الفصل 671: وادي دور
لم يتعمّد "هيراج" إخفاء وجوده، فلولا ذلك لَمَا استطاع "ريموند" رصده قط.
ابتسم "هيراج" وقال: "اسمي هيراج، أنا ساحرٌ من قارة (كالا)، وقارة (كوليسون) موطني أيضاً. جئتُ إلى هنا اليوم ملتمساً عون جلالة الملك في أمرٍ ما."
لم يبدُ على "ريموند" أيُّ وجومٍ أو استغراب لكون "هيراج" آتياً من قارة (كالا)، بل سأل بفضولٍ جليّ: "السيد هيراج، فيمَ تكمنُ مساعدتي التي تنشدها؟"
فقد كان من الغريب في نظره أن يحتاج ساحرٌ من قارة (كالا) إلى عونِ ملكٍ بشريّ.
بعد ذلك، سَرَدَ "هيراج" أبعاد الموقف المتعلق بـ "وادي دور"، فأحاط "ريموند" بفحوى المسألة وفهم مراميها.
قال "ريموند": "أدركُ الأمر تماماً؛ فوفقاً لقوانين مملكة (نورتون)، يُعدُّ (وادي دور) حقاً شرعياً للآنسة (ميليسا). سأتولى زمام هذا الأمر بنفسي وفوراً، فلا داعي للقلق."
استشعر "ريموند" جسامة هذا الطلب وأخذه على محمل الجد؛ فإلى جانب مكانة "هيراج" المرموقة، فإن أسلوبه الرزين وموقفه المترفع تجاه هذه القضية حثّاه على الاهتمام البالغ.
فبالنسبة لساحرٍ بمستواه، رغماً عن توفر سبلٍ أخرى لحسم الأمر بالقوة المباشرة، إلا أن اختياره تسوية المسألة عبر القنوات الرسمية كان بمثابة إشارةٍ جليّة على ثقته وحسن نواياه تجاه الملك.
"جلالتك، هل أصابك مكروه؟".. فجأة، انبثق في الغرفة رجلٌ طاعنٌ في السن، نحيلٌ وذابحُ القسمات، وقف أمام "ريموند" وقفة الحامي، يرمق "هيراج" بنظراتٍ حذرة ويقظة، بينما ينضحُ جسده بهالةٍ طاغية من القوة السحرية.
"ساحرٌ من رتبة البلورة؟" تملّك "هيراج" عجبٌ طفيف لمواجهة ساحرٍ من رتبة البلورة في هذا المكان، ويبدو أنه كان يضطلع بمهمة حماية "ريموند".
"السيد ستيف، هوّن عليك، لا بأس.. هذا هو السيد هيراج، وهو أيضاً من قارة كالا." بادر "ريموند" بطمأنة "ستيف" لكي يهدأ روعه، وأخذ زمام المبادرة لتقديمهما.
"هيراج؟" لمعت نظرةٌ حادة في عيني "ستيف" وهو يتفحص "هيراج" بدقة، وكأنه يحاول التثبت من حقيقة ما يراه.
لم يستشعر "ستيف" أي هالةٍ سحرية تنبعث من "هيراج"، وهي النقطة التي أثارت في نفسه أعظم درجات القلق والريبة.
سأل "هيراج": "إلى أيِّ منظمةٍ تنتمي؟"
أجاب "ستيف" وهو لا يزال محتفظاً بحذره: "أنا من مستنقع (ألوف)"، قالها وهو يحاول استرجاع اسم "هيراج" في ذاكرته، لكنه لم يوفق في الربط بينهما على الفور.
أومأ "هيراج" برأسه قائلاً: "إذن أنت ساحرٌ من (مستنقع ألوف). لقد مكثتُ ذات مرة في (غابة ضوء القمر)، لكنني لم أزر مستنقعكم قط."
