الفصل 107: إله الموت العابر
اندفع الناس من الحانة في صخبٍ وضجيج ، وأتبع كولين ورفاقه الحشود ، مسرعين الخطى خارج الحانة ليصعدوا إلى سور المدينة. وبحلول الوقت الذي وصلوا فيه إلى الأعلى كان السور قد اكتظ بالناس عن بكرة أبيهم.
وباتباع نظرات من حوله ، وجه كولين بصره نحو نفس الوجهة. وبالقرب منهم كانت جميع السفن التي كانت راسية في نهر "تورنت " قد تراجعت إلى الميناء. وفي الأفق البعيد كانت سفينة ضخمة تقف ساكنة على صفحة "البحر اللانهائي ".
لم يكن تصميم السفينة يشبه المراكب الشراعية المعتادة ؛ فقد صُنع هيكلها من عظام مخلوق هائل ، وشُيد بدنها من ألواح خشبية سوداء فاحمة مجهولة المصدر. وبنظرة عامة كانت تبدو كسفينة عادية ، لكنها بدت غريبة في الوقت ذاته ؛ إذ كانت تمنح شعوراً بأنها بعيدة جداً وقريبة في آنٍ واحد ، مما أثار اضطراباً في إدراك المسافات.
سألت أورايليا "هل هم قراصنة ؟ أم نوع آخر من الأشرار ؟ "
عقد كولين حاجبيه وقال "انتظري ، هناك شيء غير صحيح.. الأمواج تتلاطم ضد السفينة ، لكن البدن لا يتحرك قيد أنملة ".
وما إن كاد ينهي جملته حتى برزت عدة أشكال على سطح السفينة ؛ كانوا مجموعة من الرجال طوال القامة وضخام الجثث ، ذوي بشرة زرقاء ، يرتدون ملابس فروية سميكة حِيكت عليها عظام متنوعة الأشكال للحماية. وبعد أن ظهرت المجموعة ، أدرك كولين موضع الخطأ ؛ فالأمواج المتلاطمة تحت السفينة لم تكن تلامس حتى رُكَبهم!
سحب كيس قوسه الطويل وقال "حسناً ، هذا رائع يا رفاق. هؤلاء هم "عمالقة الصقيع " تخصص منطقتي في هذا العالم قد وصل! "
رد كولين "كنت أتمنى حقاً أن تخبرني بأنك تمزح ".
سفينة صغيرة خفيفة في "مدينة الصواري الألف " يبلغ طولها حوالي أربعين متراً ، وهي سفينة حربية لـ بني آدم الذين يبلغ متوسط طولهم متراً وثمانين سنتيمتراً. فبالنسبة لعمالقة الصقيع الذين يبلغ طول الواحد منهم ستة أمتار ونصف ، كم يجب أن يكون طول سفينتهم الحربية ؟ مئة وعشرون متراً ؟ أم مئة وخمسون ؟
'تلك السفينة بحجم قلعة صغيرة ، فكيف لنا بحق الجحيم أن نواجه هذا ؟! '
لم يستطع بعض الواقفين على السور الصمود أكثر ، فرفعوا أقواسهم الطويلة وأطلقوا السهام نحو السفينة العملاقة في البحر ، لكن السهام تناثرت من السور وسقطت بلا حول ولا قوة في الماء. حيث كانت رياح البحر تعوي كأنها تسخر من ضعف الفانين وعجزهم. وفي الوقت ذاته كان الواقفون على السور يرون بوضوح عمالقة الصقيع على سطح السفينة وهم يركبون سهامهم على أقواسهم.
"انبطحوا! "
سمع صرخات متفرقة من حوله. سحب كولين رفيقيه بسرعة إلى الأسفل ، لكنه كان يشك كثيراً في متانة التحصينات التي أمامهم.
اخترق صرير حاد الهواء من بعيد ، ومع دويٍّ صمّ الآذان ، بدأ جزء من السور بالاهتزاز ، وشعر كولين بأحشائه ترتجف من وقع الصدمة. امتلأ الجو بخليط من اللعنات والصلوات ، لكن ما جاء من البعيد لم يكن صرخة حرب ، بل كان ضحكات مجلجلة.
ثبّت كولين جسده مستنداً إلى السور ونظر بحذر. ومن خلال الغبار المتصاعد ، استطاع أن يرى بوضوح أن العمالقة لم ينتهزوا الفرصة للاقتراب ، بل أداروا سفينتهم وأخذوا يبحرون مبتعدين. وعند رؤية ذلك تنفس الجميع على السور الصعداء.
وبعد أن ابتعدت سفينة العمالقة وهدأت أمواج البحر ، بدأ الناس ينزلون من السور ، يتبادلون الحديث عن العمالقة في طريقهم.
اقترح كولين وهو يتجه نحو الجزء المتضرر "دعونا نلقِ نظرة على السور ، فليس لدينا ما هو أفضل لنفعله على أي حال ".
تذمر كيس وهو يتبعه "ما الذي يستحق المشاهدة هناك ؟ "
كان لدى الكثيرين الفكرة نفسها ، فتبعوه لمشاهدة هذا المشهد العجيب. وبمجرد خروجهم خارج المدينة ، رأوا أن الشاطئ والسور الحجري الذي كان خالياً سابقاً قد غُرس فيهما العشرات من السهام العملاقة.
