الفصل الرابع والسبعون بعد المئة: لستَ سوى سقطِ متاعٍ لا قيمة له
«إنه "أباديون " ؛ أخي قد وطئت قدماه المكان». هكذا همس "أدريك " لـ "ناريكا " وهما يقفان خلف الباب ، يصيخان السمع لكل ماذا يجري في الخارج. لم يدرِ كيف عثر عليه أخوه ، لكن الأمر قد قضي على أية حال ولم يعد أمامه سوى وضع خطة سريعة.
لم يكن بمقدوره إنقاذ "ناريكا " والقرويين في الخارج بمفرده ، فهو يجهل عددهم ، ولكن بما أنه لم يسمع أصوات الآخرين ، أدرك أن القادم هو "أباديون " وحده ، فهو الوحيد من بين إخوته الذي يضمر له نية القتل.
قالت "ناريكا " لـ "أدريك ": «أنا أعرفه ، لقد زارني ذات مرة في منامي وحاول غرس أنيابه فيّ». كان شقيقه أول شيطان رأته ، وقد التبس عليها الأمر وظنته "أدريك " حينها. حيث كان ذاك الوغد معتوهاً حقاً ؛ لم يكتفِ بمحاولة قتلها في حلمها تلك الليلة ، بل أراد وسمها أيضاً.
لم تكن "ناريكا " حمقاء ، فقد أدركت ما يعنيه أن يقوم شيطان -ليس رفيقها- بوسمها ؛ فالأمر يشبه تماماً تقاليد المستذئبين ورفقاء الروح. إن شقيق "أدريك " مجنون حقاً ، إذ حاول وسمها في عالم الأحلام.
همست له "ناريكا ": «ماذا سنفعل ؟ لا أعرفه حق المعرفة ، لكن من الواضح أنه ليس رجلاً طيباً».
أجابها "أدريك " وهو يحيط وجهها بكفيه: «لا توجد صيغة جمع هنا ، لن تخرجي معي إلى هناك. المكان محفوف بالمخاطر ، ولا أستطيع تحمل لوعة فقدانك».
احتجت قائلة: «ماذا تقصد ؟ يمكنني تدبر أمري يا "أدريك " أنت تعلم ذلك جيداً».
رد عليها: «كلا ، لا يمكنكِ. لقد جاؤوا من أجلكِ بقدر ما جاؤوا من أجلي. لا أعلم متى سأراكِ ثانية إن اختطفوكِ مني ، لذا كوني فتاة مطيعة واهربي عبر الباب الخلفي ، وانتظريني في الطرقات خلف القرية ، وإن لم أعد خلال...»
قاطعت "ناريكا " قوله معترضة: «كلا ، لن أرحل ، لن أتركك خلفي يا "أدريك "».
فقال لها: «اسمعيني يا صغيرتي ، لن يصيبني مكروه ، سأكون بخير ، خذي...» ناولها المسدس وتابع: «صوّبي نحو القلب مباشرة ، فهذه هي السبيل الوحيدة للتخلص منهم. سأكون بخير».
حاولت "ناريكا " الاعتراض ثانية: « "أدريك "...» ، لكنه أسكتها.
«اذهبي يا "ناريكا ". إن لم أعد خلال خمس عشرة دقيقة ، فارحلي. عاهديني ألا تدعيهم يظفرون بكِ. إن والدي ليس رجلاً صالحاً يا "ناريكا " ولا يمكنني المخاطرة بوجودكِ هناك في الجحيم».
ذكرته قائلة: «لكنه سيؤذيك».
فأجابها: «لكنني شيطان ، وقواي معي. أما أنتِ ، فلا تزالين تصارعين للسيطرة على قواكِ. لذا عليكِ الرحيل الآن». طبع قبلة على جبينها ومسح الدموع المنهمرة على وجنتيها ، ثم أردف: «حافظي على حياتكِ مهما كلف الثمن ، سألحق بكِ لاحقاً» ، ثم دفعها للمغادرة.
تراجعت "ناريكا " بخطى وئيدة ، مما أثار حنقه ، فصاح بها آمراً: « "ناريكا " ارحلي فوراً!» ، فانتحبت قبل أن تستدير وتشق طريقها نحو الخارج.
راقبها وهي تبتعد حتى غابت عن ناظريه ، فلم يشأ أن يرتكب خطأ بتركها تختبئ ثم تظهر لاحقاً فتضع حياتهما في مهلكة.
وعندما تيقن من رحيلها ، تناهت إلى مسامعه صرخة "ليلى " فلم يضع ثانية واحدة واندفع فاتحاً الباب ليرى المئات من جنود والده ، وبصحبتهم "أباديون " وذاك الوغد الآخر الذي أبقى على حياته ليوصل رسالة لوالده ، يقفون جميعاً على مسافة منه.