"غابة ضوء القمر.. أأنت حقاً هيراج؟" بدا أن "ستيف" قد تذكر أخيراً، فاعتراه ذهولٌ ممزوجٌ بعدم التصديق لمقابلة "هيراج" شخصياً في هذا المكان.
سأل "هيراج": "هل تَعرفُ من أكون؟"
أومأ "ستيف" برأسه، متخلياً عن وضعية الاستنفار والحذر: "إذن أنت حقاً السيد هيراج. لم أتوقع أبداً أن أحظى بلقائك هنا. لقد طَرَقَ اسمُك مسمعي منذ أمدٍ بعيد، وكنتُ أسمعُ أخباراً مرتبطة بإنجازاتك بشكلٍ متواتر خلال السنوات القليلة الماضية..."
تبادل "هيراج" و"ستيف" أطراف الحديث لبرهة لاستيضاح وضعه بشكلٍ عام.
لم يكن "ستيف" في الأصل من قارة "كوليسون"، بل جاء إلى هنا وفاءً بعهدٍ قطعه لصديقٍ قديم.
كان ذلك الصديق القديم أيضاً ساحراً من (مستنقع ألوف)، وقد جمعتهما صداقةٌ وطيدة منذ زمنٍ طويل، بينما كان الآخر ينحدرُ من قارة "كوليسون" ومن السلالة الملكية الحاكمة لمملكة (نورتون).
ذلك الصديق القديم، الذي عجز عن الارتقاء إلى المستوى الثاني وأدرك أن شمس عمره قد آذنت بالغروب، رأى مملكة "نورتون" تمر بفترة انتقالية حرجة.
وبصفته أحد أسلاف مملكة "نورتون"، لم يرغب في رؤية مملكته تتأرجح في مهب الخطر؛ لذا عهد إلى "ستيف" بأمانة رعاية أحفاده وحماية ملكهم في قارة "كوليسون".
وقد تمكن "ريموند" من إدارة دفة الحكم بسلاسةٍ طوال سنوات بفضل مساندة "ستيف" الكبيرة في حسم العديد من المعضلات، ولولا ذلك لَمَا مَرّت عملية الإصلاح بهذه السكينة، ولكانت أكثر دمويةً وفتكاً.
وبصفته ساحراً من رتبة "البلورة" في المستوى الأول، كان "ستيف" قوةً لا تُقهر في أرجاء قارة "كوليسون"؛ فكلما تدخل في أمرٍ، لم تكن هناك عقبةٌ تعصى على الحل بين يديه.
ومع ذلك، التزم "ستيف" بالأعراف غير المعلنة في عالم السحرة، فآثر البقاء بعيداً عن الأضواء، ونادراً ما أقدم على أفعالٍ مدوية، مقدماً مساعدته من وراء الستار، ومترفعاً عن ارتكاب مجازر بحق العامة، حيث كان تدخله ينصبُّ بشكلٍ رئيسي على حماية حياة "ريموند".
وبعد أن استشعر "ستيف" خللاً ما في اللحظة الأخيرة، سارع إلى المكان لدرء أي أحداثٍ غير متوقعة قد تلمُّ بـ "ريموند".
وفي أوساط مجتمع "الأبعاد السحرية"، كان صيتُ "هيراج" ذائعاً ومشهوراً يشار إليه بالبنان، وكان الجميع يعرف قدره، وهو ما شمل بطبيعة الحال معرفة "ستيف" به.
بالنسبة لـ "ستيف"، كان شخصٌ بمكانة "هيراج" يُعدُّ كياناً بعيد المنال، ولا يقع ضمن نطاق دوائره المباشرة.
ولهذا السبب، حين سمع "ستيف" اسم "هيراج" لأول مرة، لم يستطع الربط بين الشخص الماثل أمامه والأسطورة التي سمع عنها على الفور، بل ساورته بعض الشكوك فحسب.
ولم يدرك "ستيف" يقيناً أنه قد التقى بـ "هيراج" وجهاً لوجه إلا عندما ذكر الأخير إقامته في (غابة ضوء القمر).