أحد النوعين ، والذي يُفترض أنه سهام العمالقة أنفسهم كان سميكاً بحجم المعصم وطوله يقارب المترين. أما النوع الآخر فكان سهام المجانيق ، وكانت أكثر فظاعة ؛ إذ بلغ قطرها نحو عشرين سنتيمتراً ، أشبه بأشجار صغيرة. ولم يكن رمح كيس ليُقارن بها حتى.
توزعت هذه السهام على السور الحجري الذي شُيدت منه المدينة ، حيث هشمت رؤوس السهام الطوب الحجري بسهولة وانغرزت في قلب السور المدكوك بالتراب. و أدرك الكثير من الحاضرين حقيقةً واحدة: لم يكن هذا الهجوم المزلزل سوى وسيلة للعمالقة لتمضية الوقت أو نوع من العبث الثقيل ، ولو أن تلك السفينة واصلت هجومها من مسافة بعيدة ، لكان الدمار الذي سيلحق بهذه البلدة الصغيرة يفوق الخيال.
حدق كولين بذهول في السهام الضخمة. والآن فقط بدت كلمات صاحب الحانة حقيقية:
'لو واجهنا مجموعة من العمالقة الذين يقذفون الصخور في أرض مفتوحة كهذه ، لكان الأمر كابوساً بكل ما للكلمة من معنى '.
قال كيس وهو يربت على كتف كولين "هيا توقف عن التحديق ".
فرك كولين عينيه وقال "الحانة بالتأكيد ممتلئة الآن. دعونا ننصب خيامنا في المخيم خارج المدينة لنبيت الليلة ونرى كيف ستؤول الأمور ".
عثرت المجموعة على زاوية في المخيم خارج المدينة وأقاموا معسكرهم. حيث كان المخيم يغص بقوافل التجار وبحارة السفن ، إلى جانب عدد لا بأس به من المغامرين والمرتزقة.
وبعد أن أعدوا أكياس نومهم وطلبوا من الرفيقين الآخرين مراقبة أمتعتهم ، ذهب كولين لشراء بعض السمك للعشاء من صيادين على النهر كانوا قد ظلوا ثابتين كالجبال طوال تلك الأحداث. وبينما كان يمر بعدة خيام كان ما زال يسمع الناس يتحدثون عن العمالقة.
عاد كولين إلى مجموعته ، ووضع السمك الملفوف بأوراق الشجر على الأرض ، وألقى عرضاً تعويذة [سهم اللهب] لإشعال نار المخيم في وسطهم.
سخر كيس قائلاً "ظننت لوهلة أن هؤلاء الحمقى قد استجمعوا شجاعتهم ، لكن اتضح أنهم ما زالون يفتقرون للجرأة على القتال حقاً ".
سألت أورايليا بفضول وهي تبدأ بتنظيف السمك الذي اشتراه كولين "هل كنت تعلم طوال الوقت أنهم لن يهاجموا يا كيس ؟ "
أجاب كيس "لم يكن هناك أكثر من ثلاثين عملاقاً على تلك السفينة في أقصى تقدير. وهذه البلدة تضم على الأقل مئات الأشخاص القادرين على القتال. العملاق الواحد قد يواجه بضع عشرات من الأشخاص تقريباً ، ولو أنهم تجرأوا على الهجوم بجدية ، لكانوا خسروا بالتأكيد بعضاً من قومهم ".
وتابع كيس "يستغرق الأمر عقوداً حتى ينمو أطفالهم ليصبحوا بالغين ، وكل خسارة بالنسبة لهم أمر لا يُغتفر. وحده زعيم عمالقة فقد عقله من سيهاجم هذا المكان ".
سأل كولين "هل عمالقة الصقيع شائعون في موطنك ؟ "
قال كيس "ليسوا شائعين تماماً ، لكنك تراهم من حين لآخر. و يمكنهم ترويض الماموث وركوبه للصيد ، وبعض عمالقة الصقيع الأقوياء يمكنهم حتى ترويض تنين حقيقي ".
قالت أورايليا بتعبير جاد وهي تقوم بحركة فوق رأسها "رغم ذلك سمعت من الرهبان العجائز أن العمالقة جميعاً أغبياء جداً. و في بعض الأماكن ، يقوم الـ الفالا7ون بجعل شخصين يقفان على كتفي بعضهما البعض ، ويضعان قطعة قماش رثة وقرعاً في الأعلى ، ويستخدمون ذلك لإخافتهم ".
قال كيس "ربما هؤلاء هم عمالقة الجنوب ، فعقولهم ليسوا مكتملة تماماً ".
قال كولين وهو يأخذ السمك المنظف من أورايليا ويضعه على رف فوق النار ليُشوى ببطء "عمالقة التلال وعمالقة الصقيع نوعان مختلفان. وهناك أيضاً عمالقة الحجر ، وعمالقة السحاب ، وعمالقة العاصفة. لا يمكنك وضعهم جميعاً في سلة واحدة ".
حك كيس رأسه متسائلاً "كيف عرفت كل ذلك ؟ "
"من القراءة بالطبع. كيف كنت لأعرف وإلا ؟ هل ظننت حقاً أنني كنت أحمل كل تلك الرقوق معي طوال هذا الوقت لأنني لا أجد ما هو أفضل لأفعله ؟ "
وبينما كانت المجموعة تتبادل أطراف الحديث ، تعالت فجأة بعض الصيحات من مكان قريب:
"هل من أحد متجه إلى رومون ؟ نحن نخطط لسلوك طريق الجبل! هل يرغب أحد في الذهاب معنا ؟ "