الفصل 1196: الهارب (الجزء الخامس)
وقف نيل عند مدخل المختبر ، قامته منتصبة ، وبحضورٍ هادئٍ راسخٍ لا يتزعزع. ورغم النبرات الحادة التي لا تخلو من فظاظة ، الموجهة إليه لم يتغير تعبير وجهه قيد أنملة ، بلا أدنى أثرٍ للضيق أو الغضب.
بل على العكس ، تراختْ كتفاه قليلاً ، وخفّتْ حدة البرود في عينيه ، وحين استقرت نظراته على المرأة الثانية ، بزغ في عينيه شيءٌ أندرُ بكثير: الدفء!
ارتسمتْ ابتسامةٌ خفيفةٌ على زاوية شفتيه وهو ينظر إليها ، وتكلّم بنبرةٍ حملت في طياتها توبيخاً وعاطفةً جليةً لا تُخطئها العين "أيتها المشاكسة الصغيرة... أهكذا تخاطبين أباكِ الحبيب ؟ "
ومع أن صوته كان حازماً إلا أن تعابير وجهه كانت رقيقة ، وبّخَها كأيّ أبٍ عاديٍّ يدُلّلُ ابنته المشاكسة.
مشهدٌ طبيعيٌّ للغاية ، لكنه في الوقت ذاته مستحيلٌ تماماً ، ففي اتحاد ليلة الأبراج بأسره كانت هناك حقيقةٌ واحدةٌ يعلمها الجميع: أن حارس الليل الملك نيل لم يكن له زوجة ولا سيدتي ولا عائلة.
لقد ظهر من العدم كالنجم الساقط ، متسلقاً المراتب بسرعةٍ مروّعةٍ وبريقٍ لا يضاهى ، وبسبب صعوده غير الطبيعي ، لا حصر له من الناس قد استقصوا أصوله وخاضوا في التكهنات.
اعتقد البعض أنه السلالة الخفية لعشيرةٍ قوية نظراً لصلته باليد اليمنى لسيد الاتحاد. وهمس آخرون أنه وريثه غير الشرعي ، بل تجرأ البعض على الادعاء بأنه لم يكن من سهول الأساطير على الإطلاق.
لكن في نهاية المطاف لم يُعثر له على أثرٍ ، لا جذورَ ولا ماضي ، وحينما غدا ملكاً أسطورياً حتى الهمسات تحولت إلى صمتٍ مطبق ، إذ لم يجرؤ أحدٌ بعد ذاك على مساءلته.
ومع ذلك ها هو الآن ينادي أحدهم بابنته ، وليس أيّ أحدٍ ، بل امرأةٌ من عرقٍ مختلفٍ تماماً.
إلا أن ، خلافاً لما قد يتوقعه المرء ، المرأة ذات المعطف الأبيض لم تُبدِ أيَّ دهشةٍ على الإطلاق ، ولا حتى وميضاً ، وكأن هذا الكشف لا يعني لها شيئاً البتة.
بقيت نظراتها الجليدية مسمّرةً على واجهتها ، وتكلّمت بلامبالاة ، يحمل صوتها ذات البرودة المنفصلة "ألا يمكنكما أن تكفّا عن ’لعبكما العاطفي’ هذا منذ البداية ؟ "
ما أن فُرِغَتْ من كلماتها ، انقلب تعبير وجه المرأة الثانية فجأةً ، كقطٍّ دِيْسَ على ذيله.
احتدّتْ عيناها المتوهجتان على الفور وهي تلتفت نحو المرأة ذات المعطف الأبيض وصاحت "أيتها المجنونة ، من طلب رأيكِ! ؟ "
تشقق الهواء خفّةً ، لكن المرأة ذات المعطف لم ترمش لها عينٌ حتى ، إذ تحوّلت نظراتها قليلاً ، باردةً لا تلين ، كالصقيع يزحف عبر الزجاج.
"أيتها الصغيرة " أجابت بابتسامةٍ ساخرةٍ خفيفة "أهكذا تتحدثين مع عمتكِ ؟ أظن أنكِ قد نسيتِ الدرس الذي لقنتكِ إياه. "
ساد صمتٌ خفيفٌ في اللحظة التي تركت فيها تلك الكلمات شفتيها ، إذ كانت كلمة "عمّة " تلك وحدها يكفىً لاستفزاز المرأة الثانية بطرقٍ لم يتوقعها أحد.
وفي اللحظة التالية ، اشتعل غضب المرأة الثانية فوراً ، ونهض جسدها من المقعد بحركةٍ واحدةٍ سريعة ، وانبعثت أقواسٌ من البرق فى الجوار بينما كانت الأدوات المحيطة تألق بعنف.
"أتجرئين على اعتبار ذلك فوزاً ؟! " صاحت ببرودٍ ، حمل صوتها غضباً مكبوتاً "لقد استخدمتِ تلك الخدعة! أتحدّاكِ ؛ تعالي قاتليني مجدداً! "
تحوّل الجو في المختبر ، وانخفضت درجة الحرارة ، في حين تصاعدت الطاقة السحرية.
لكن المرأة ذات المعطف عدّلت كمّها بهدوءٍ ، غير مكترثةٍ على الإطلاق "لا أضيّع وقتي في معارك لا طائل منها. "
كانت باردةً ومتجاهلةً تماماً ، مما زاد الطين بلّة ، حيث اشتدّت قرقعة الكهرباء وتعمّق الصقيع في الهواء.
بدأت قوتان متضادتان بالصعود ، وهلَّا ، نسيا تماماً وجود نيل ، والذي كان يقف هناك ، يراقب المشهد وهو يتجلى ، ولم يبدُ عليه أدنى قدرٍ من الدهشة.
بدلاً من ذلك ارتسم تعبيرٌ غريبٌ يحمل طابع الحنين على وجهه ، ولانت عيناه وهو يراقبهما ، وتمتم في سكونٍ ، بارتياحٍ خفيّ "على الأقل... أصبحتا تتوافقان بشكلٍ أفضل. "
لكن بعد لحظةٍ من الصمت شديد الخطورة ، تجمدت المرأتان كلتاهما ، وببطءٍ شديدٍ استدارتا ، زوجان من العيون ، أحدهما يصدع بالبرق ، والآخر يتجمد بنية القتل ، استقرا على نيل في اللحظة ذاتها.
كان العداء في نظراتهما فورياً وموحداً ، شبه مميتٍ ، وكأنما ستتحدان وتمحيانه من الوجود في تلك اللحظة بالذات.
تصلبت ابتسامة نيل بعض الشيء ، لأنه أدرك أنه لو تصاعد هذا الأمر حتى هو سيواجه صعوبةً بالغةً في التعامل معهما معاً ، رغم كونه ملكاً أسطورياً.
"أحم... " لذا وبدون تردد ، تنحنح بخفة ، وتكلّم بنبرةٍ هادئةٍ ، تكاد تكون عفويةً ، مع تحوّل تعابير وجهه إلى الجدية. "لقد كُشف أمري! "
ما أن فُرِغَ نيل من كلماته ، تجمدت المرأتان كلتاهما ، ليس غضباً ولا ضيقاً ، بل بشيءٍ أندرَ بكثير: ذهولاً.
في اللحظة التالية ، تبدّلت تعابير وجهيهما على الفور تقريباً ، وهما تصرخان معاً بـ "مستحيل! "
كان الرد حاداً ، فورياً ، وغريزياً ، إذ أن تلك الكلمات لم تحمل لهما أي معنى البتة ، فمجرد انكشاف هوية نيل كان ضرباً من السخافة.
لكن في اللحظة التالية ، رأتا وجهه ، ذلك الرجل الهادئ الرصين الذي عرفتاه ، يحمل الآن أثراً لشيءٍ غير اعتياديّ ؛ إحباطٌ خفيفٌ ، وثقلٌ كئيب ، وحينما أومأ ببطءٍ وعجزٍ ، تحوّل الهواء في المختبر إلى بارد.
وعلاوةً على ذلك بالنظر إلى توقيت عودته المفاجئة وغياب أي إشارةٍ مسبقة كان كل شيءٍ يتطابق بشكلٍ مثاليٍّ للغاية. علِمتا كلاهما أن هذا ليس مزحة.
والأهم من ذلك عرفتا نيل أفضل من أي شخص آخر ، فهو لن يمزح أبداً بشأن أمرٍ كهذا. لأنه لو كان الأمر حقيقياً ، لكانت العواقب كارثيةً عليهم جميعاً.
انقبضت أصابع المرأة الثانية قليلاً ، تألق فى الجوار أقواسٌ خافتةٌ من البرق لا إرادياً ، بينما خفتت الغطرسة المعتادة في عينيها بعض الشيء. لأول مرة بعد فترةٍ طويلةٍ جداً ، ظهر أثرٌ من الاضطراب.
أما المرأة ذات معطف المختبر ، فقد تبدّل تعبير وجهها أخيراً وبشكلٍ خفيّ. توقفت حركاتها حينما رفعت نظراتها عن الواجهة ، وانخفضت درجة الحرارة فى الجوار درجةً أخرى.
حينما تكلّمت مجدداً لم يعد صوتها لامبالياً بل بات وقوراً "ماذا حدث بالضبط ؟ "
بعد توقفٍ وجيز ، جاءت كلماتها التالية أكثر هدوءاً وثقلاً "هل واجهتَ... ’إياه’ ؟ "
ساد صمتٌ مطبقٌ!