل لحظة للتأمل. وما إن غاص في تأمله حتى بدت في الأفق ظواهر سماوية عجيبة؛ إذ تساقط ضياء النجوم كالغيث الهتان، وتغلغل في جسد هيراغ.

وعلى الفور، استعادت سرعة تأمل هيراغ وتيرتها القصوى، كما ازدادت سرعة تكثيف القوة الروحية بشكل جلي. ففي المستوى العاشر أو الحادي عشر، تكون سرعة تكثيف القوة الروحية في العادة وئيدة للغاية، غير أن هيراغ بات الآن كابنٍ بار لعالم الهاوية؛ فما دام مستغرقاً في تأمله، فإن السموات والأرض وقوانين الوجود طوع أمره تخدمه.

وبعد برهة وجيزة، انقضى شهر آخر.

ظل هيراغ قابعاً في مكانه، مغمض العينين في حالة وجد، وتحف جسده خيوط فضية وهاجة، بينما ينهمر ضياء النجوم من عنان السماء؛ فمن رآه من بعيد خيل إليه أنها مجرة تنحدر من السماء في مشهد يأخذ بالألباب. ولم يجرؤ شيطان واحد في نطاق مئة ميل على الاقتراب أو إزعاج خلوة هيراغ.

فجأة، فتح هيراغ عينيه ببطء، شاخصاً ببصره نحو الأفق البعيد، حيث انبعث ضياء بارد شق سدف الظلام. وفي ذلك الأفق النائي، برزت عيون لا حصر لها في جوف الفراغ، ترمق هيراغ بوميضها.

تأمل هيراغ تلك الأعين، فوجدها مألوفة لديه؛ وسرعان ما استذكر أنها ذات الأعين التي لمحها ذات مرة عبر شق أبعادي عابر في "مدينة القمر الفضي". قد لا تكون الأعين ذاتها، لكنها قطعاً من الفصيل نفسه، ولها ذات الهالة والوقع.

تذكر هيراغ كيف أن مجرد نظرة واحدة في الماضي أصابته بصداع حاد، أما السحرة الآخرون فقد كان مصيرهم الوبال؛ إذ انفجرت رؤوس الكثيرين منهم في توّهم ولحظتهم بمجرد وقوع أبصارهم عليها، فخروا صرعى.

لم يدرِ بخلد هيراغ أنه سيعاين تلك الأعين ثانية بعد كل هذا الوقت، بيد أن المشهد هذه المرة كان أشد هولاً؛ إذ ظهرت آلاف الأعين في مواجهته. استشعر هيراغ أن كل عين منها تمثل شيطاناً منفرداً، وقد اصطفت في تشكيل غريب ومحكم التنظيم، تكتنفه نوايا مجهولة.

سأل هيراغ بصوت جهوري رصين: "ماذا تبغون؟"

أومضت مجموعة الأعين في آن واحد، وتلى ذلك تدفق سيل عارم من المعلومات نحو عقل هيراغ؛ ويبدو أن وسيلتهم في التواصل لم تكن المنطق اللساني، بل دفقات المعلومات المباشرة.

"أيها السلف الكريم، سيدنا هو السلف ذو الألف عين، وقد أوفدنا لدعوتكم خصيصاً لحضور مأدبة السلف ذي الألف عين".



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط