وسط الإضاءة الخافتة داخل خيمتها ، وجدت الكابتن آمبر نفسها منغمسة في مهمة تغيير ملابسها. وفرت لها جدران الخيمة القماشية قدراً من الخصوصية ، حاجبةً إياها عن أعين المتطفلين. دخلت إيلا ، نائبتها الموثوقة ، الخيمة دون تردد ، فاستقبلها الجميع بحفاوة وألفة. و بعد أن خاضتا معاً معارك لا تُحصى وواجهتا مصاعب جمة ، تجاوزت صداقتهما الحاجة إلى الرسميات.
أعلنت إيلا بصوتٍ رقيقٍ ولكنه مليءٌ بالولاء المطلق "سيدتى ، لقد أعددتُ لكِ العشاء ". راقبت آمبر التي كانت تقف وسط كومةٍ من الأمتعة المبعثرة على أرضية الخيمة ، وهي منهمكةٌ في تغيير ملابسها. فلم يكن هناك أيّ أثرٍ للتوتر أو الحرج بينهما ، فقد بددت تجاربهما المشتركة منذ زمنٍ طويل أيّ شعورٍ بالخجل.
توقفت آمبر عن عملها ، والتفتت نحو إيلا. حيث كان التعب واضحاً في عينيها ، يعكس الإرهاق الذي استبدّ بها. تنهدت ، وصوتها يحمل نبرة استسلام. "إيلا ، لستُ في مزاج لتناول العشاء. هل لدينا أي نبيذ ؟ "
ابتسمت إيلا ابتسامةً خفيفةً اعتذارية ، مدركةً ما يمكن أن يوفره كأس من النبيذ من راحة. "مع الأسف يا سيدتي لم يتبقَّ لدينا أي نبيذ. ولكن إن رغبتِ ، يمكنني إرسال شخصٍ إلى المدينة المجاورة ليحضر لكِ زجاجة. "
أومأت آمبر برأسها بامتنان ، شاكرةً استعداد إيلا لتلبية طلبها. بدا ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها وكأنه يستدعي استراحةً ، هروباً مؤقتاً من العبء المتواصل الذي يرافق دورها كقائدة. أجابت بصوتٍ يحمل نبرة شوق "أرجوكِ ، أحتاج إلى كأس من النبيذ الليلة. قد يساعدني ذلك على النوم قليلاً. "
بينما كانت إيلا تغادر لإتمام الترتيبات اللازمة ، وجدت آمبر نفسها وحيدة في الخيمة. تجولت نظراتها في أرجاء الخيمة ، متأملةً تفاصيل ملاذها المؤقت. حيث كانت الخيمة واسعة بما يكفي لتلبية احتياجاتها ، ومؤثثة ببساطة وكفاءة. احتوت إحدى زواياها على مكتب صغير للكتابة ، مزين بورق البرشمان والحبر وقلم ريشة - تذكير دائم بواجبها في التواصل مع أعلى سلطة في الإمبراطورية. و غطت سجادة منسوجة بدقة الأرضية ، موفرةً لمسة من الراحة وسط قسوة المكان. ألقى ضوء فانوس خافت ظلالاً راقصة على جدران الخيمة ، خالقاً جواً حميمياً وغامضاً في آن واحد.
بعد أن بدّلت ملابسها إلى قميص أبيض فضفاض بسيط ، استلقت آمبر على سرير التخييم الذي وفّر لها هيكله المتين راحةً بعد رحلة يوم طويل. حيث كانت أفكارها غارقةً في ثقل مسؤولياتها ، وفي الشكوك التي تلوح في الأفق. حيث كانت تتوقع أن تجد ملاذاً عند وصولهم إلى هذه المدينة ، لكن تفاعلها مع سكانها لم يزدها إلا قلقاً. أثقلت عليها أعباء واجباتها وخطورة الموقف.
كانت آمبر تُعلّق آمالها على الرسالة التي كتبتها وأرسلتها إلى الإمبراطور أديتيا ، طالبةً منه تفهّمه ومساعدته. حيث كانت تتوق إلى ردّ الإمبراطور ، داعيةً أن يُفضي ردّه إلى إرسال التعزيزات والموارد اللازمة لقمع الاضطرابات المتنامية. حيث كان مصير المدينة ونجاح مهمتهم مُعلّقين على سرعة تحرّكه ودعمه الثابت.
