**الفصل الخمسون: الكلب المسكون بشهواته**
لم تكن ركلات سو شوان ولكماته صادرة عن شخص عادي ؛ فقد كانت ضرباته أسرع وأقسى من أن تُحتمل. وقف "الجمهور " المحيط بالمشهد في حالة من الذهول التام ، متسائلين في أنفسهم: هل يوجد في هذا العالم مَن يمتلك مثل هذه القوة والمهارة الفريدة ؟
لكن ما لم يدركه هؤلاء هو أن سو شوان قد جاب في دهاليز سنوات مظلمة ، ولامس الموت مرات لا تُحصى ، فهذا المستوى من البراعة القتالية لا يكتسبه المرء من حياة عادية. والأكثر إثارة للإعجاب هو أنه خلال دقيقتين أو ثلاث من النزال كانت ضربات سو شوان موجهة بدقة متناهية ، ومُسيطر عليها ببراعة تقترب من الكمال ؛ فلم يُصب أحد من الحشود بأذى ، بينما كان موظفو البلدية جميعاً ملقين على الأرض يئنون من الألم.
نفض سو شوان كتفيه ، وقبض على قامته القوية وهو يقفز من فوق إحدى البسطات ، ثم سخر ببرود وعيناه تجولان باحتقار فوق موظفي البلدية الممددين "هذا هو مستواكم المتواضع في القتال وتعملون موظفيية ؟ لا تسيئوا لهذه المهنة أكثر من ذلك! "
كانت النتيجة مطابقة تماماً لتوقعات سو شوان ، ولم يكن هناك سوى خطأ عارض واحد ، وهو الإطاحة غير المقصودة ببسطة لبيع خبز "الفطائر " كانت تديرها عجوز منحنية الظهر. لم تغضب العجوز قط ، ورغم تحطم بسطتها وتناثر الخبز في كل مكان إلا أنها ارتسمت على وجهها ابتسامة ارتياح وحماس ، فقد رأت في سو شوان بصيصاً من العدالة.
"أعتذر منكِ يا جدتي على ما حدث لبسطتك. خذي هذا المال كتعويض " قال سو شوان وهو يخرج خمسمئة يوان ويدس الأوراق النقدية الجديدة في يد العجوز.
قالت العجوز بصوت واهن وهي تمسك يد سو شوان بارتجاف "لا ، لا ، لا حاجة للمال يا بني ". ورغم رفضها ، أصرّ سو شوان على وضع المال في يدها ، ثم التفت نحو "تشانغ تشيهوي " المرتعد وقال ببرود "لا تستغفل الناس ، وتذكر أنك موظفية. إن رأيتك مرة أخرى ، فلن أتردد في تلقينك درساً قاسياً ".
تحرك سو شوان جانباً والتقط حقائبه المتناثرة ، ثم قطّب حاجبيه ؛ فالتوقيت على هاتفه ذكره بأنه إن لم يستعجل ، فسيُفوت فرصة مفاجأه "لين مينغرو " بعيد ميلادها.
قال له رجل مسن بنبرة قلقة محذراً "يا بني ، لقد ضربت موظفي البلدية ، ستجلب لنفسك المتاعب بلا شك ". التفت سو شوان إليه بدهشة ، ثم ابتسم باستسلام وأجاب "لقد ضربتهم بالتحديد لأنهم موظفوية ".
في عجلة من أمره للوصول إلى منزل لين مينغرو ، انتاب سو شوان القلق وهو في سيارة الأجرة: ماذا لو لم تكن مينغرو في المنزل ؟ ألن تضيع خطة المفاجأة ؟
لم تكن لين مينغرو تهتم كثيراً لعيد ميلادها في ظل غياب أختها كانت مستلقية على الأريكة تشاهد التلفاز يغمرها شعور خافت بالفقد حتى دُق الباب فجأة.
"مينغرو ، إنه أنا! جئت لأقدم لكِ هدية عيد الميلاد! "
ومضت الدهشة في عيني لين مينغرو ، ترددت قبل أن تنهض وتفتح الباب ، لتجد رجلاً وسيماً يرتدي بدلة يقف في الخارج ، حاملاً باقة كبيرة من الورود وعلبة مربعة صغيرة في يده اليسرى.
"ليو بين ؟ " شعرت لين مينغرو بالانزعاج ، وزاد شعورها بالصدمة: كيف وصل إلى هنا ؟
مال "ليو بين " بجسده نحو الداخل بابتسامة متملقة ، قائلاً بحماس "مينغرو ، جئت خصيصاً من أجل عيد ميلادك! هذا لكِ! " وفي عجلته ، فتح العلبة المربعة ليكشف عن خاتم ألماس يتلألأ. لم يدخر ليو بين جهداً أو مالاً لكسب ودّها.
اضطرت لين مينغرو للسماح له بالدخول وهي تشعر باستياء شديد ، نظرت إلى الورود والخاتم بملامح باردة وقطبت حاجبيها "لا أريده ، خذه معك ".
ارتبك ليو بين وقال "كيف ذلك ؟ لقد اشتريته كله لأجلك! " كان يطاردها منذ أكثر من عام ، مستخدماً كل أساليب الإلحاح ، لكنه لم ينجح قط ، ولم يفهم ما الذي ينقصه.
قالت لين مينغرو بوجه يملؤه الضجر والاشمئزاز وهي تستدير متجهة إلى غرفة المعيشة "لقد أخبرتك مرات لا تحصى ، لا أمل بيننا. و من الأفضل أن ترحل الآن ".
في تلك اللحظة ، تشكلت في عقل ليو بين فكرة شيطانية ؛ فقد كان مهووساً بها إلى حد الجنون والارتياب. وقف مذهولاً لبضع ثوانٍ ، وحين رأى أنها وحيدة في الغرفة ، سيطر عليه عشق يائس واندفع نحوها بلا سيطرة.
باغت الهجوم لين مينغرو ، فأوقعها ليو بين على الأريكة ، وظهر الذعر والخوف على وجهها. لحسن حظها كانت تتقن "التايكواندو " وتمكنت من دفع ليو بين بعيداً.
"يا وغد! لا تقترب أكثر! اخرج! اخرج فحسب! "
نهضت لين مينغرو مرتجفة ، لكن ليو بين اقترب منها وحاصرها عند الحائط. حيث كان وجهها مزيجاً من الخوف والغضب وهي توبخه بقوة. وفي تلك اللحظة ، انكشفت طبيعته القبيحة ، وظهرت نظراته الشهوانية المشبعة بالغل لأنه لم يمتلكها ، وقال "أتعلمين كم أحبك ؟ "
"ابتعد! أيها الوحش! " بذلت لين مينغرو كل قوتها لضرب ليو بين الذي كان يضغط عليها ، وكان اليأس يملأ وجهها ؛ فقد شعرت بألم عميق ، معتقدة أن نهايتها قد حانت.
"النجدة! " استغاثت لين مينغرو غريزياً بينما كانت يد ليو بين تحاول استغلال الفرصة مجدداً.
عند وصوله إلى درج البناية قد سمع سو شوان صرخات خافتة قادمة من الغرفة ، وظهرت الدهشة على وجهه. لم يتردد للحظة ، وركل الباب الموصد بقوة ، لتصل أصوات الغرفة بوضوح إلى مسامعه ؛ صوت رجل خشن يقول "أنا أحبك.. لا ترفضيني ؛ سأحبك كما ينبغي! "
"تحب أمك! " اندفع سو شوان للداخل ، ورأى ذلك الرجل سيئ النوايا يحشر لين مينغرو في زاوية الحائط ، بينما كانت هي تحاول التحرر ، وطغى غضب عارم على شعور المفاجأة في قلبه.
سمع الرجل شتيمة سو شوان فالتفت بعنف ، وكان وجهه يقطر ذعراً ، وعيناه المحتقنتان بالدم تشتعلان غضباً وهو يحدق في سو شوان المتقدم نحوه. لم يرغب سو شوان في قول المزيد ، فلم يكن هناك داعٍ لإضاعة الكلمات مع وحش كهذا. بادر سو شوان بالهجوم بسرعة البرق ، قبض على ياقة قميص الرجل ، وانهالت قبضته اليمنى بوحشية على وجهه.
تطاير اللعاب والدماء من فم الرجل ، مما ترك لين مينغرو في حالة ذهول تام. ذلك الوجه الذي كان يبدو ناعماً قبل ثوانٍ أصبح مشوهاً بفعل سلسلة من اللكمات الثقيلة. لم تكن هناك فرصة لأي رد فعل ، إذ أصبح الرجل يتنفس بالكاد.
"توقف عن ضربه! " شعرت لين مينغرو برأسها ينفجر من شدة الصدمة ، والمشهد الدامي وألمها الذي لا ينتهي جعلها تغطي رأسها وتصرخ. لو تأخر سو شوان بضع ثوانٍ أخرى ، لما كان ليو بين ليحظى بفرصة للوصول إلى المستشفى.
توقف سو شوان بضجر وركله بعيداً عن الأريكة ؛ تدحرج ليو بين لمسافة طويلة على الأرض. و قال سو شوان ، ووجهه محمرّ وأذناه تكادان تخرجان بخاراً من الغضب الخارج عن السيطرة "لقد لقنته درساً لن ينساه! " كان يستطيع تحمل الكثير ، لكن ما فعله هذا الرجل تجاوز كل خطوطه الحمراء.
"آه! " انطلقت صرخة حادة في أرجاء المكان ، معبرة عن قسوة بالغة ، إذ داس سو شوان على ركبة ليو بين اليسرى ، سُمع صوت كسر العظم "طقطقة " لكن الصرخات لم توقف سو شوان ؛ بل زاد من ضغط قدمه.
قال سو شوان ببرود وعيناه مظلمتان تهددان ذلك المتعذب "كسر ساقك هو أقل عقاب لك ". كانت حدقتا عيني ليو بين قد اتسعتا من شدة الألم. لو لم يُنقل إلى المستشفى فوراً ، فقد يقضي بقية عمره على كرسي متحرك.
قرفص سو شوان ، أمسك بشعر ليو بين ، وبيد أخرى أمسكه من كتفه وجره ككيس من القمامة. سحبه بسرعة إلى درج البناية ، نزل طابقين ، وألقى به عند زاوية ، ثم بصق على بدلة ليو بين.
"لقد تجرأت ولمست امرأتي " توقف سو شوان لثانيتين ثم تابع "إن رأيتك مرة أخرى ، سأقتلك ".
أخرج هاتفه وطلب الإسعاف ، وتحدث ببرود ، معطياً العنوان لمركز الطوارئ ، مكتفياً بالقول إن هناك شخصاً مصاباً بجروح خطيرة سيفارق الحياة إن لم يتم إنقاذه فوراً.
ساد الغرفة صمت مرعب ؛ كانت خطوات سو شوان المقتربة تملأ لين مينغرو بالخوف ، مما جعلها تنكمش على نفسها كطائر مذعور ، في حالة من الرعب أسوأ من أي كابوس.
"هل أنتِ بخير ؟ " سأل سو شوان بنظرة قلقة وهو يحدق في لين مينغرو المذهولة ، بعد صمت قصير ، شعر فيه ببعض الحرج.
كان الحادث مفاجئاً لدرجة أن الأمر استغرق عدة دقائق حتى تستعيد لين مينغرو وعيها ، وأجابت ببطء وعيناها فارغتان "نعم ".
صبّ سو شوان كوباً من الماء الساخن لها ، وأحضر لها سترة من الغرفة كانت تصرفاته الرقيقة هي أفضل ما يواسيها.
"سأذهب لأعدَّ لكِ الطعام ". بعد أن قال ذلك نهض سو شوان وتوجه إلى المطبخ. حيث فكر في هدية عيد الميلاد التي اختارها بعناية ، وقرر ألا يفتح سيرتها ، فكراهيته للرجل تتصاعد: لقد أفسد ذلك الوحش أجواء عيد الميلاد بالكامل!
في أقل من ساعة كانت أطباق سو شوان الشهية جاهزة على مائدة الطعام تملأ غرفة المعيشة بعبيرها. اقترب سو شوان من الأريكة وقال "هل تشعرين بتحسن ؟ تعالي لتأكلي ".
بعد كل ذلك الصدمة والخوف ، شعر جسدها بالجوع بشكل طبيعي ، خاصة مع الرائحة المغرية للطعام. بدت لين مينغرو أكثر استرخاءً حين نهضت لتتبع سو شوان.
حلَّ عشاء صامت ، وبدا الوقت وكأنه يتباطأ. علم سو شوان أنه لا يجب عليه استجوابها ما لم ترغب هي في الحديث. و بعد العشاء ، قام سو شوان بغسل الأطباق كربّ بيت مثالي ، وبدأ غضبه يتلاشى ، وشعر بارتياح داخلي: لورد ضارة نافعة ، على الأقل لم ينجح ذلك الوحش في فعلته.
بعد الثامنة مساءً كان الاثنان جالسين في غرفة المعيشة لأكثر من ساعة ؛ جلس سو شوان بصمت ، يرتشف الشاي أحياناً حتى نطقت لين مينغرو أخيراً. حيث كانت ملامحها متصلبة وباردة ، وكلماتها مثقلة بالحزن ، وتلك العيون الفاتنة لا تزال مسكونة بألم متبقٍ ، فأخبرته بما حدث قبل وصوله.
لم ترغب في التمادي أكثر ، وشعرت أن كسر ساق ليو بين كان فيه قدر من ضبط النفس. ولكن بعد سماع روايتها ، فاض غضب سو شوان من جديد. فقتل رجل كهذا سيكون خدمة للمجتمع.
"ذلك الكلب المسكون بشهواته ، سأجده غداً! " أنهت لين مينغرو كلامها ، فصفع سو شوان الطاولة بقبضته غاضباً ، وهدر بصوت منخفض.
استذكرت لين مينغرو ضراوة هجوم سو شوان الذي رغم قسوته ، لامس قلبها بعمق ؛ ومع ذلك لم ترغب في أن يلاحق سو شوان "تشاو زيوي " لأن الأمر لا يستحق.
لم يبدُ على سو شوان أي خوف ؛ فقد كان مدركاً أن فعلة "تشاو زيوي " كانت محاولة اغتصاب لم يكتب لها النجاح ، وحتى لو أُعطي مئة ضعف من الشجاعة ، فلن يجرؤ على إبلاغ الشرطة بأنه تعرض للضرب.
توسلت إليه لين مينغرو بألم "عِدني ، دعنا نتصرف وكأن شيئاً لم يحدث.. ولا تخبر أختي أيضاً ".