Switch Mode

أنا عنكبوت وماذا في ذلك؟ 514

الفصل الماضي ، القوس الثالث


بخطى ثقيلة، سار الناسُ متجنبين ركام الأنقاض، يتصدرهم رجلٌ يرتدي حلةً غطاها الغبار، بعد أن كانت لتبدو ناصعةً تماماً في الأحوال العادية. أما من تبعوه فكانوا غارقين في الأوحال مثله، ووجوههم ترتسم عليها معالم اليأس. فإلى غاية اليوم السابق، كانوا ينعمون بالسلام، ولكن في هذا اليوم، تبدد ذلك السلام فجأة؛ سُويت المباني بالأرض، وانقلبت الطرقات والتربة رأساً على عقب، وتناثرت الأسلحة التي كان يُفترض بها صد الدمار في كل مكان. وفي خضم هذا المشهد الجحيمي، برز شيء واحد بشكل لافت للنظر، كأنه يخترق مبنىً سكنياً شاهقاً: جثة تنين.

تكررت مشاهد مماثلة في شتى أنحاء العالم؛ فجأة، كشرت التنانين عن أنيابها في وجه البشرية. وأمام تلك القوة الغاشمة، لم يكن بوسع بني البشر فعل الكثير. فحتى باستخدام الأسلحة المصنوعة من كميات وفيرة من طاقة "MA" (إم إيه) التي طورها "بوتوماس"، لم يكن من الممكن مجابهة التنانين. وحتى مع وجود أسلحة تفوق أي شيء تم ابتكاره حتى ذلك الحين، كان أقصى ما يمكنهم فعله هو تأخير التنانين لفترة وجيزة. ومع ذلك، فمن خلال كسب تلك الهنيهات، التي كانت كافية لتقليص حجم الضرر حتى وصول "سارييل"، يمكن القول إن استخدام تلك الأسلحة لم يذهب سدى. ولكن تلك الأسلحة ذاتها هي التي أشعلت فتيل غضب التنانين.

أما عن سبب هجوم التنانين المباغت، فقد أدركه الناس تدريجياً مع مرور الوقت، جنباً إلى جنب مع حقيقة ماهية ما يُعرف بطاقة "MA" التي كانوا يستهلكونها. ولم يطرق مسامعهم ذلك إلا من التنانين أنفسها التي ارتكبت تلك الفظائع. وفي البداية، حاول كبار المسؤولين في الدول التي كانت تروج لاستخدام طاقة "MA" طمس الحقيقة، ولكن بفضل تطور وسائل الاتصال العالمية، لم تصمد محاولاتهم لإسكات الأفواه طويلاً، وبدأت الحقيقة تتسرب شيئاً فشيئاً.

ومع ذلك، لم يستطع الناس التخلي عن طاقة "MA"، ولو لم يكن هناك من سبب سوى حماية أنفسهم من بطش التنانين. ففي مواجهة سطوة التنانين، لم يكن يملكون الكثير للمقاومة، ومع ذلك، كان ذلك القليل أفضل من العدم. ومن سخرية القدر أنه للاستفادة من تلك المقاومة الضئيلة، لم يكن بوسعهم تحاشي استخدام طاقة "MA". ثم انتظروا الخلاص متمثلاً في "سارييل".

إلى جانب حقيقة طاقة "MA"، شاع بين الناس أن وجود "سارييل" هو ما ينقذ البشرية؛ فـ "سارييل" وحده كان القادر على مقارعة التنانين. ولذا، غدا السبيل الوحيد للمقاومة أمام الناس هو كسب الوقت ريثما يصل "سارييل" على عجل.

ومع ذلك، كان الدمار شاسعاً؛ دُمِّرت مدن لا حصر لها، وقضى الكثيرون نحبهم، وفقد الناجون مأواهم. وأدركوا حينها مدى قسوة التنانين، وكأنها تجسيد لسطوة غاشمة لا تعرف المنطق. وعرفوا طعم اليأس لعجزهم التام عن المقاومة.

