الفصل ١٠٣٢: الفصل ٩٧: الاستعداد للحرب (الجزء الثالث)
كانت الملابس التي يرتديها تحت الرداء الأسود قد بليت منذ أمدٍ بعيد ، كأنها أطلالٌ نالت منها عوادى الزمن ، وبدا جسده كجثةٍ دُفنت في أعماق الثرى لم تشهد ضياء الشمس لعقود حتى صار بريقها الخافت يفيض بمسحةٍ من الانحلال الذي يبعث على اليأس.
"لقد أزف الوقت يا صديقي القديم. "
مدَّ العضو الثاني يده ليلمس درع الحديد الخاص بالعضو الثالث. حيث كانت أظافره قد جفت كأنها خشبٌ ميت ، خاليةً من نبض الحياة ، مهزومةً في صراعٍ أبديٍ مع الزمن. مرت يد العضو الثاني عبر درع الحديد ، لا ، بل كان الدرع المغلق هو الذي انفتح له.
لطالما دمر "بولوغ " فرساناً فضيين واحداً تلو الآخر ، لكنه لم يلمح يوماً الهيئة الحقيقية للعضو الثالث... بل إن الكثيرين لم يروا قط حقيقته. فقبل اندلاع الحرب السرية كان العضو الثالث وجوداً غامضاً للغاية في "سيف الملك السري " إذ كان يظهر دائماً في هيئة "أداة سيطرة " ليحجب حقيقة جسده. لم يعرف هيئته الحقيقية إلا القلة ، ناهيك عن تفاصيل أخرى ، وكل ما أمكن الإفصاح عنه هو أن العضو الثالث لم يكن مجرد "مدافع " عن مدرسة القيادة فحسب ، بل كان يمتلك مهاراتٍ فائقة في الكمياء ، وبات كميائياً قادراً على صنع "أدوات سيطرة " لنفسه.
منذ الانقسام كانت معظم الأسلحة الكميائية التي يستخدمها "حرس درع الملك " من صنع العضو الثالث شخصياً ، وكذلك الحال مع الفرسان الفضيين الذين يقودهم الآن.
انشطر درع الصدر إلى الجانبين ، كاشفاً عما كان يلتف في داخله. و نظر إليه العضو الثاني بعين الشفقة ؛ فقد كان ذلك الكيان يشغل كل مساحة الدرع ، عبارة عن كتلة لحمية مستديرة ، جلدها داكنٌ ورطب ، يكسوها تجاويف مليئة بأقذارٍ مقززة ونتنٍ لا يوصف ، كأنها قطعٌ متعفنة من اللحم رُبطت معاً ، وتكاثرت فيها خلايا مريضة لتشكل بقعاً داكنة تبعث على النفور.
وفي تلك الكتلة المتراصة من اللحم لم تكن تظهر سوى عين واحدة محقونة بالدماء ، وأسفلها ثقبٌ أسود كان يتسع وينقبض مع ارتفاع وانخفاض الكتلة اللحمية ، ربما كان ذلك أنفه. لم يستطع العضو الثاني رؤية أذنيه ؛ فمن المؤكد أنهما سُحقتا تحت وطأة اللحم المتورم ، بينما تدلى فمٌ كبيرٌ ومشوه أسفل العين الواحدة والأنف. حيث كان الفم مليئاً بالثنيات والقروح المتقيحة ، وكأنه على وشك الانفجار ، ولم يبدُ أن فمه خُلق للنطق ، بل للالتهايم كل شيء.
وقف العضو الثاني أمامه ، فظهرت داخل فمه أسنانٌ شبيهة بتروسٍ كثيفة ، تشبه آلةً صناعية قديمة ضخمة ، مستعدة لطحن كل ما تلتهمه. والأكثر إثارة للاشمئزاز كان إفراز جسده لسائلٍ لزجٍ غريب ، يذكرنا بالسائل الخارج من الأفاعي أو الحشرات المسحوقة. فلم يكن العضو الثاني غريباً على هذا المشهد ؛ ففي ذاكرته أحياناً كانت تنمو بعض البراعم المشوهة ، تزحف وتلتف حول جسده ، لتثير في أعصابه تقززاً لا يطاق.
لقد كان كياناً مثيراً للشفقة نبذته الحياة ، وبدا جسده كله كأنه رياحٌ سمومٌ كريهة. حياةٌ ملعونة. مسخ. ومخلوقٌ نبذه القدر.
"يا صديقي القديم... " همس العضو الثاني.
قد يمقت الآخرون وجوده ويشعرون بالاشمئزاز منه ، لكن العضو الثاني لم يفعل ؛ ففي أوقات اليأس لم يكن يؤنسه سوى هذه الكتلة اللحمية الملتوية الشريرة ؛ وبالنسبة للعضو الثاني كان ذلك الكيان ملاكاً مقدساً.
باستثناء قلةٍ نادرة في "سيف الملك السري " لم يعرف أحدٌ ماضي العضو الثالث ؛ فقد وُلد مسخاً بالفطرة ، تخلت عنه أمه ثم عذبه الكميائيون. وفي إحدى العمليات ، أنقذ العضو الثاني حياته ، في زمنٍ لم تكن فيه أطرافه قد تدهورت إلى هذه الهيئة ، وقال حينها إنه سيرد له الجميل. لم يكترث العضو الثاني ، فمن ذا الذي يتوقع شيئاً من مسخٍ لا يقوى حتى على المشي بشكلٍ طبيعي ؟
حتى حدثت المعجزة وصمد أمام زرع "المصفوفة الكميائية " واستمر في الارتقاء ، ليصبح مدافعاً قوياً بهذا الجسد المشوه. وحتى اختار الخيانة بجانبه ، متحملين معاً هذا العذاب الطويل.
"مولاي... "
خاطب العضو الثالث العضو الثاني باحترام ، وعينه الواحدة تبدو وكأنها ترنو إلى أفقٍ بعيد ، كما لو كانت تستحضر شظايا الحياة ، وكأنها أيضاً تائهة في سنواتٍ خلت ، عاجزةً عن إيجاد إحداثياتها. علّق العضو الثالث قائلاً "مظهرك الحالي قبيحٌ حقاً ، كجثةٍ متحللة سقطت في الهاوية ، مضطربةٌ عقلياً ، وكل خليةٍ في جسدك تضج بمسحة الموت ".
"ظننت يوماً أننا سنبقى متوارين هنا حتى الممات ، فأنت دائماً ما كنت تلتزم ذلك السكون ، كشجرةٍ ذابلة. "
دائماً ما يظل المرء حبيس منطقته الخاصة ، يذوي الزمان ، بينما كان "ملك الظلال " كشجرةٍ عتيقةٍ جفت حتى ذوت وهُزمت أمام عوادى الأيام ، واقفةً في زاويةٍ تصفعها الرياح العاتية.
سأل العضو الثاني "هل تشعر بخيبة أملٍ تجاهي ؟ "
أجاب العضو الثالث "لا ، الأمر على ما يرام. إن كان هدفك التمتع بآخر سكونٍ في الحياة ، فسأكون مستعداً لأفني معك هنا ما تبقى من لحظاتي ، أما إن قلت... إن قلت إنك تتوق إلى الحرب ، لتسترد ما كان يوماً ملكاً لك... "
قاطع حديثهما صليل الحديد مرةً أخرى ، إذ ظهر درعٌ آخر من العتمة كان طلاؤه أسود حالكاً ، ولا يشي بكونه تحت قيادة العضو الثالث سوى توهجٍ أثيري خافت.
"مولاي ، لقد جهزت درعك وسيفك. "
توقف الدرع ، وجثا على ركبتيه ، وانفتح ظهره ، وكان بداخله فارغاً ، تتخلله الكابلات وخيوط الحقن ، وإبرٌ مرتبةٌ بكثافة ، كأنها تنتظر من يرتديه.