الفصل 1198: الفارُّ (7)
في الأعالي ، فوق سلسلة الجبال الصامتة التي لم تكن تجرؤ حتى الرياح على التريث في رحابها ، وقف شخصان داخل صدعٍ متجمد في نسيج الفضاء ، بينما كان العالم في الأسفل يغرق في سكونٍ لا يشوبه اضطراب.
بيد أن ذلك الهدوء لم يكن سوى كذبةٍ بلقاء ؛ إذ أخذ النجم الخماسي الفضي على قناع "أسطورة العرافة " يدور ببطء ، منبعثاً منه نبضاتٌ خافتة من الضوء ، بينما تمددت خيوطٌ لا تُرى من احتمالاتٍ مجهولة ، ثم ما لبثت أن تلاشت الواحدة تلو الأخرى.
ولأول مرة منذ زمنٍ بعيد ، اصطدمت قدرتها بحائطٍ مسدود ، ولم يسعها إلا أن تنظر إلى رفيقها الذي ظل صامتاً طوال هذا الوقت. و لكنها كانت تدرك أنه ، بخلافها ، يرى شيئاً ما ، فلم تستطع كبح فضولها الذي دفعها لخرق الصمت بصوتٍ منخفضٍ ومسيطر "ما الذي تراه ؟ "
وبجانبها ، أمال "أسطورة القس " رأسه قليلاً ، حيث كانت حدقتاه الشبيهتان بحدقتي الأفعى تألقان بوهجٍ خافت ، وتدور الحلقات الرقيقة حولهما ببطء كأنها هالاتٌ مدارية تستجيب لشيءٍ غير مرئي. لمع في عينيه ضياءٌ غريب ، ضياءٌ يعكس متعةً خالصة ، كأنه عثر على شيءٍ غير متوقعٍ ومثيرٍ للبهجة.
"هه... " قهقه بخفةٍ عاجزاً عن كتم ضحكته "سيدتى العرافة... هذا مثيرٌ للاهتمام حقاً ، أؤكد لكِ ذلك. " ثم اتسعت ابتسامته لتبدو صبيانية "لن تجدي أمراً كهذا في حياتنا الرتيبة. "
وقبل أن تتمكن "أسطورة العرافة " من الرد ، لوَّح "أسطورة القس " بكمِّ ثوبه عرضاً ؛ كانت حركةً بسيطة ، لكن ما تلاها لم يكن كذلك قط. حيث تموَّج الفضاء أمامهم دون الحاجة إلى رموزٍ أو تشكيلاتٍ أو طاقاتٍ سحرية ، وكأن المكان نفسه انصاع لإرادته ، ساحر ميتكل إسقاطٌ شفاف في الهواء.
وفي اللحظة التالية ، بدأت المشاهد تتشكل بوضوحٍ ودقةٍ وواقعية ؛ فاشتدت نظرة "أسطورة العرافة " على الفور إذ شعرت أنها لم تكن هناك مصفوفاتٌ أو هياكل تقنية أو مرسياتٍ مكانية في ما فعله "أسطورة القس " للتو. حيث كان أمراً مختلفاً تماماً ، شيئاً لا يخضع للقوانين التي تعرفها ، ومع ذلك لم تطلب ، واكتفت بالمشاهدة.
في ذلك الإسقاط ، تكشفت الغرفة الخفية تحت السطح ، حيث وقفت "نيل " مع المرأتين ، وانكشفت محادثتهن بوضوحٍ تام. ومع تطور المشهد ، تباطأ دوران النجم الخماسي على قناعها حتى كاد يتوقف.
"إذن ، هو حقيقي. " تمتمت بصوتٍ خافت ، كأنها تؤكد يقيناً في قلبها.
في هذه الأثناء كان "أسطورة القس " يشاهد المشهد كمن يستمتع بعرضٍ مسرحي ، وعيناه تلمعان ببهجةٍ هادئة. وفجأة ، قهقه مجدداً "أليس هذا مثيراً للسخرية ؟ "
لم ترد "أسطورة العرافة " ؛ فقد ظل تركيزها منصباً على الإسقاط. فلوَّح "أسطورة القس " بيده بكسلٍ نحو الشخصين المعلقين داخل الحاويات الزجاجية ، وأضاف بلهجةٍ لا مبالية ، كأنه يذكر أمراً تافهاً "أوه ، بالمناسبة... هذان الصديقان هناك هما 'أسطورة الأرض ' و 'أسطورة صرخة المرياد '. "
جمدت نظرة "أسطورة العرافة " لجزءٍ من الثانية ، ثم جاء صوتها وقوراً ومحسوباً "فهمت ، لقد أسروهما... وهما على قيد الحياة. و هذا شرير... " استطردت ونبرتها تزداد برودةً وحدةً "...أن لديهم أساليب قادرة على إخضاع ما لا يقل عن اثنين من 'أشباه الأساطير ' في وقتٍ واحد ، وحدودهم لا تزال مجهولة. "
أمالت رأسها قليلاً وأضافت بهدوء "أفترض أنني أستطيع توقع هذا القدر ، بما أنهم حقاً من 'أطلس '. علاوةً على ذلك يبدو أن ذلك المدعو 'نيل ' يخفي أسراراً أكثر ، وحتى لو كان مجرد ملكٍ أسطوري ، فهو لا يمكن التنبؤ به! "
حتى بالنسبة لشخصٍ مثلها كان لهذا الاستنتاج ثقله ، فالتفتت قليلاً نحو "القس " وسألت "ما هي خطتك ؟ "
لم يتردد "القس " ولم يفكر ، بل اكتفى بهز كتفيه بمرونةٍ معهودة "بالطبع... " قال بابتسامةٍ هادئة "الخطة هي 'دعوتهم ' إلى محادثة ، فأنا رجلٌ مسالم! "
بقيت "أسطورة العرافة " صامتةً حين سمعت كلمة "مسالم " وكادت تسخر من قوله ، لكن "أسطورة القس " لم ينتهِ بعد ، حيث تقوَّست عيناه قليلاً بمتعة "على أي حال 'سيد الائتلاف ' بانتظارنا ، أليس كذلك ؟ "
لم تكن ملامح "أسطورة العرافة " بادية ، لكن الهواء فى الجوار ازداد برودة. و قالت بوضوحٍ بينما عادت نظراتها إلى الجبل بالأسفل "لن يكون الأمر سهلاً ؛ فحتى هذا التشكيل الخارجي يعيق رؤيتي بالفعل. وإذا اقتحمنا المكان بالقوة ، فسوف يهربون. "
وبعد صمتٍ قصير ، انخفض صوتها حاملاً مسحةً نادرةً من الحذر "وهذه المرة... لن يهربوا بتهور. وخاصةً إذا حوصروا ، فإن ما سيفعلونه سيكون أمراً لا يمكننا التنبؤ به. "
استمع "أسطورة القس " بهدوء ، ثم أطلق فجأةً ضحكةً خافتةً ومرحة بدت وكأنها في غير محلها تماماً. و قال بخفة "أليس رجالنا في طريقهم بالفعل ؟ "
لم تجب "أسطورة العرافة " ؛ فلم تكن بحاجةٍ لذلك فقد كان محقاً ؛ فمنذ اللحظة التي استشعرت فيها هذا الشذوذ كانت قد نبهت "السيد الائتلاف ". وبحلول الآن كان "أسطورة الجحيم " و "أسطورة الرعد " والآخرون قد تحركوا بالفعل ؛ فهذه فرصةٌ لا يمكنهم تفويتها. ففي نهاية المطاف ، وجود قوةٍ خفية قادرة على أسر "أشباه الأساطير " ومرتبطة بـ "أطلس " لم يعد مجرد مسألة فضول ؛ بل تهديدٌ لا بد من استئصاله.
أما الرجل الواقف بجانبها ، فقد ومضت نظرة "أسطورة العرافة " من خلف قناعها نحو "أسطورة القس " ؛ فالأمر متروكٌ لـ "السيد الائتلاف " ليقرر بشأنه ، إذ أن ذلك كان موضوعاً مختلفاً تماماً.
وفي تلك اللحظة ، طرح "أسطورة القس " سؤالاً غير متوقع بنبرةٍ عرضية "أوه ، يا سيدتي العرافة ، من تظنين هو 'هو ' الذي ذكره أولئك الثلاثة ؟ لقد بدوا خائفين جداً من هذا الكيان حتى أكثر من خوفهم من ملاحقتهم من قِبل 'الائتلاف الأسطوري ' ؟ "
فوجئت "أسطورة العرافة " بهذا السؤال غير المتوقع ، لكن الآن وقد أشار إليه "أسطورة القس " انتبهت للأمر ، ولا شك أنه أمرٌ غريب. أجابت بجمود "لا أدري ، ولكن أياً كان ، فقد بدا أنه يغرس خوفاً حقيقياً في أعماق كيانهم. "
"ههه ، ربما. ولكن... " قهقه "أسطورة القس " مضيفاً "...أعتقد أن 'الائتلاف الأسطوري ' قادرٌ على تقديم أداءٍ أفضل! "