الفصل 1574: النفي إلى "جولينغ "
كانت كلمات "تشين تشونغ مينغ " حادة ومهددة ، وكأنها نذير شؤم يلوح في أفق "شاو شياو شيانغ ".
لم يملك "شاو شياو شيانغ " إلا أن يشعر بنبضات الخوف تتسارع في صدره ، فسأل بصوت مضطرب "أيها الحاكم تشين ، هل تناهت إلى مسامعك أي أنباء أو إشاعات ؟ "
أجابه "تشين تشونغ مينغ " بنبرة تخلو من المشاعر "حتى لو لم تبلغني الشائعات ، فأنا لست بضرير ، ولي عينان أبصر بهما. لم يمضِ وقت طويل على رحيل أخيك 'شاو شيا شان ' ، ويخيل إليَّ أن دماءه لم تجفَّ بعد في ردهات منزلك ، ومع ذلك تجرأت على إثارة كل هذه الجلبة. و لقد غضَّ الوزير 'تشين ' ورفاقه الطرف عنك ذات مرة ، لكنك أبيت إلا أن تمدَّ عنقك طواعيةً تحت المقصلة. حيث يبدو أن عائلة 'شاو ' قد جنت على نفسها براقش ، وهذا هو المصير الذي استحقته. "
تلعثم "شاو شياو شيانغ " قائلاً "هذا... أيها الحاكم تشين ، أرجوك لا تروعني هكذا ".
ظلت نبرة "تشين تشونغ مينغ " باردة وجامدة "إنما أفضت إليك بكل هذا لأن هذا هو حديثنا الأول ، والأرجح أنه سيكون الأخير ؛ فعلى المرء دائماً أن يدفع ثمن ما اقترفت يداه ".
وبعد أن ألقى كلماته تلك ، أغلق "تشين تشونغ مينغ " الهاتف.
لقد كان قلبه يتلظى بنيران الغضب تجاه "شاو شياو شيانغ " ؛ فلولا مكائده وخسته ، لما انجرَّ ابنه "تشين غونغ ران " إلى هذه العاصفة الهوجاء. ورغم أن "تشين غونغ ران " لم يكن يتسم بالذكاء الكافي إلا أنه لم يكن ليقترف مثل هذه الأفعال الشائنة لولا وجود من يدفعه ويقوده في طريق الضلال.
كان الأمر يشبه تماماً تجارة البشر ؛ فلو خلت الأرض من الخاطفين ، لما ضاع طفلٌ حتى وإن غاب عن بصيرة أهله صدفةً.
ومع ذلك لم يجد في قلبه متسعاً لمجرد صبِّ جام غضبه على رجل يوشك على الهلاك المحتوم. فـ "شاو شياو شيانغ " سيدفع قريباً ثمن دناءته وحماقته ، والقتل أهون من الذل ؛ لذا لم يرغب "تشين تشونغ مينغ " في المزيد من الإهانة ، بل آثر أن يتركه يواجه مصيره بوعي تام.
لقد كان دأبه دائماً أن يُبقي للصلح موضعاً ويترك للآخرين خطاً للرجعة ، خشية أن يجد نفسه يوماً يهوي في الهاوية ذاتها.
بعد ذلك اعتزل "تشين تشونغ مينغ " في غرفته وحيداً ، غارقاً في صمت عميق ، متجاهلاً كل اتصال أو رسالة ترد من "شاو شياو شيانغ ".
وسرعان ما صدرت أحكام وزارة العدل. وفي الموعد المحدد لنشرة أخبار الحكومة الائتلافية ، أطلَّ "سون لين شو " بنفسه عبر الشاشات المنتشرة في الأزقة والشوارع ليعلن النتائج ويضع حداً للتساؤلات أمام الملأ. ولأن القضية قد هزت أركان المنطقة الآمنة بأكملها ، اتسمت إجراءات الاختبار بالصرامة والشفافية ، لتمثل أمام مجهر الشعب ونقده اللاذع.
استغرق "سون لين شو " قرابة العشرين دقيقة في سرد ملابسات القضية من بدايتها ، وتفصيل العقوبات التي أُنزلت بالمتورطين وفقاً لقوانين الحكومة الائتلافية.
"بعد التحقيقات التي أجرتها وزارة العدل في قضية [مخالفات بناء مصنع 'فانغ رونغ ' للمنسوجات والمجزرة الكبرى] ، ثبت أن المتهمين استهانوا بقوانين وقت الحرب في المنطقة الآمنة ، مما أسفر عن مقتل أكثر من ثلاثين من المواطنين الأبرياء في ظروف بالغة البشاعة. ومن أجل بسط هيبة القانون وتطهير الصفوف من بؤر الفساد ، صدر الحكم النهائي التالي ":
" 'شاو شياو جينغ ' ، مديرة مصنع 'فانغ رونغ ' السابقة. ثبت أنها تجاهلت الأوامر الصارمة للحكومة الائتلافية ، وأنشأت المصنع خفيةً ، وأجبرت العمال تحت التهديد على العمل لساعات إضافية مخالفة بذلك إنذارات الخطر من الدرجة الأولى. وقد أدى سلوكها هذا مباشرة إلى مقتل أكثر من ثلاثين شخصاً على يد الغزاة. وبسبب استهانتها بالقانون واستهتارها بأرواح البشر ، حكمت المحكمة عليها بالإعدام مع التنفيذ الفوري. "
" 'شاو شياو شيانغ ' ، والد 'شاو شياو جينغ '. ثبت تورطه خلال فترة الجريمة في تحريض ابنته وإصدار الأوامر لها لممارسة أنشطة إجرامية ، ويتحمل مسؤولية جنائية كبرى عما حدث. تقرر نفيه إلى جبال 'جولينغ ' ، حيث يُلزم بصيد وقتل خمسين إلهاً من الحجم المتوسط بيديه ، ويُمنع منعاً باتاً من دخول المنطقة الآمنة قبل تحقيق هذا الهدف. "
" 'تشين غونغ ران ' ، شريك أساسي في قضية إنشاء المصنع غير القانوني ، حيث تآمر مع المتهمة الرئيسية في التمويل والتشغيل. وبسبب فداحة جرمه ، تقرر نفيه إلى 'جولينغ ' ابتداءً من اليوم ، ويُلزم بصيد وقتل ثلاثين إلهاً من الحجم المتوسط ، ولا يحق له العودة للمنطقة الآمنة قبل إتمام المهمة. "
" 'سون شي ' و 'ليو فو هي ' ، بصفتهما من موظفي الحكومة الائتلافية ، فقد خانا الأمانة واستغلا منصبيهما للتستر على بناء المصنع غير القانوني ، مما يشكل جريمة تقصير في الواجب وتواطؤاً جنائياً. حكم عليهما بالسجن لمدة عام مع العزل النهائي من جميع الوظائف الحكومية وحظرهما من التوظيف مستقبلاً. "
وإلى جانب هؤلاء ، خضع بقية أفراد الطاقم الإداري لمصنع "فانغ رونغ " للاختبار وصدرت بحقهم أحكام متفاوتة.
لم تبتعد نتائج الأحكام عما توقعه "تشين تشونغ مينغ ".
أما "شاو شياو شيانغ " فبعد سماع حكم النفي ، اختار استئناف الحكم أمام المحكمة ، مدعياً أن العقوبة كانت جائرة وقاسية بحقه. و لكن العجيب أنه لم يبدِ أي اعتراض على حكم الإعدام الصادر بحق ابنته ، بل وصل به الأمر إلى منع أي محامٍ من الدفاع عنها ، وكأنه عقد العزم على التضحية بدم ابنته ليشتري لنفسه فرصة أكبر للنجاة.
كان "شاو شياو شيانغ " يتوهم أن الحكومة الائتلافية ستحرص على صورتها أمام العامة ولن تذهب بعيداً في استئصال عائلته عن بكرة أبيها.
وحين رأت "شاو شياو جينغ " وجه والدها القبيح وهو لا يهتم إلا بسلامته الشخصية ، فقدت صوابها وانفجرت غضباً. ففي الأصل كانت هي من ينفذ أوامر والدها وتوجيهاته ، وفي نهاية المطاف ، تجد نفسها تواجه الموت بينما يحصل هو على حكم النفي فقط. ورغم فضل الوالد عليها كانت تنوي الصمت وقبول مصيرها ، لكن سلوك "شاو شياو شيانغ " الأخير مزق آخر وشيجة دم ومودة كانت تربطهما.
صرخت "شاو شياو جينغ " في قاعة المحكمة بصوت متهدج تقطعه العبرات "شاو شياو شيانغ!! إذا كنت تريد موتي بهذه البساطة ، فلن تنجو أنت أيضاً!! "
وسط ذهول الحاضرين ، بدأت "شاو شياو جينغ " في كشف المستور ، ففضحت كيف قام والدها سابقاً بمنع توزيع "البطاطس السوداء " تحت إمرة أخيه ، وكيف دبر عملية اغتيال "لو بو مينغ " سراً.
ولأن "تشين سيو يانغ " قد قتل "شاو شيا شان " بالفعل ، فقد كانت تلك القضية منسية ، لكن كشفها الآن أعاد فتح ملفاتها من جديد. وبالطبع لم يكن التركيز على موت "شاو شيا شان " بل على تورط "شاو شياو شيانغ " في اغتيال مسؤول رسمي في الحكومة الائتلافية.
أمر "سون لين شو " بفتح تحقيق فوري ، ولم تظهر الأدلة تورط "شاو شياو شيانغ " في مقتل "لو بو مينغ " فحسب ، بل كشفت أيضاً عن علاقات مشبوهة مع "طائفة الفناء " وتورطه في تصفية أعضاء من الغرفة التجارية. وبسبب تراكم الجرائم ، عُدل الحكم من النفي إلى الإعدام ، ليُنفذ فيه وفي ابنته في اليوم ذاته.
وبعد إعدام "شاو شياو شيانغ " صودرت جميع أسهم عائلة "شاو " في الغرفة التجارية الائتلافية ، لتُمحى عائلة "شاو " تماماً من خارطة النفوذ في المنطقة الآمنة.
أما "تشين غونغ ران " فقد تقبل حكم النفي ولم يتقدم بأي استئناف ؛ فقد أدرك أخيراً أن الجرم الذي ارتكبه يستوجب دفع الثمن.
وقبل انطلاق قافلة المنفيين تمكن "تشين تشونغ مينغ " من الحصول على خمس دقائق فقط لزيارة ابنه.
ومن خلف زجاج مضاد للانفجار ، رأى "تشين تشونغ مينغ " ابنه الذي كان يوماً ما يختال بكبرياء ، وقد انحنى ظهره كأنه رجل عجوز ، وغابت عنه روح الحياة وهو يجلس منكسراً على الكرسي.
عند سماع صوت الباب ، رفع "تشين غونغ ران " رأسه لا إرادياً ، لكنه بمجرد أن التقت عيناه بعيني والده ، أشاح بنظره بعيداً في ارتباك ، ولم يجرؤ على مواجهته. و لقد خشي أن يرى خيبة الأمل في عيني والده ، وخاف أكثر من مواجهة ثقل دماء الضحايا الثلاثين التي تلاحق ضميره.
نظر "تشين تشونغ مينغ " إلى هيئة ابنه المرتجفة والذليلة ، وشعر كأن صخرة جاثمة على صدره. فلم يكن حال الأب بأفضل من حال ابنه ؛ ففي غضون أيام قليلة ، غزا الشيب رأس الحاكم الذي كان دائماً شديد الاعتناء بمظهره.
تلك النيران التي كانت تشتعل في صدره غضباً على ضياع شرف العائلة ، تلاشت أمام مشهد ابنه المرتجف ، لتحل محلها مرارة الأبوة وحزنها العميق. ساد الصمت بينهما خلف الزجاج ، صمتٌ جنائزي لم يقطعه سوى كلمات "تشين تشونغ مينغ " المنخفضة "إذا وصلت إلى 'جولينغ ' ، فلا تتهور. ابحث عن الآلهة الوحيدة واصطدها ببطء ، صبراً صبراً. اجمع الثلاثين إلهاً... وعُد إليَّ حياً ".
انهمرت دموع "تشين غونغ ران " بغزارة ، وظل مطأطأ الرأس ، يومئ لوالده بصمت وهو يهمس "نعم... سأفعل يا أبي... أعدك ".