Switch Mode

سجلات المنسيين الإضافية 71

وداع ؟+


تلاشت ملامح "جيريتا " المرحة ، وحلَّ محلها وقارٌ غير معهود لم يره "ألدن " من قبل. مالت بجسدها قليلاً إلى الأمام ، وثبَّتت عينيها في عيني "ألدن " قائلةً بنبرةٍ جادة "حسناً يا بني ، دعني أخبرك عن الاختبار الحقيقي ".

اعتدل "ألدن " في جلسته. زفرت "جيريتا " بعمق ، وبفرقعة عارضة من أصابعها ، ظهر كرسي من العدم ، فجلست عليه ووضعت ساقاً فوق الأخرى ، وقالت "اسمع.. لا يمكنني شرح كل شيء عن ’الفوضى‘ أو ماهيتها الحقيقية ، لكن إذا كنت ستَرِث هذا الإرث ، فعلى الأقل يجب أن تعرف اسم من بدأ كل هذا ".

أومأ "ألدن " بجدية.

قالت "جيريتا " بنبرة خافتة ، بدا التردد واضحاً في صوتها "لوشيا.. كان اسمها لوشيا. حيث كانت صديقةً عزيزةً جداً لي ، نشأنا معاً ، وتدربنا معاً ، وهي من ابتكر هذا الفن ".

استمع "ألدن " بهدوء ، فأكملت "لم يستخدم هذا الفن في التاريخ كله سوى سبعة أشخاص فقط ". صمتت قليلاً ، ثم تابعت وعيناها تكتسيان بجديةٍ أكبر "وهناك سبب وجيه لهذا العدد القليل ؛ فلا يمكن أن يكون هناك سوى خليفةٍ واحد في كل حين ".

عقد "ألدن " حاجبيه متسائلاً في نفسه: ’ما الذي يعنيه ذلك ؟‘. وقبل أن يتمكن من طرح سؤاله ، شرحت "جيريتا " "لا ينتقل ’فن الفوضى‘ إلا بعد وفاة حامله السابق ".

ساد صمتٌ ثقيل بينهما. ’إذن ، لوشيا ميتة‘.. أدرك "ألدن " المعنى الكامن وراء كلماتها ، لكنه تساءل: ماذا لو قرر أحدهم نقل هذا الفن للآخرين ؟ ماذا سيحدث ؟

قالت "جيريتا " بصوتٍ منخفض "أعرف ما يدور في ذهنك يا ألدن ، ولكن لا تفكر حتى في الأمر.. فآخر خليفة قضى نحبه حين حاول فعل شيء طائش كهذا ". ابتلع "ألدن " ريقه بصعوبة ، طارداً تلك الفكرة من رأسه بأسرع ما أتت.

ثم سألت "جيريتا " بصوتٍ خفيض "هل أنت مستعدٌ لتحمّل إرث صديقتي لوشيا ؟ ". زفر "ألدن " ببطء ؛ فقد اتخذ قراره منذ زمن طويل ، فلم يعد الأمر مجرد تقنية فحسب ، بل صار مسؤوليةً كبرى. و نظر في عيني "جيريتا " وأجاب دون أي تردد "نعم يا آنسة جيريتا ، أعدك بأن أصون إرثها ".

ارتسمت ابتسامة رضى خفيفة على شفتي "جيريتا " وقالت "جيد.. جيد. والآن ، دعنا نتحدث عما ستواجهه ؛ فأنت لست الوحيد المشارك في هذا الاختبار ".

وقعت كلماتها على أذن "ألدن " كالصاعقة. ’لست الوحيد ؟‘. تسارعت الأفكار في عقله ؛ هل يعني ذلك أن عليَّ منافسة الآخرين ؟ وماذا لو كانوا أقوى مني ؟

تحدثت "جيريتا " بابتسامتها اللطيفة كما لو كانت تقرأ أفكاره "رويدَك يا ألدن ، لا تبالغ في التفكير. و أنا أعرف ما يشغل بالك ، لكن لا تقلق ، فالاختبار مصمم ليمنح كل متسابق فرصةً عادلة. سيكون هناك مئة مشارك بمن فيهم أنت ، ستُرسلون جميعاً إلى زنزانة ، وعليكم العثور على كتيب ’فن الفوضى‘ المخفي بداخلها ".

زنزانة ؟ مئة متسابق ؟ لم يكن هذا اختباراً للمهارة والقوة فحسب ، بل أشبه بسباق. أضافت "جيريتا " "هذا كل ما يمكنني إخباره لك. بمجرد دخولك ، ستحصل على مزيد من المعلومات ". زفرت ببطء ثم حدقت فيه بحدة "لكن تذكر يا ألدن ، لا تثق بأحد داخل تلك الزنزانة ".

خفق قلب "ألدن " في صدره ، وتابعت "لا تكشف عن أي شيء يخصك ، وفوق كل ذلك إياك أن تذكر اسم عالمك ". شعرت "ألدن " بأن التحذير ينذر بالخطر ؛ أي مكان هذا الذي سأدخل إليه ؟ ولماذا لا ينبغي عليَّ الإفصاح عن شيء ؟ هل ثمة أمرٌ يغيب عني ؟

"أمامك خمسة أشهر قبل بدء الاختبار. استغل هذا الوقت بحكمة وتدرب قدر استطاعتك هنا ". أومأ "ألدن " ؛ فالتحدي الحقيقي على وشك البدء ، وكان عازماً على أن يكون مستعداً تمام الاستعداد.

مرت الأيام وتوالت الخمسة أشهر سريعاً. خلال هذه الفترة ، دأب "ألدن " على تدريب جسده إلى أقصى حدوده ، ولا يتوقف إلا حين يعجز عن المضي قدماً. والنتيجة ؟ زادت إحصائيات قوته رتبةً صغرى كاملة ، وهو إنجازٌ كبير ؛ نظراً لصعوبة زيادة القوة دون المانا. و كما صقل مهاراته في استخدام السيف حتى باتت حركاته أكثر انسيابية ، لكنه لم يتدرب على "فن السيف " ؛ فما الداعي لذلك ؟ هو لا يملك "مانا " وسيحصل قريباً على "فن سلاح " أفضل.

نهض من فراشه متوجهاً إلى الحمام ، استحم بماء بارد ، ثم اتجه نحو خزانة الملابس التي كانت تعج بالخيارات. اختار منها بدلة قتال سوداء بالكامل ، فقد كان مولعاً بهذا اللون ، وبدت البدلة متطورة للغاية. ارتدى ملابسه ووقف أمام المرآة يتأمل وسامته – أو هكذا كان يظن – ثم غادر الغرفة.

رأى "بيريبري " بالقرب من الدرج ، فناداه "مرحباً بيريبري ، ما الأخبار ؟ ". كان "ألدن " قد توطدت علاقته بـ "بيريبري " خلال إقامته هنا. و نظر إليه "بيريبري " بابتسامة ساخرة وسأله "مرحباً ألدن ، هل أنت مستعد للاختبار ؟ ".

تعلم "ألدن " الكثير عن "بيريبري " في تلك المدة ، وإن كانت معلومات عامة ، إذ كان "بيريبري " شديد الحذر في الإفصاح عن أمور مهمة. و على عكس "جيريتا " التي كانت مجرد "ظل " خلّفته هيئتها الحقيقية لم يكن "بيريبري " ظلاً ، بل كان تلميذاً لـ "جيريتا " تركته هنا مع ظلها ليتدرب حتى يصبح قوياً كفاية. وبحسب "جيريتا " فإنه لم يبلغ تلك القوة بعد ، وهو الجزء الأكثر رعباً ؛ إذ لم يصدق "ألدن " حين سمع لأول مرة أن "بيريبري " -الذي يُرجح أنه في ’الرتبة البدائية‘- يعتبر ضعيفاً في نظر "جيريتا ".

كان الأمر متواضعاً للنفوس ، لكنه تعلم شيئاً واحداً: الكون واسع ، وكان هو كـ "الضفدع في بئر " مما جعله يدرك كم الطريق أمامه طويل ليصبح قوياً بحق.

سأله "بيريبري " قاطعاً حبل أفكاره "هل أنت ذاهب لمقابلة السيدة أيضاً ؟ ". أجاب "ألدن " "أجل ". قال "بيريبري " ببهجة "لنذهب معاً إذن ".

لقد حان اليوم الموعود ؛ سيلتقي أخيراً بالمرشحين الآخرين. حيث كان قد سأل "جيريتا " سابقاً عن كيفية اختيار المتسابقين ، لكنها لم تجبه إجابةً واضحة ، واكتفت بالقول إنه ترتيبٌ وضعته "لوشيا " من خلال مفاوضات مع عائلات قوية ، وهو أمرٌ تجاوز حدود إدراكه. أما عن سبب اختياره هو شخصياً ، فكان امتلاكه لـ "سيف الفوضى " الذي كان ملكاً لـ "لوشيا " سابقاً.

هنا قاده تفكيره إلى سؤال محير: إذا كانت "لوشيا " قد ماتت ، فمن -أو ما- الذي قاتله في اختباره ؟ وفقاً لـ "جيريتا " ضاع سيف الفوضى بعد وفاة "لوشيا " ولم يملكه أحدٌ منذ ذلك الحين. فكيف انتهى به المطاف في اختباره ؟ هل كانت "لوشيا " هي ’القطعة‘ ؟ لا.. هذا مستحيل ، فقد قالت "جيريتا " صراحةً إنها...

تجمّد "ألدن " في منتصف تفكيره ؛ فثمة أمرٌ توضح في ذهنه. "جيريتا " تركت ظلاً لها ، فماذا لو فعلت "لوشيا " الشيء نفسه ؟ وماذا لو تحول ذلك الظل إلى ’قطعة الفوضى‘ بسبب نوعٍ من الفساد ؟ بدت نظريةً بعيدة الاحتمال ، لكنها تظل ممكنة.

بينما كان "ألدن " غارقاً في أفكاره ، وصلا حيث تجلس "جيريتا " بانتظارهما. و قالت دون أن تنظر إليه "ألدن ، هل أنت مستعد ؟ ". أجاب بأدب "نعم يا آنسة جيريتا ". كان يشعر بالتوتر ، لكنه كان متحمساً لمقارنة قوته بقوة الآخرين القادمين ربما من عوالم أخرى ؛ اختبارٌ حقيقي.

نظرت "جيريتا " إلى تعابير الحماس على وجه "ألدن " فكفهرَّ وجهها ، وقالت بنبرة جادة "دعيني أحذرك مجدداً: لا تثق بأحد.. مهما بدا ودوداً ، ولا تتردد في القتل ". أومأ "ألدن " بينما لم يكد يفكر في جزء القتل ، متسائلاً في نفسه: ’لماذا عليَّ أن أقتل ؟ سأجد كتيب الفوضى وأغادر فحسب‘.

لم تقل "جيريتا " شيئاً ، فقد أدركت سذاجة أفكاره ، ولم تشأ تحذيره مجدداً ، إذ كان عليه أن يتعلم الحقيقة بنفسه. وإذا مات ؟ فمعنى ذلك أنه لم يكن جديراً بالبقاء.

فرقعت بأصابعها بخفة ، فظهرت بوابة زرقاء متلألئة بالقرب من "ألدن ". وقالت "جسدي الحقيقي بانتظارك في الجانب الآخر ، وسيرشدكم جميعاً لاحقاً ". نظر "ألدن " إلى البوابة وقال مودعاً "وداعاً يا آنسة جيريتا " ثم التفت إلى "بيريبري " الذي بدا حزيناً ؛ فقد كان "ألدن " أول صديق له في حياته التي قضاها في الترحال مع "جيريتا " ثم وحيداً على هذا الكوكب.

قال "ألدن " بابتسامة مرحة "لا تقلق يا صديقي ، سأصبح قوياً قريباً وأعود لأراك. وداعاً يا بيريبري ".

أجاب "بيريبري " "أجل يا ألدن ، وداعاً وحظاً سعيداً في اختبارك ، أعلم أنك ستكون الفائز ".

ودَّع "ألدن " صديقه ، ودخل البوابة سريعاً دون أن يلتفت خلفه.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط