Switch Mode

ساحر الحلقة السادسة 670

ريموند


الفصل السادس والسبعون بعد الستماة: ريموند

بالنسبة إلى هيراغ، فإن الغاية الأسمى لهذا السائل تكمن في صقل مؤهلات الساحر وتطوير قدراته، أما إطالة العمر فلم تكن في نظره هي الميزة الأساسية.

فبفضل هيراغ، ستتمكن ميليسا في نهاية المطاف من الارتقاء إلى المستوى الثاني، ولن يساورها القلق بشأن ذبول شبابها أو قصر عمرها بعد الآن.

وبعد أن أدرك إميل وميليسا أن هذا السائل الثمين لا يشكل عبئاً على هيراغ، قبلا عصير "شجرة العالم" منه بكل تهيب وحذر.

قال هيراغ مطمئناً إياهما: "لا تظنا أن لهذا الشيء قيمةً تذكر، فما هو إلا كقطع الحلوى الزهيدة؛ فلتتناولاه دون تردد".

عندئذٍ فقط، أقدم إميل والآخرون على تجرع عصير شجرة العالم.

وقد نال إميل وميليسا وابنتاهما نصيبهم من العصير، في حين كان على إريك والبقية الانتظار، إذ نفد ما كان بحوزة هيراغ من مخزون في تلك اللحظة.

لقد استُهلك عصير شجرة العالم المستخلص من الشحنة الأخيرة القادمة من "وادي المعجزات" بالكامل هذه المرة.

وآثر أبناء إريك وإميل الثلاثة شقيقتيهما على أنفسهم، فلم يستعجلوا أمرهم.

طمأنهم هيراغ قائلاً: "سأنطلق في رحلة إلى 'سهل العمالقة' لاحقاً لأجلب المزيد، وسينال الجميع نصيبه بلا استثناء".

وإذ رأى إريك والجيل الناشئ كيف يتعامل هيراغ مع هذا المنتج الأسطوري وكأنه مجرد سلعة محلية بسيطة يجلبها من عالم آخر، تضاعف إعجابهم الشديد به.

فحتى القصص الخيالية التي كان يتغنى بها الشعراء المتجولون، لم تكن لتبلغ شأو تجارب هيراغ الشخصية الاستثنائية.

كما اتسم هيراغ بتواضع جم وسعة صدر، فكان يجيب على تساؤلات إريك والبقية بيسر، إذ كان الأطفال مأخوذين بسحر ذلك العالم العجيب وتفاصيله.

أما ميليسا، فكانت تسترق النظر إلى وجهها في المرآة بين الفينة والأخرى بعد تناولها العصير، وكأنها تترقب عودة نضارة شبابها في توها.

فأوضح لها هيراغ قائلاً: "الأمر يتطلب وقتاً، وستستغرق العملية نحو شهر كامل".

فقد سبق له أن منح إرزا من عصير شجرة العالم، وأخبرته حينها أن ملامح الصبا لم تسترد ألقها بالكامل إلا بعد انقضاء شهر.

قضى هيراغ نصف الشهر التالي مستقراً في مكانه، مكرساً وقته لعائلة إميل؛ حيث تشاركوا اللعب وتفاصيل الحياة اليومية في وئام تام.

ولم يكن عامة الناس في "مدينة البجع" يعلمون سوى أن عائلة إميل تستضيف قريباً زائراً غاب عنهم طويلاً، دون أن يدركوا حقيقة هوية هيراغ، ولم يكن من شيم إميل أو ذويه إفشاء مثل هذا السر.

بيد أن علية القوم في المدينة لم تغفل عيونهم عما يجري، فلاحظوا بطبيعة الحال الحراك غير المعهود في دار إميل.

وفي قصر الحاكم بمدينة البجع، كان حاكم المدينة رجلاً في منتصف العمر، ذا بطن ممتلئ، يُدعى كانا.

ما إن نما إلى علم كانا أن ساحراً يحل ضيفاً في منزل إميل، حتى فقد وقاره وسارع إلى هناك محملاً بالهدايا السنية رغبةً في نيل شرف زيارته.

فبالنسبة لشخص بمكانة كانا، يعد لقاء متدرب ساحر حدثاً جسيماً، فكيف بساحر مسؤول كامل الصلاحيات.

وافق هيراغ على مقابلة كانا، الذي كان يُعرف بهيبته ووقاره، لكنه وقف أمام هيراغ وجسده يرتجف من شدة الرهبة والتوتر.

سأله هيراغ باقتضاب: "هل تبغي شيئاً ما؟".

أجاب كانا بتذلل وتواضع: "أيها المبجل، بوجودكم الكريم في مدينة البجع، كان لزاماً عليّ أن أتشرف بزيارتكم، وإن كنت قد جئت متأخراً فإني أرجو منكم الصفح والالتماس".

أومأ هيراغ برأسه دون أن يبدي أي انطباع، ثم سأل: "هل لا تزال العائلة الحاكمة لمملكة نورتون تمسك بزمام السلطة في الوقت الراهن؟".

بُهت كانا للحظة، وتصبب عرقاً بارداً، ولم يجرؤ على النطق بكلمة إزاء سؤال كهذا.

فأردف هيراغ قائلاً: "تكلم بملء فيك ولا تخشَ شيئاً، فلا يوجد غيرنا هنا، إنما أريد استيضاح الأمر فحسب".

