الفصل 1463: الفصل 1461: بعد الألعاب النارية
تبددت كتلتا اللهب في الشرق والغرب في نهاية المطاف ، لكن قسم الأركان ، بل والجيش بأكمله ، دخل في حالة من الاستنفار.
مع إرسال المزيد من قوات الاستطلاع ، توالت المعلومات التي ترد إلى القاعدة. وفي خيمة الأركان ، بدأ نفرٌ من الضباط في تجميع الخيوط المتناثرة للوصول إلى استنتاج.
سارع "نويل " ضابط الأركان المخضرم ذو العينين الرماداياتان ، بتقديم تقريره إلى "سورون " قائلاً "وقعت الانفجارات بالفعل عند ممر (أكرا) وممر (لوكس). و لقد أجرى الفرسان الذين أرسلناهم تفتيشاً دقيقاً ، وتبين أن قمم الجبال عند الممرين قد انهارت ، مما أدى إلى إغلاق الممرات تماماً. و هذه المسارات الرئيسية أضحت شبه مستحيلة العبور. أما بالنسبة لبعض الدروب الجبلية الضيقة ، فحتى لو كانت سالكة ، فقد أشار تقرير السحرة المرافقين للقوات إلى وجود آثار واضحة لجيش (شالين) بالقرب منها ".
وأضاف "نويل " بعد صمت قصير ، وقد ارتسمت ملامح الألم على وجهه وهو يتحدث بصوت خافت "سيدي الجنرال ، بالنظر إلى كل المعطيات كانت مخاوفك السابقة في محلها. و لقد كانت ثقتي العمياء ضرباً من الحمق ، فنحن الآن محاصرون فعلاً. باستثناء قلة قليلة من السحرة القادرين على شق طريقهم بالقوة ، لا يمكن لغالبية الجيش الخروج ، كما أن التعزيزات لن تتمكن من الدخول ، ناهيك عن نفاذ المؤن والذخيرة. وبناءً على مخزون الطعام الحالي ، فإن ما لدينا يكفي لثلاثة أيام على الأكثر ".
وما إن سمع الحاضرون في الخيمة العسكرية بهذا الوضع الحرج حتى ساد بينهم صمتٌ ثقيل ، وارتسمت على وجوههم علامات القلق.
على أن "سورون " حافظ على هدوئه المعهود ، وجال ببصره في وجوه الموجودين ، ثم قال "يبدو أن الأخبار السيئة كثيرة بالفعل ، ولكن من ناحية أخرى... ليس الأمر كله سواداً ؛ فعلى الأقل فهمنا الآن أهداف (شالين) العملياتية ".
"إن (شالين) يرسل باستمرار وحدات صغيرة من الفرسان السود للتسلل وتأخير سرعة تقدم قواتنا في المسار الأوسط ، بهدف حصر الجيش المركزي وقوات الإسناد الخلفية في سلسلة جبال (تشاوتيك). و هذه الاستراتيجية تحاصر بفعالية أكثر من نصف قوات النخبة في قلعة (ريف روك) ، مما يمنحهم ميزة كبيرة ".
فسأل ضابط شاب من طاقم الأركان "سيدي الجنرال ، ما الذي تظنه ستكون الخطوة التالية لـ (شالين) ؟ "
رفع "سورون " حاجبه وأجاب "الخطوة التالية ؟ لا حاجة للتخمين ، فهم سيخبروننا بها من تلقاء أنفسهم بلا شك ".
"عفواً ؟ "...
وكما تنبأ "سورون " تماماً.
عند بزغ الفجر ، جاء ساحر من جانب (شالين) مبعوثاً ، وسلم رسالة إلى "سورون ".
قال الساحر المبعوث بجدية وهو يسلم الرسالة "هذه الرسالة مكتوبة بخط يد اللورد (ريتشارد) شخصياً ، ويأمل أن يقرأها الجنرال (سورون) ويتخذ قراراً عقلانياً بعد تفكير متأنٍ ".
أخذ "سورون " الرسالة ، ألقى نظرة على غلافها ، وسأل بوضوح "أفترض أن هذا يعني محاولة إقناعي بالاستسلام ، أليس كذلك ؟ "
ابتسم الساحر المبعوث ابتسامة غامضة ، فلم يؤكد ولم ينفِ.
"أود أن أسأل: إذا أصررت على عدم الاستسلام ، فما الذي ستفعلونه ؟ هل ستستخدمون السلاح الذي دمر الممر الليلة الماضية لقتلي وإبادة جيشي بالكامل ؟ "
استمر الساحر المبعوث في ابتسامته رداً على سؤال "سورون ".
لم يغضب "سورون " بل تنفس الصعداء وقال "إن كان بالإمكان ، أود إجابة صادقة على سؤال واحد ".
"أي سؤال يا جنرال ، تفضل. "
"بما أنكم تمتلكون الوسائل لتفجير الممرات سراً وحبس جيشي هنا ، لِمَ لم تشينوا هجوماً مباشراً على قواتي ؟ " نظر "سورون " إلى الساحر المبعوث وأضاف "لو فعلتم ذلك منذ البداية ، لما اضطررتم للتضحية بكل هؤلاء الفرسان السود ، أليس كذلك ؟ "
تأمل الساحر المبعوث لبضع ثوانٍ ، منتقياً كلماته بعناية ، ثم أجاب "أعتذر يا جنرال ، فبعض الأمور تتجاوز نطاق معرفتي و ربما إذا اتخذت القرار الحكيم وقابلت اللورد (ريتشارد) وجهاً لوجه ، يمكنك سؤاله مباشرة ".