بينما كانت آمبر تنتظر عودة إيلا بالنبيذ لم يسعها إلا أن تتساءل عن المستقبل الذي ينتظرهما. بدت التحديات المقبلة جسيمة ، لكن عزيمتها ظلت راسخة. حيث كانت تعلم أن واجبها يكمن في قيادة قواتها ، وإعادة النظام ، وتحقيق الاستقرار في هذه المدينة والأراضي الخاضعة لسيطرتهم.
وسط هذه الأفكار ، شرد ذهن آمبر ، متطلعةً إلى دفء النبيذ وراحته.
كانت تأمل أن يمنحها المشروب راحة مؤقتة ، وأن يمنحها تأثيره المهدئ هروباً مؤقتاً من الأعباء التي تثقل كاهلها ، ولو للحظة عابرة.
بعد لحظات ، عادت إيلا إلى الخيمة ، تحمل زجاجة نبيذ بين يديها بحرص. و لكن لم يكن النبيذ وحده ما لفت انتباه آمبر. فإلى جانب الزجاجة كان هناك وعاء رقيق يحوي فاكهتين غريبتي الشكل ، مظهرهما غريب ومثير للفضول.
حدقت آمبر في الفاكهة الغريبة ، ورسمت الفضول خطوطاً على جبينها. حيث مدت إصبعها ، مشيرة إلى الوعاء ، وسألت "ما هذا ؟ "
لمعت عينا إيلا ببريقٍ من المكر وهي تكشف عن مسعاها السري. و قالت "لقد تجرأتُ على إرسال شخصٍ إلى البحيرة الوردية في إمبراطورية كييشا [التي تُعرف الآن باسم إمبراطورية إيكو دومينيون] لجلب هذه الثمار ، سيدتي ". أيقظ ذكر البحيرة الوردية ذكرى بعيدة لدى آمبر ، فاستحضرت حديث إيلا عن هذه الثمار الغامضة. حيث كانت تُعرف باسم "الأزهار الهامسة " وهي ثمارٌ سحرية تنمو حصرياً في محيط البحيرة الوردية. حيث كانت هذه الثمار نادرة ، ونادراً ما يعرفها سكان القارة بأكملها.
ازداد فضول آمبر حين رنّت كلمات إيلا في ذهنها. يكمن سحر هذه الثمار السحرية في قدرتها على منح من يتناولها لمحة عن شريك حياته المستقبلي من خلال أحلام حية. أشعلت فكرة اكتشاف شريكها المقدر شرارة من الحماس في قلب آمبر ، ما دفعها إلى الاقتراب أكثر وفحص الثمار بفضول متجدد.
كانت أزهار الهمس تتمتع بجمالٍ آسر ، فمظهرها الخارجي أشبه برقصةٍ رقيقة بين درجات اللون الوردي والأرجواني. حيث كانت قشرتها الناعمة تشعّ ببريقٍ خفيف ، يُلقي بضوءٍ ناعم على داخل الخيمة. انبعثت منها رائحةٌ زهريةٌ آسرةٌ وجذابة. حيث كانت كل ثمرةٍ صغيرة الحجم ، تُناسب راحة اليد تماماً ، ومُزينة بنقوشٍ مُعقدة تُشبه الأبراج ، وكأن أسرار الكون محفورةٌ على سطحها.
ازداد ترقب آمبر ، وامتلأ عقلها بالدهشة والشوق. لم تستطع مقاومة إغراء الانغماس في سحر هذه الثمار. أومأت برأسها موافقةً ، وأشارت لإيلا بالمضي قدماً ، متلهفةً لخوض الرحلة الغامضة التي تنتظرها في عالم الأحلام.
خيم الذهول على آمبر إزاء مسعا إيلا السري ، ممزوجاً بشيء من الندم. حيث كانت آمبر تتطلع إلى رحلة إلى البحيرة الوردية معاً ، وهي خطة أُلغيت للأسف بسبب التزاماتهما ومسؤولياتهما المتواصلة. ومع ذلك لمعت عينا إيلا ببريقٍ مرحٍ وهي تجيب على سؤال آمبر ، مُقدمةً ابتسامةً لعوبة.
"سيدتى ، كنتُ أتوق لمتفاجأتكِ " اعترفت إيلا بصوتٍ يمتزج بلمسةٍ من المرح. "دون مزيدٍ من التأخير ، فلنستمتع بهذه الفاكهة. سأتناول واحدةً أيضاً. "
كان جوٌّ من الفضول والترقب يخيّم على المكان ، يكاد يكون ملموساً. اختارت آمبر بأصابعها الرقيقة إحدى الثمار السحرية من الوعاء ، وكأن وجودها وحده يوحي بوعود القدر والكشف. و مع ذلك ارتسمت على جبينها مسحةٌ من القلق ، ما دفعها إلى التعبير عن تحفظاتها.
"هل أنتِ متأكدة تماماً من أن هذه الأزهار الهامسة لا تحمل أي آثار ضارة ؟ " سألت آمبر ، وكان صوتها يحمل نبرة تفاؤل حذر.
جاء رد إيلا سريعاً ومطمئناً ، وعيناها تشعان ثقة. "اطمئني يا سيدتي. و هذه الثمار السحرية ليست آمنة للاستهلاك فحسب ، بل هي مخصصة لمثل هذه الأغراض. "
مع صدى كلمات إيلا في ذهنها ، وجدت آمبر العزاء والثقة في كلمات نائبة قائدتها. حيث وضعت ثقتها في زهرة الهمس التي كانت بين يديها ، والتي ملأ عبيرها الفوّاح الأجواء فى الجوار. تأملت للحظة جمالها الأخاذ ، ولاحظت أنماط الثمرة المعقدة التي تُذكّرها بأبراج سماوية تتآمر لكشف أسرار الكون.
قرّبت آمبر الثمرة من شفتيها ، وترددت للحظة ، وقلبها يخفق بمزيج من الترقب وقليل من القلق. ثم أخذت نفساً عميقاً ، واستسلمت للإغراء ، تاركةً أسنانها تغوص برفق في لبّها الطري. انفجرت النكهات على لسانها ، سيمفونية من الحلاوة ممزوجة بلمحات رقيقة من الحمضيات والزهور. رقص المذاق على حنكها ، مزيج متناغم أثار فيها شعوراً بالبهجة والدهشة.
اتسعت عينا آمبر دهشةً وهي تتذوق الفاكهة الشهية ، وقد أسرت براعم ذوقها تلك التجربة الاستثنائية التي تتكشف في فمها. انهمرت عصارة الفاكهة اللذيذة ، تاركةً وراءها أثراً من النعيم الآسر. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها ، ففي تلك اللقمة الواحدة ، شعرت بارتباط لا يُنكر بشيء أعظم - لمحة آسرة إلى أعماق روحها والأسرار التي تنتظرها في عالم الأحلام.
بينما كانت آمبر تتلذذ بزهرة الهمس الشهية ، غمر مذاقها حواسها ، فجعلها عاجزة عن الكلام للحظات. حيث كان كمال نكهتها يفوق الوصف ، متجاوزاً أي فاكهة تذوقتها من قبل. رقصت سيمفونية من الحلاوة والحموضة على لسانها ، تداعب براعم ذوقها مع كل قضمة لذيذة. بدا أن جوهر الفاكهة أيقظ حيوية كامنة بداخلها ، فجعل ذيلها يرتجف من فرط السعادة ، وأذنها الصفراء ترتعش ترقباً.
لاحظت إيلا الأثر المذهل للفاكهة السحرية على وجه سيدتها ، فازداد فضولها. أثار مشهد فرحة آمبر ، المصحوبة بحركات ذيل ثعلبها الإيقاعية ، شوقاً عميقاً في قلب إيلا. حيث تمنت لو تتذوق تلك النكهات الغامضة التي أسعدت آمبر إلى هذا الحد.