تردد كانا هنيهة ثم قال: "في هذه الأيام، يتربع الملك ريموند على العرش، وهو ملك شاب حازم، يبسط سيطرته بقوة على أرجاء المملكة، وبيده مقاليد الأمور كافة".

أومأ هيراغ بالموافقة وقال: "هذا حسن، سأذهب لأتبادل الحديث معه".

عرض عليه كانا قائلاً: "بإمكاني رفع تقرير بهذا الشأن، ومن المرجح أن يأتي جلالته بشخصه لمقابلتكم، فلا حاجة لكم بتكبد عناء السفر".

هز هيراغ رأسه رافضاً وقال: "سيكون ذلك وئيداً للغاية، وسينقضي وقت طويل قبل وصوله إلى هنا".

كانت مدينة البجع تقع في أطراف نائية بعيدة عن عاصمة مملكة نورتون، فكانت الرحلة تستغرق نصف عام على الأقل، وانتظار الملك لهذه المدة كان أمراً غير وارد في حسابات هيراج.

أما دافع هيراغ لمقابلة ملك مملكة نورتون فكان بسيطاً: استعادة "وادي دور".

ورغم قدرته على فعل ذلك بقوة السلاح، إلا أن ذلك كان سيخلف وراءه معضلات لا حصر لها، وكان من الضروري تجنب ترك أي مخاطر مستترة قد تهدد عائلة إميل مستقبلاً، مما استوجب معالجة الأمر بحكمة وروية.

وكان السبيل الأمثل هو البدء من رأس الهرم، أي العائلة المالكة؛ وبما أنها تسيطر على المملكة بإحكام، فيمكن تسوية هذه القضايا عبر المسالك الرسمية.

حسم هيراغ أمره في لمح البصر، وما هي إلا لحظات حتى صار على بُعد مئات الكيلومترات، ليبلغ عاصمة مملكة نورتون في قفزات معدودة.

كانت العاصمة تعج بالرخاء، وتكتظ شوارعها الفسيحة بالمارة والعربات.

أبصر هيراغ القصر الملكي على الفور، وبعد ولوجه، عثر على الملك عقب بحث يسير.

كان ريموند، ملك مملكة نورتون، في مقتبل العمر، إذ بدا وكأنه في الثلاثين من خريف عمره، ولم يمضِ على توليه حكم هذه المملكة المترامية الأطراف سوى سنوات قلائل.

فبعد رحيل الملك السابق، تسلم ريموند زمام الحكم وشرع فوراً في إجراء إصلاحات جذرية وشاملة اصطدمت بمصالح الكثيرين.

واجهت مساعيه عوائق جمة، لكن ريموند كان قد أعد لهذا اليوم عدته منذ زمن، متسلحاً بقوة عسكرية ضاربة، فضلاً عن تلقيه الدعم من سحرة وافدين من "قارة كالا".

وأمام تلك القوة الباطشة، تلاشت كل محاولات المقاومة هباءً.

فقد أطاح بالرؤوس المتمردة، وألجم كل صوت عارض توجهاته.

وبفضل تلك القبضة الحديدية، استرجعت العائلة المالكة سطوتها على معظم أقاليم المملكة، على الأقل في الظاهر، وأذعنت لها سائر الأطراف.

كان ريموند في مخدعه يدير شؤون البلاد، وأمامه على المكتب كومتان شاهقتان من الوثائق.

كانت تلك الأوراق ترد إليه من كافة بقاع مملكة نورتون، وتتناول شتى الشؤون، وكان يراجع معظمها بنفسه.

ومع كثرة الأعباء في مملكة شاسعة كهذه، تطلب الأمر مجهوداً مضنياً، مما أبقى ريموند غارقاً في عمله من بزوغ الفجر حتى جنوح الليل.

ولحسن حظه، كان شاباً مفعماً بالنشاط ويمتلك بنية "الفارس العظيم" الصلبة، مما مكنه من الاضطلاع بتلك المهام.

فمن الناحية البدنية لم يكن يشكو وهناً، وإنما كان يعاني فحسب من بعض الإجهاد الذهني.

امتاز ريموند عن أقرانه منذ نعومة أظفاره برجاحة عقل تفوق سنه.

ولإدراكه أنه سيجلس يوماً ما على هذا العرش، استعد لذلك أتم الاستعداد.

فنهل من العلم، وراض جسده، وأتقن فنون الفروسية، بل وحاول ممارسة التأمل الروحي، لكنه اضطر للكف عن ذلك لافتقاره للموهبة الفطرية.

وبينما كان يشيد ركائز قوته السياسية، كان يصبو أيضاً إلى بلوغ أقصى درجات القوة الشخصية.

كان ريموند يمسك بقلمه الريشي، ويدون ملاحظاته بسرعة على رقوق الجلد، حين استشعر فجأة وجود شخص غريب معه في الغرفة.

توقفت يده التي تقبض على القلم، لكنه لم يجزع ولم يصرخ مستنجداً بالحراس، بل استدار برباطة جأش لينظر إلى الرجل الذي انبثق فجأة في الغرفة.

سأل ريموند بهدوء: "سيدي، ما الذي يمكنني تقديمه لك؟".



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط