في الوقت نفسه، ظهر خبير الملاكمة التايلاندية صامتاً كشبح عند مخرج طريق لين بيتشين.
حبس أنفاسه متحيناً اللحظة الحاسمة، وما إن غدا لين بيتشين مكشوفاً تماماً وفي مرمى هجومه، حتى باغت بضربة خاطفة من قبضة يده.
بيد أن لين بيتشين كان، على ما يبدو، قد استشعر الخطر مسبقاً؛ فبينما كانت قبضة خبير الملاكمة التايلاندية تشق طريقها نحوه، ناور بيتشين بجسده وغير موقعه برشاقة متناهية.
شعر بلفحة الهواء الناتجة عن قوة اللكمة، فلم يضع الوقت؛ إذ أحكم قبضته اليسرى على ذراع خصمه، وبحركة انسيابية متقنة، نفذ رمية "سيو ناجي" من فوق الكتف.
لم يكن خبير الملاكمة التايلاندية لِيستسلم بسهولة، فحاول خفض مركز ثقله وتثبيت قدميه في الأرض لاستعادة توازنه.
إلا أن لين بيتشين اغتنم تلك الفجوة الزمنية الضيقة، ووجه لكمة دقيقة استهدفت مكمن ضعف خصمه.
تصعد العرق البارد من جبين خبير الملاكمة التايلاندية، لكنه استجمع قواه وظل متمسكاً بكتف لين بيتشين بكل ما أوتي من قوة.
خفق قلب لين بيتشين وجيباً، فالتفت خلفه ليرى معلم الفنون القتالية الوطني يقترب منه بملامح يكسوها الجد الصارم.
وعندما وجد لين بيتشين نفسه بين فكي كماشة خصمين لدودين، انطلقت منه ضحكة مفاجئة.
أخرج من خصره مصباحاً يدوياً مصمماً على هيئة مسدس، وضغط على الزناد فجأة موجهاً فوهته نحو عيني معلم الفنون القتالية الوطني.
انبعث شعاع ضوئي باهر، سلب بصر معلم الفنون القتالية الوطني في لحظتها.
انتهز لين بيتشين هذه الفرصة ليسحب يده، مراوغاً هجوم الخصم ببراعة لا تخلو من المصادفة.
أطلق زفيراً عميقاً بتمهل، وبدا هادئاً كأنما لم يخض غمار معركة شرسة قبل ثوانٍ، وقال بصوت واثق: "أتجرؤ على نزالِي بالأسلحة؟ لقد بالغت في تقدير نفسك واستهنت بي."
تبادل التوأمان نظرات ملؤها الذهول المكتوم.
أدركا يقيناً أن أسلحتهما لم تكن سوى عبء لم يغنِ عنهما شيئاً خلال تلك المواجهة الخاطفة.
بناءً على ذلك، عمد الرجل مفتول العضلات إلى غمد سكينه جانباً، متهيئاً لمجابهة الخصم بيدين عاريتين.
وفجأة، ألقى لين بيتشين تميمة سحرية توهجت بضياء أخضر في الهواء.
حامت التميمة ودارت في حلقات رشيقة، وكأنها تفيض بقوة غامضة من عالم آخر.
لم يمعن التوأمان النظر في الأمر؛ إذ خُيل إليهما أن هذا ليس سوى تكتيك من تكتيكات لين بيتشين لصرفهما عن استخدام الأسلحة النارية أو ما شابهها.
لكنهما غفلا عن حقيقة جوهرية، وهي أن أحدهما كان يعاني بالفعل من تشوش الرؤية بسبب الضوء المكثف، مما نال من قدرته على التركيز بشكل حاد.
في تلك اللحظة، استبصر الداوى العجوز أخيراً الحقيقة وصاح محذراً: "لقد انطلت علينا الخدعة!"
ارتسمت علامات الحيرة على وجوه الجميع، فشرع الراهب الداوى العجوز يشرح ما استنبطه قائلاً: "بصرف النظر عن غايتهم في الإبقاء علينا أحياء، فكروا ملياً؛ كيف لمرتزق أن يتحمل كلفة باهظة لزرع طبقتين من الألغام الأرضية على رقعة شاسعة كهذه؟"
أدركت فرقة "النسر الطائر" فجأة أنها كانت حبيسة نمط التفكير العسكري التقليدي؛ إذ اعتقدوا أن زرع الألغام، رغم مشقته، أمر وارد، متناسين الفجوة الهائلة في التمويل والإمداد بين جماعات المرتزقة والجيوش النظامية.
"تباً! لقد سقطنا في الفخ!" قالها "فلاينج إيجل" وهو يجز على أسنانه حنقاً.
"إذن، لعل المكان يخلو من الألغام، وكل ما نراه ليس سوى تربة تم تقليبها لإيهامنا؟" انحنى "بليز" متفحصاً آثار الأرض بجبين مقطب، وأضاف: "لكن هذا لا يستقيم تماماً، فالأرض تبدو حقاً وكأن شيئاً ما قد ووري فيها ثم أُعيد ردمها بانتظام."
قال "الرعد" بصوت رخيم عميق: "أمامنا احتمالان لا ثالث لهما؛ إما أنهم دفنوا أشياء لا قيمة لها لمجرد تشتيت انتباهنا، أو أن الألغام موجودة بالفعل ولكنها محصورة في هذا النطاق الضيق دون غيره."
عقب الراهب الداوى العجوز وهو يرمق الأفق بنظراته: "لا يسعنا المقامرة بفرضية وجود الألغام، ومع ذلك، أرى أن الاحتمال الثاني هو الأقرب للمنطق."
ولم يكن حكمه هذا من فراغ، فقد استند إلى ملاحظته لجهاز الإرسال المتطور الذي ألقى به "جوزيف" على الأرض في وقت سابق.
"وما هو مقترحك إذن؟" سأل "النسر الطائر"، مقرراً النزول عند مشورة الداوى العجوز في الوقت الراهن؛ ففي نهاية المطاف، كان للرجل باع طويل وحكمة وازنة في هذه العملية.
قال الراهب الداوى العجوز بوقار: "سنلتف حول المنطقة!"
كانت هذه هي الخطة الأكثر حصافة، فهي تضمن تجنب حقول الألغام المحتملة مع مواصلة التقدم للبحث عن رفاقهم.
شعر "الثور البري" بمرارة الخديعة، فلوح بقبضتيه الضخمتين بغيظ وقال: "في المرة القادمة، سأذيق ذلك الرجل وبال أمره!"
كانت طباعه الفطرية وقوته البدنية الجبارة تضفي عليه هيبة مرعبة كلما استبد به الغضب.
لكن في تلك اللحظة تحديداً، انفتح باب السيارة الرابضة قبالتهم فجأة، وترجل منها "جوزيف".
كانت ملامحه باردة كالثلج، ويداه في جيبيه، وجال بنظراته على الجميع قبل أن تستقر على وجه الراهب العجوز قائلاً: "يمكنكم المحاولة، ولنرَ إن كنت سأتردد في إبادتكم جميعاً."
نطق بكلماته بهدوء رزين، لكنها حملت في طياتها سلطة غاشمة ونية قتل لا تلين.
كان من الجلي أنه لم يكن يزمع ترك هؤلاء الجنود من القوات الخاصة، الذين فضحوا استراتيجيته، يغادرون بسلام.
كان جوزيف، الرجل العازب الذي ناهز السادسة والثلاثين، وقائد فرقة المرتزقة "دوجتوث"، يمتلك سجلاً حافلاً بالانتصارات.
وباستثناء المرة التي أخفق فيها أمام حصار مطبق شنته القوات الخاصة لثلاث دول بجيش قوامه مائة جندي، فقد ظل يحقق أهدافه بأقل الخسائر الممكنة.
ولهذا السبب، ذاع صيته ولقب بـ "كلب الليل الأسود".
وبعد ذلك الإخفاق النادر، انخرط في صراع مرير من أجل شخص ما، واستطاع بمفرده، وبمعاونة شخص آخر، اختراق حصار ثلاث وحدات نخبوية من القوات الخاصة.
ظل "بليز" يحدق في البيانات والمعطيات، غارقاً في لجة من التفكير العميق. وبينما كان يستحضر ملامح جوزيف الواثقة، لمعت في ذهنه فكرة فريدة، أوحت له بأنه بات قاب قوسين أو أدنى من الحقيقة.
كان من الواضح أن تحركات جوزيف لا تزال تدور في فلك ذلك الشخص الذي خاطر بحياته لإنقاذه يوماً ما.
علاوة على ذلك، بدا أن هناك فجوة في الرؤى تفصل بينهما، ومع ذلك، ظل السؤال الجوهري قائماً: لمن يكرس جوزيف ولاءه ويعمل تحديداً؟