حذره "أدريك " قائلاً: «أطلق سراحها يا "أباديون "» ، فبادر الأخير فوراً بدفع "ليلى " نحو والدتها قبل أن يلتفت لمواجهته.
ضحك "أباديون " بتهكم وهو يرى "أدريك " بملابس العامة: «لقد مضى زمن طويل يا أخي. تبدو في حالة مزرية». ولكن في نظر "أباديون " هذا هو قدره وهذا هو مكانه الصحيح ؛ مجرد صعلوك حاول انتزاع ما ليس له ، وسيفضل الموت على أن يراه يحقق تلك النبوءة مع تلك الفتاة.
رأى "أدريك " نظرات القرويين نحوه ؛ ففي عيون بعضهم رعب ، وفي قلوب آخرين بصيص أمل بأنه سيخلصهم. و لكن ما لم يدركوه هو أنه يفعل كل هذا من أجل "ناريكا " وحدها ؛ إنه يشغلهم بنفسه ليبقى بالهم مشغولاً عنه ، فلا يبحثون عنها.
اقترح "أدريك ": «دع القرويين وشأنهم ، لا ناقة لهم في هذا ولا جمل» ، ولكن متى كان "أباديون " ممن يصيخون السمع لآراء الآخرين ؟
قال ساخراً: «ولماذا أفعل ذلك ؟» ، ثم نظر خلفه ، وعلت وجهه عبسة حين لم يجد "ناريكا ": «أين هي تلك الساحرة الصغيرة ؟»
انقبضت قبضة "أدريك " حين سمعه يتحدث عن "ناريكا " ؛ فقد أثار حنقه أن يتفوه شخص بمثل صفاته باسمها.
اقترب "أباديون " منه قائلاً: «أنت حقاً لا تدرك عاقبة ما تفعله يا "أدريك ". مهما تمادت في هربها ، فلن يهدأ لوالدي بال حتى يظفر بها ، وحينها أتدري أين سيكون مكانك ؟» لم يكن "أباديون " يخشى ما قد يفعله "أدريك " بل كان مستعداً لكل ما قد يواجهه به.
أضاف "أباديون " متهكماً في النهاية: «سيكون مكانك في غياهب السجن ، لأنك خائن غدر بوالده. لست سوى هجين وسوف تظل هجيناً أبد الدهر. أنت لا شيء يا "أدريك " ولن تكون أبداً سوى سقطِ متاعٍ لا فائدة منه».
وفي خضم ذلك تسلل "عاموس " خفية للبحث عن "ناريكا " بينما لم يُظهر "أدريك " أي تأثر بكلمات "أباديون " لإثبات عدم مبالاته.
قال "أدريك ": «قد أكون هجيناً ، ولكن تذكر يا "أباديون " أن هذا الهجين هو المختار ، ولست أنت يا وصمة عار والدك...». لم يتمكن "أدريك " من إكمال جملته قبل أن يسدد "أباديون " لكمته الأولى ، لتنفجر بينهما معركة ضارية.
زمجر "أباديون ": «مُت أيها الحثالة!» ، وبرزت مخالبه الطويلة المدببة وهو ينقض على "أدريك " بكل قوته ، لكن "أدريك " أحسن تفادي ضرباته حتى انبثقت قوة قادمة من كبد السماء فصلت بينهما ، فهوى كلاهما أرضاً.
كان النور الساطع يخطف الأبصار ، مما أجبر الجميع على إشاحة وجوههم حتى عاد الضياء إلى مستواه الطبيعي ، وعندها رأوا "ميكائيل " و "كامايل " و "أوريغون ".
لعن "أباديون " حظه ، ثم صفر لرجاله ليهاجموا الملائكة ، بينما حاول سحب "أدريك " للأعلى ، لكن "أوريغون " دفعه بعيداً. صاح "أباديون " متسائلاً: «أتتعاون مع "قصر الكريستال " ؟» ، فقد كان يعلم يقيناً أن "أوريغون " كان في صف والده حتى تلك اللحظة.
ناداه "أدريك ": «أبي...»
قاطعه "أوريغون " على الفور: «عليك الرحيل».
حاول "أباديون " النهوض للهجوم ، لكن "أوريغون " قد ازداد قوة في الأيام القليلة التي غاب فيها ، فسقط "أباديون " أرضاً في توه.
قال "أوريغون " بلهجة قاطعة بينما كان "ميكائيل " و "كامايل " يضيقان الخناق عليهم: «لقد جاؤوا من أجلك ، لكني لا أستطيع قتلك. عليك أن تأخذ الفتاة وتهرب يا "أدريك " سأتولى أنا كبحه». ولم يكن الشياطين سوى وسيلة لإلهائهم.
التفت "أدريك " نحو "أوريغون " ثم نحو "أباديون " الذي كان يرمقهما بنظرات حاقدة. أمر "أوريغون ": «ارحل!» ، فلم يضع "أدريك " وقتاً وانطلق يبحث عن فتاته حيث أمرها أن تنتظره.