"حسناً يا جنرال ، سأنتظر ردك. " قال الساحر المبعوث وهو يسلمه كرة كريستالية "متى اتخذت قرارك ، اطلب من تابعك الساحر تفعيل هذه الكرة الكريستالية. سأشعر بها وسأصل في أسرع وقت ممكن. و آمل ألا يطول الانتظار ".
بعد أن أنهى حديثه ، خرج الساحر المبعوث من الخيمة وغادر المعسكر.
بقي "سورون " يراقب ظهر الساحر المبعوث ، ممسكاً بالرسالة والكرة الكريستالية ، غارقاً في صمت لحظي ، بينما تباينت تعابير وجوه طاقم الأركان داخل الخيمة....
في مكان ما تحت أرض (شالين) ، في قلعة "الشمس السوداء ".
انقشع الفجر ، ولكن داخل قلعة "الشمس السوداء " لم يكن ثمة فرق واضح بين الليل والنهار ، فالاختلاف الوحيد هو بين وقت الراحة ووقت العمل.
في زاوية من قلعة "الشمس السوداء " على سرير في إحدى غرف الاستراحة ، استيقظ "أدولف سيس " من حلمه ، وتحسس زراً بارزاً على الجدار وضغط عليه. و تدفق ضوء أبيض حليبي من السقف ، ليضيء الغرفة الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها عشرة أمتار مربعة.
فرك "سيس " عينيه ، وجلس على السرير في حيرة لثانية واحدة ، منتظراً أن يفيق تماماً.
ثم وكأنه تذكر شيئاً فجأة ، انتفض جسده وكأنه أصيب بصعقة كهربائية ؛ قفز من على السرير دون أن ينتعل حذاءه ، غير مبالٍ بفترة الراحة ، وهرع إلى منطقة المراقبة في قسم العمل.
"فيرمي ، فيرمي! " صرخ "أدولف سيس " ممسكاً بذراع زميله المناوب ، وسأل بسرعة "هل تم جمع بيانات هجوم الأمس ؟ كم عدد الأعداء الذين تم القضاء عليهم ؟ خمسون ألفاً ؟ مائة ألف ؟ أم أنهم أبادوهم جميعاً ؟ "
قبل بضع ساعات ، وبصفته عضواً متوسط المستوى في "الشمس السوداء " شارك "سيس " شخصياً في أول هجوم حي لقلعة "الشمس السوداء " وكان يعتري الحماس نفسه طوال الوقت. ومع ذلك وبعد الهجوم كانت بيانات النتائج تحتاج لجمعها ميدانياً بواسطة أفراد آخرين من (شالين) ، واستغرق الأمر وقتاً طويلاً لتصل. ولعدم قدرته على تحمل مناوبة مستمرة لأربع وعشرين ساعة ، ذهب للراحة ؛ والآن ، بعد قيلولة قصيرة ، سأل بلهفة عن الموقف.
نظر "جون فيرمي " الذي كان "سيس " يقبض على كتفه ، إلى زميله وأجاب بهدوء "صفر ".
"ماذا ؟ " أصيب "أدولف سيس " بالذهول ، وكأنه لم يستوعب "ماذا تقول ؟ "
"صفر " تنهد "فيرمي " موضحاً بجدية "بتوجيه من مرآة روح النجم ، أصاب كلا الهجومين الأهداف المحددة مسبقاً بنجاح كبير ، ولكن... لم يتسببا في وقوع أي إصابات في صفوف العدو. أو حتى إن وجدت إصابات ، فهي ضئيلة جداً ولا تدخل ضمن الإحصائيات الفعالة ، ويمكن تجاهلها ".
"هذا... " اتسعت عينا "سيس " دهشةً ، ولم يستوعب الأمر ، فصاح "لماذا ؟ لماذا لم نقتل أحداً ؟ هذا... هذا لا يمكن أن يكون ، هناك مشكلة! إذا لم نقتل أحداً ، فما الجدوى من شن هجوم من الأساس... "
"صه ، اخفض صوتك ، وإلا فإن سمعك السيد (ألبيرت) أو غيره ، فلن تكون نهايتك طيبة " لم يتمكن "فيرمي " من منع نفسه من تحذيره.
"ولكن هناك مشكلة حقاً. " ما زال "سيس " يشعر بالسخط ، وعقد حاجبيه بشدة "لا بد أن هذا خطأ ، لا بد أن هذا خطأ ما... "
وفي منتصف جملته توقف صوت "سيس " فجأة حين رأى شخصاً يدخل الغرفة.
لم يكن "روبرت ألبيرت " كما ذكر "فيرمي " ؛ بل كان الأمر أسوأ ، لقد كان "آرثر أوشايمر " الذي يعرفه الجميع تقريباً كأكثر المديرين صرامة في قلعة "الشمس السوداء ".