لم تستطع إيلا المقاومة أكثر من ذلك فأخذت قضمة ، واخترقت أسنانها قشرة زهرة الهمس الرقيقة. وبينما غمرت العصارة فمها ، انفجرت في حواسها حلاوة سماوية. حيث كان المذاق بمثابة اكتشاف ، سيمفونية من النكهات تراقصت على لسانها. و اتسعت عينا إيلا دهشةً وبهجةً عندما كشفت الثمرة عن طبقات نكهتها المعقدة - توازن مثالي بين عصارة رحيقية ولمسة من نكهة لاذعة منعشة. حيث كان مذاقاً تجاوز حدود تجاربها السابقة في الطهي ، تاركاً انطباعاً لا يُمحى على براعم ذوقها.
انتابت إيلا نشوة عارمة ، عكست إشراقة سيدتها. انبهرت بقدرة تلك الفاكهة السحرية على إثارة هذا النعيم الخالص مع كل لقمة. ارتسمت على شفتي إيلا ابتسامة رضا ، وقلبها يفيض بالامتنان لهذا الاكتشاف السعيد الذي منحهما هذه التجربة الاستثنائية.
استمتعت آمبر وإيلا معاً بهمسات القدر وسحر الأزهار المتراقصة ، وتداخلت براعم ذوقهما في رحلة مشتركة من الكشف والترقب. و حيث بقيت حلاوة مخملية عالقة على ألسنتهما ، مما رسّخ بينهما رابطاً وثيقاً ، وهما تحتضنان الأسرار التي تنتظرهما ، سواء في يقظتهما أو في عالم أحلامهما.
مع اختفاء آخر لقيمات زهور الهمس الشهية ، ملأ شعورٌ بالحنين الأجواء ، ممزوجاً ببقايا مذاقها السماوي. تبادلت آمبر وإيلا نظرةً حزينة ، إذ لم تُلبَّ رغبتهما في الاستمتاع بالمزيد من هذه الفاكهة السحرية. و انطلقت من شفتيهما تنهيدةٌ تحمل في طياتها مسحةً من الكآبة تعكس نفاد ما تبقى لديهما.
انتابهما شعورٌ بالنعاس ، فاستسلمت أجسادهما لراحة الإرهاق. تثاءبت إيلا ، ورفعت يدها لا شعورياً لتغطي فمها. أومأت آمبر أيضاً موافقةً ، إذ كانت أجسادهما تتوق للراحة والاستجمام بعد أحداث اليوم المضطربة.
مع تلاشي سحر النبيذ ، تلاشت خطة آمبر التي كانت مغرية في يوم من الأيام ، لتصبح مجرد رغبات منسية. وبدلاً من ذلك وجدت العزاء في دفء سريرها المريح ، حيث كان نعومته ملاذاً مرحباً به من ضغوط مسؤولياتها. لفت آمبر نفسها ببطانيتها الوردية المفضلة ، واحتضنتها بدفئها اللطيف ، لتجد العزاء في حضنها المألوف.
إيلا ، وقد أثقلت جفونها من شدة الإرهاق ، ودّعت سيدتها بهدوء قائلةً: تصبحين على خير. حيث كان التعب واضحاً في صوتها وهي تستسلم لإغراء النوم ، وعادت خطواتها إلى ملاذ خيمتها.
همست آمبر بصوتٍ خافتٍ يحمل في طياته دفئاً وامتناناً "تصبحين على خير يا إيلا ". ترددت الكلمات في الأرجاء ، كهمسة وداع بين روحين متشابكتين في تجارب مشتركة وإخلاص لا يتزعزع.
في سكونٍ هادئٍ غمرهما ، استسلمت آمبر وإيلا لنومٍ عميق ، فوجد عقلهما أخيراً راحةً من الأعباء التي أثقلت كاهلهما. وفي غضون دقائق ، تعمّق تنفسهما ، واسترخى جسداهما في نومٍ عميقٍ هانئ. حيث كانت أحلامهما بانتظارهما ، مزينةً بأسرار الأزهار المتراقصة ووعود المستقبل البراقة.
----------------
شكراً جزيلاً لكل من قدم الدعم بتذاكر ذهبية قيّمة. أتمنى أن نستمر على هذا المنوال!
الفصل الإضافي - 4