ومن خلال حديثهما، أدرك "ريموند" أيضاً أبعاد الموقف؛ فلم يكن يتوقع أن يكون "هيراج" شخصيةً بهذه السطوة والأهمية، خاصةً بعد أن رأى حذر "ستيف" الشديد وتبدّل حاله عند معرفة هوية "هيراج".
وأن يتقدم إليه كيانٌ بهذا الثقل طلباً للعون في بعض الأمور، كان في نظره شرفاً عظيماً لا يدانيه شرف.
قال "ريموند" على الفور: "السيد هيراج، بصرف النظر عن (وادي دور)، يمكنني أيضاً مَنح هذه المنطقة الشاسعة لعائلة الآنسة ميليسا".
وأشار إلى قطعة أرضٍ فسيحة مجاورة لـ (وادي دور)، كانت تبدو وكأنها تابعة لأملاك أحد الدوقات المتنفذين.
هز "هيراج" رأسه رفضاً وقال: "لا حاجة لذلك. أنا أرغبُ فقط في مساعدتهم على استعادة ما هو حقٌّ أصيلٌ لهم. فالأرضُ الإضافية لن تجلب لهم إلا المتاعب والوبال."
فمَنحُ قطعة أرضٍ ضخمة كهذه لـ "إميل" وعائلته كان أمراً عديم الجدوى؛ إذ بمجرد حصولهم على تلك المساحات الشاسعة، سيتعين عليهم امتلاك القدرة على حمايتها والدفاع عنها أيضاً.
وحتى مع رعاية "ريموند" لهم، فإنه لن يستطيع رقابة المكان وحراسته على مدار الساعة، مما سيؤدي حتماً إلى نشوب مشكلاتٍ إضافية هم في غنى عنها.
كما أن "هيراج" لم يخطط لبقاء عائلة "إميل" هناك بصفةٍ دائم؛ فبمجرد تطوير الإقليم الشمالي كما هو متوقع، قد ينتقلون إلى هناك حيث تتوفر له سبل رعايتهم بشكلٍ أيسر.
فهم "ريموند" بسرعةٍ مغزى كلام "هيراج" وقال: "أعتذرُ إليك، لقد خانني التقدير في هذا الأمر."
بعد أن ناقش الاثنان التفاصيل الدقيقة، تصرف "ريموند" بكفاءةٍ متناهية وسرعةٍ فائقة؛ فأصدر الأوامر السلطوية تلو الأخرى من القصر الإمبراطوري، وتم تنفيذها على جناح السرعة.
وهكذا، عاد (وادي دور) مرةً أخرى إلى كنف عائلة (سارة) التي تؤول ملكيتها لـ (ميليسا)، وبعد انقضاء ثلاثين عاماً، استقبل الوادي عودة مالكته الشرعية.
أما الكونت "بيز" الذي كان يستولي على (وادي دور)، فلم يجرؤ على النطق ببنت شفة أو إبداء أي اعتراض.
فبالنسبة له، كان الأمر المباشر الصادر من الملك الحالي قدراً لا مفر منه؛ فسحب قواته فوراً ولم يجرؤ على المكوث هناك للحظةٍ واحدة إضافية.
لقد طبع هذا الملك الشاب في نفوس هؤلاء النبلاء مهابةً عميقة وانطباعاً لا يُمحى، حيث كانت الدروس القاسية تُدفع ضريبتها دماً مع قطع الرؤوس لكل متمرد.
ولم يكن الكونت "بيز" سوى حاكمٍ لمنطقةٍ نائية، فكيف له أن يتجرأ على إضمار أي طموحاتٍ صغيرة أمام سطوة العرش؟
وعلاوةً على ذلك، ولضمان أقصى درجات الأمن، أوفد "ريموند" فرقةً عسكرية خاصة إلى (وادي دور) لتكون درعاً يحمي سلامة قاطنيه.