واجه هذا اليأس كائنان؛ أحدهما "سارييل"، الكائن الوحيد القادر على مواجهة التنانين ومنقذ البشرية، والآخر هو "بوتوماس هاري فيناس"، مكتشف طاقة "MA" والمسبب الرئيسي للوضع الراهن. ولذلك، كان قد استبق هذا الوضع، فاستعد على عجل لمواجهة التنانين مسبقاً.

بطبيعة الحال، كان "بوتوماس" على دراية تامة بماهية طاقة "MA"، بما في ذلك تبعات استخدامها، واحتمالية محاولة التنانين و"سارييل" منعها. وتحسباً لذلك، سارع "بوتوماس" إلى تطوير الأسلحة؛ ففي خضم سعيه الدؤوب لتحقيق الشباب الدائم وطول العمر، نشر مخططات الأسلحة في دول عديدة، ظناً منه أن هذه الدول ستتولى تصنيع ترسانتها بنفسها. وبدأت الدول التي وضعت يدها على طاقة "MA" الأبدية في ابتكار الأسلحة للتنافس فيما بينها، سعياً منها للبقاء متقدمة بخطوة على قريناتها. وعلى الرغم من أن "بوتوماس" كان مطلوباً دولياً، إلا أن عبقريته كانت ذات قيمة لا تُقدر بثمن، ولهذا السبب دعمته دول عديدة سراً مقابل نيل جزء من علمه، دون أن تدرك أنها كانت ترزح تحت سيطرته تماماً.

وهكذا، تم تشييد شبكة دفاعية مضادة للآلهة. وإن كان ثمة خطأ في حسابات "بوتوماس"، فهو أن التنانين تحركت بشكل غير متوقع في وقت مبكر، وأنه استخف بقدراتها القتالية؛ فقد كان قد قدر أنه حتى لو لم تكن الأسلحة التي طورها بنفسه قادرة على سحق التنانين، فإنها على الأقل ستخوض معركة متكافئة. ومع ذلك، وبالنظر إلى النتائج، فبدلاً من تقديم أداء جيد، كان كسب الوقت هو غاية أمانيهم. ومع ذلك، وبفضل التعزيزات المتمثلة في "سارييل"، كان لوجودهم ثقل وأهمية؛ فلو لم ينحز "سارييل" إلى جانب البشر، لكان الصراع قد انتهى بإبادة البشرية عن بكرة أبيها.

بهذا المعدل، كان "بوتوماس" سيُقتل على يد التنانين في نهاية المطاف. ومع شعوره بخطر الموت المحدق، ضاعف جهوده في أبحاثه؛ فلم يكن يتهاون في ذلك قط، ولكن أمام رعب الفناء الوشيك، تخلى "بوتوماس" عن آخر ما تبقى لديه من وازع عقلاني، ولجأ إلى تجارب أكثر تطرفاً وفظاعة. وأخيراً، نجح في تحويل الكائنات الحية إلى طاقة "MA". ثم باستخدام طاقة "MA" المستخرجة في تجارب التطور، مكن "بوتوماس" نفسه من التطور بطريقة تختلف عن أي نمط تطوري سابق. وبالتركيز على أسلوب تطوري لإطالة العمر، نجح في نيل عمر مديد يتجاوز بمراحل أي تحسينات تطورية سابقة، فاستحال إلى نوع سيُطلق عليه اسم "الجان" في العصور اللاحقة.

ومع ذلك، وحتى مع طول عمره، ظل خطر التنانين قائماً وبقوة؛ فمهما حصدت "سارييل" من أرواح التنانين، فسيُباد بنو البشر قبل القضاء على جميع التنانين، حيث كانت "سارييل" تقاتل وحدها في مواجهة جحافل التنانين. وبعد إجراء هذه الحسابات، آثر "بوتوماس" الفرار بدلاً من المقاومة، فقرر اللجوء إلى الفضاء وسارع الخطى لتحقيق مأربه.

لكن لحسن الحظ، أو ربما لسوئه، لم ينطلق "بوتوماس" إلى الفضاء؛ فقبل ذلك، كانت التنانين قد غادرت بالفعل بعد أن استنزفت طاقة الكوكب بالكامل حتى الثمالة.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط