الفصل 1199: عالم الأحلام لإلهٍ مُكَبَّل
في هذه اللحظة ، وسط صمت "الفضاء اللانهائي " وقف "جيكوب " أمام جسد "وايتنس " الفاقد للوعي ؛ كانت عيناه المتقدتان خامدتين ، لكنهما ظلتا مركزتين وعازمتين بعد نقاشٍ طويل خاضه مع "نيكس ".
وعلى جسد "وايتنس " استشعر "جيكوب " أن الآثار الباهتة لـ "موازين اللانهاية " قد تلاشت بالفعل ، غير أن شيئاً غير مرئي ما زال عالقاً كسطوةٍ لم يمحُها الضوء ، بل ظلت صامدةً لا تزول.
دون تردد ، جلس "جيكوب " متربعاً ، وما هي إلا لحظات حتى سكن هيكله العظمي تماماً كما أشارت "نيكس ".
فجأة ، انبعثت نيةٌ ميتافيزيقية من أعماق كيانه ، وفي اللحظة التالية تمتم ببرودٍ مشاعري "آكل الكوابيس! "
في اللحظة التالية ، سرت موجةٌ غريبة عبر روحه لم تكن عنيفةً ولا طاغية ، بل كانت متسللة ، كأنها تعبر عبر شقٍّ لم يكن له وجودٌ من الأصل.
شعر "جيكوب " سريعاً بوعيه يغوص في أعماق شيءٍ مجهول وساكن ، وواصل الهبوط كحصاةٍ في محيطٍ شاسع ، متجرداً من أي إدراكٍ للزمن أو الوجود.
حتى تغير كل شيء حين شعر بأن إحساس الغوص بدأ يتلاشى فجأة ، لكن الظلمة لا تزال قائمة ؛ ليست تلك الظلمة الخالية من الضوء ، بل هي حضورٌ لشيءٍ شاسعٍ لا نهاية له.
قبل أن يتمكن "جيكوب " من استيعاب الأمر ، انبثق وعيه ببطء ، ككائنٍ يستيقظ في واقعٍ غريب ، وحين فتح "عينيْه " توقف حتى هو مذهولاً ؛ فمن أمامه امتدَّ عالمٌ لا يُدركه العقل.
’هل هذا هو عالم الأحلام الخاص بـ "سرعوف الفراغ " ؟!‘
لكن المرة الأولى التي يتسلل فيها "جيكوب " إلى عالم أحلام أحدهم ، ناهيك عن كونه عالم أحلام "إلهٍ أسمى " إلا أنه ظل مذهولاً ومتوجساً قليلاً من مشهد عالم أحلام "وايتنس ".
كان عالم أحلام "وايتنس " شبيهاً بالفراغ ، لكنه ليس خالياً. حيث كان عالم الأحلام برمته يشبه هاويةً لا متناهية ، مُحاكةً ببنيةٍ ضخمة تشبه الكاتدرائية ، مكونةً من مادة كيتينية شاحبة البياض تطفو في الأفق ، متخذةً شكل أجزاءٍ من هيكلٍ خارجي لسرعوفٍ عملاق.
علاوةً على ذلك لم يكن عالم الأحلام ساكناً ؛ ففي لحظةٍ كان يتحول ، ثم ينطوي ، ثم يُعيد تشكيل نفسه وكأن عالم الأحلام نفسه كائنٌ حي. حتى المكان كان ينحني بشكلٍ غير طبيعي ، متراكماً فوق نفسه كأبعادٍ متداخلة و كل بُعدٍ منها يعكس نسخاً مشوهةً من الأبعاد الأخرى.
لكن ما لم يتغير في هذا المكان الغامض كان يقبع في المركز ؛ صورةٌ ظليةٌ عملاقة لـ "سرعوف فراغ "!
تجهم "جيكوب " حين رأى ذلك "السرعوف " لأنه لم يكن "وايتنس " المصغر ، بل كان هو الحقيقي ؛ ضخماً بلا حدود. حيث كان كيانه يمتد عبر عالم الأحلام كإلهٍ نُحت في صلب الواقع ، وكان مجرد حضوره كفيلاً بتشويه الإدراك.
ومع ذلك لاحظ "جيكوب " فوراً أن ثمة خطباً ما ، وحدق بتركيز حين رأى سلاسل لا تُحصى تمتد عبر عالم الأحلام بأكمله كشبكة. حيث كانت رقيقةً وأثيرية ، لكنها بدت مطلقةً في سطوتها.
والأدهى أنه لم يكن بحاجةٍ لتخمين مصدر تلك السلاسل ، فكل سلسلةٍ كانت تألق برموزٍ شاحبةٍ للانهاية ، وتغرس نفسها في كل طبقةٍ من طبقات هذا العالم.
بعضها اخترق السرعوف العملاق ، وبعضها قيّد المكان ذاته ، وامتدَّ بعضها الآخر إلى ما لا نهاية بعيداً عن مجال الرؤية.
’...إذن ، هذا ما قصدته "نيكس " حين أخبرتني أن عالم أحلام "وايتنس " مُحكم الإغلاق.‘
شعر "جيكوب " بالارتياح حين أدرك أخيراً أن السلاسل لم تكن داخل "وايتنس " فحسب ، بل تجذرت في كيانه ذاته حتى هنا ، في عقله الباطن!
في تلك اللحظة ، شعر "جيكوب " بتحولٍ في الألفة ، وضيّق عينيه قليلاً ، مفكراً: ’هذا المكان يبدو وكأنه يرحب بي ؟ لا ، هذا ليس دقيقاً. إنه أقرب إلى الخضوع لي ؛ إذ يمكنني الشعور بنبضٍ خافت يتردد صداه من أعماق روحي!‘
أدرك "جيكوب " أخيراً أنه في اللحظة التي استخدم فيها "موازين اللانهاية " معززةً بـ "دم اللانهاية " لم يكتفِ بإصدار حكمه على "وايتنس " بل غزا الأخير بالكامل.
الآن لم يعد عالم الأحلام هذا ملكاً لـ "وايتنس " وحده ، بل أصبح أرضاً متنازعاً عليها ، وقد أحكم "جيكوب " قبضته عليها.
رسمت ابتسامةٌ خفية ومريبة على وجهه العظمي وهو يتمتم "أمرٌ مثيرٌ للاهتمام... "
"بدأت تشعر به الآن ، أليس كذلك ؟ " تردد صوت "نيكس " فجأة بنعومة.
لكن على عكس ما سبق لم يكن صوتها خارجياً بل كان في كل مكان ؛ فهي داخل عالم الأحلام ، تراقب وتستعد الآن لتوجيه "جيكوب " خلال المراحل الأولية لهذه المغامرة ، كما اتفقا.
لم يبدُ "جيكوب " متفاجئاً ، ولم يلتفت ، فقد ظل بصره مثبتاً على العالم الشاسع والمشوه.
قال ببطء "أستطيع الشعور بـ... شيءٍ ما. إنه ليس قانونك ، لكنه ليس قانونه أيضاً. "
ضحكت "نيكس " بخفوت "بالطبع ليس كذلك. فهذا هو جوهر الأمر. "
فجأة ، مرت موجةٌ عبر عالم الأحلام بينما تابعت "وهذا هو قانون عالم الأحلام! "
رفرف جفنا "جيكوب " وفي تلك اللحظة ، أولى اهتماماً حقيقياً للعالم من حوله ، وشعر بأنه ليس مستقراً أو ثابتاً ؛ بل بدا وكأنه يستجيب للفكر والإرادة والقصد.
وفي تلك اللحظة ، التوى جزءٌ بعيد من بنية السرعوف قليلاً لمجرد أن "جيكوب " لاحظه.
قال ببرود "...إذن ، هذا هو الأمر. "
صححت "نيكس " "ليس تماماً. ما تستشعره الآن ليس سوى السطح. "
في تلك اللحظة ، تغيرت نبرة صوتها لتصبح أكثر عمقاً "قانون عالم الأحلام لا يتعلق بالسيطرة مثل قانون الزمن. ولا يتعلق بالهيمنة مثل قانون المكان. بل لا يتعلق حتى بالدمار والفناء مثل قانون الفراغ. إنه ، بدلاً من ذلك يتعلق بالاختراق! "
حين سمع "جيكوب " تلك الكلمات ، بدا وكأن شيئاً ما قد تحرك في داخله.
وكأنها استشعرت عقل "جيكوب " تابعت "نيكس " بلمحةٍ من النشوة "كل شيء هنا هو "وايتنس ". ذكرياته ، غرائزه ، مخاوفه ، سلطته ، وحتى فهمه للوجود. وأنت... "
انخفض صوتها وأصبح مريباً "أنت غازٍ! "
في تلك اللحظة بالتحديد ، ارتجف عالم الأحلام بينما تحرك السرعوف العملاق في الأفق البعيد قليلاً ، وانتشرت موجةٌ من الوعي. ورغم أنه لم يستيقظ بالكامل إلا أن ثمة شيئاً قد انتبه.
ومع ذلك لم يتحرك "جيكوب " ؛ بل بدت عيناه وكأنهما تشتعلان ببريقٍ أقوى.
"غازٍ ؟ " قالها بنبرةٍ يملؤها المرح قليلاً وهو يومئ برأسه "إذن أظن أنني سأتصرف كغازٍ فعلاً. "
"هذا ما أردت سماعه. و الآن أنصت جيداً. " تردد صوت "نيكس " المتهلل قبل أن يصبح جاداً ومهيباً "هذه هي مرتك الأولى ، فلا تستعجل. الخطوة الأولى ليست البدء بالالتهام مباشرةً ، بل فهم طريقة عمل عالم الأحلام. "
بشكلٍ شبه خفي ، ظهر تشوهٌ طفيف حول كيان "جيكوب " بينما تردد صوت "نيكس " القاسي "الآن أنت موجودٌ هنا كوعيٍ غريب. ولكن قريباً... ستصبح شيئاً أكثر سوءاً! "