سمع «ألدن» صرخة حادة يملؤها اليأس:
«أرجوكم! ليغثني أحدٌ ما!!»
تتبع «ألدن» مصدر الصوت ، فرأى امرأةً محاصرةً من قبل ثلاثة رجال في ظلال زقاقٍ مظلم. حيث كانت نظراتهم الطامعة تفضح نواياهم ، فنظر «ألدن» إلى المرأة ، ثم إلى الرجال ، وقال في نفسه: «أجل... إنها فخٌ محكم بالتأكيد».
كان موقناً أنها مكيدة ؛ وذلك لأن أربعة رجال آخرين كانوا يتربصون في الظلال. ومع ذلك قرر أن يتأكد ، ففعّل خاصية «استشعار الهالة» (هالة الكشف) الخاصة بـ «عيون السيادة» (العيون لـ مطلق) لديه ، فتحولت رؤيته وبدأ يرى ألواناً متباينة.
أعاد مسح المجموعة ، وفكّر: «كما توقعت تماماً».
كان استشعاره للهالة ما زال في مستواه الأساسي ، لذا لم يظهر له سوى هالة خافتة لكل شخص. ومن هذه الهالة الخافتة ، استطاع استنتاج الكثير ؛ إذ إن الهالة تضطرب بعنف إذا ما كانت مشاعر المرء جياشة أو متطرفة. لو كانت المرأة في خطرٍ حقيقي ، لكانت هالتها قد توهجت واضطربت ، لكن لا ؛ كانت هالتها ساكنة كبحيرةٍ هادئة ، وكذلك حال رجالها ، لا تذبذب فيها.
تجاهلهم ومضى في طريقه ؛ فليس لديه وقتٌ يضيعه في ألاعيبهم الصبيانية. تعالت صرخة المرأة مرةً أخرى ، وكانت هذه المرة أعلى وأكثر يأساً:
«يا أيها الشاب ، أرجوك ساعدني!! أرجوك... سأكافئك بأي شيء!»
وبدأ الرجال بدورهم في تمثيل أدوارهم:
«هاها ، لن يخلصكِ أحدٌ منا!»
كانوا يتعمدون رفع أصواتهم لاستدراج «ألدن». أدرك «ألدن» سبب مسرحيتهم هذه ؛ فمن ذا الذي لا يتمنى أن يكون فارساً مغواراً ينقذ فتاةً في محنة ؟ أليس كذلك ؟ كان في أطراف «المنطقة المركزية» ، حيث يكثر أمثال هؤلاء المحتالين ، لكنه فكر بضيق: «يا لرخص الحيلة! حيث كان يجدر بهم على الأقل محاولة الابتكار».
ترددت صرخات المرأة اليائسة في أرجاء الزقاق ، لكن «ألدن» لم يلتفت إليهم قط ، فهذا الأمر لا يعنيه ، وتابع سيره حتى تلاشت خطواته وسط ضجيج الشوارع الصاخبة.
***
بمجرد أن توارى «ألدن» عن الأنظار ، تخلت المرأة عن تمثيلها ، وانبسطت عيناها الواسعتان المذعورتان إلى تعبيرٍ محايد. تذمرت بضيق:
«تباً ، لقد أفلتت منا فريسة سهلة».
تنهد أحد الرجال الذين كانوا يتكئون على جدار الزقاق وقال: «أجل كان يبدو ثرياً وضعيفاً ، والأهم من ذلك أنه كان وحيداً. يا للخسارة».
رد عليه رفيقٌ له بسخرية: «أي أحمق هذا الذي يتجاهل صرخة امرأة تستغيث ؟ جدياً ، ماذا لو كان الأمر حقيقياً ؟»
هز الأول كتفيه بلا مبالاة: «لا يهم ، لننتظر أحمقاً آخر يمر من هنا».
وكأنما كان الأمر بإشارةٍ منه ، ظهر شخصٌ آخر عند مدخل الزقاق ؛ شاب يرتدي ثياباً فاخرة ، وكان يتلفت حوله وكأنه غريبٌ عن المكان. استعادت المرأة وضعيتها فوراً ، وعادت لتمثيل دور الفتاة المكروبة ، وخطت خطوة للأمام وهي تصرخ بصوتٍ متهدجٍ زيفاً:
«أرجوكم! ليغثني أحدٌ ما...»
وابتسم الرجال ، مستعدين لإعادة عرضهم المسرحي.
***
بعد أن سار «ألدن» لفترة ، وصل أخيراً إلى «المنطقة المركزية». كان بإمكانه استقلال مركبة ، لكن أين المتعة في ذلك ؟ أراد استكشاف المدينة ، فآثر المشي ، وهو بالنسبة لمبتدئٍ من رتبته لم يكن الأمر منهكاً على الإطلاق. و نظر حوله ، فاستقبلته «المنطقة المركزية» ببهائها الكامل. وبعد أن تأمل المشهد لدقائق ، عاود السير في شوارعها المزدحمة.
كانت المنطقة تنبض بالحياة: تجار يروجون لبضائعهم ، مغامرون يتجولون بكامل عتادهم ، وبعض الأشخاص يمشون بخيلاء وكأنهم يملكون المنطقة بأسرها... ربما كانوا من النبلاء المتغطرسين. وعلى الرغم من ازدحام الشوارع ، مر «ألدن» من بينهم بانسيابية ، متفادياً النشالين ببراعة. فلم يكن هنا للسياحة فقط ، بل كان له هدف: «قناع» ، وليس أي قناع ، بل «أداة سحرية» (ارتيفاست) تجعل تحديد هويته أمراً عسيراً. لذا قرر زيارة متجر للأدوات السحرية.
بعد دقائق ، لمح متجراً صغيراً يقع بين مبنيين ضخمين ، وخلافاً للمتاجر البراقة المحيطة به لم يكن هذا المتجر يصرخ بالفخامة ، وكان ذلك مثالياً.
[آثار فالدن - فالدين الأداة الأثريةس]
كان الاسم بسيطاً ، وبدا كمتجرٍ حقيقي للأدوات السحرية. دلف إلى الداخل ، فصدح رنينٌ خفيف عند فتح الباب. حيث كان المتجر هادئاً ، بل هادئاً أكثر من اللازم ، فلم يكن هناك زبونٌ واحد. حيث كانت الرفوف مصطفة بشتى أنواع الأدوات السحرية من مختلف الرتب ؛ بعضها كان أساسياً -كخواتم المانا منخفضة الرتبة ، وتمائم الحماية- وبعضها الآخر كان له حضورٌ أقوى. تراوحت الأدوات بين الرتبة العامة ورتبة النخبة ، أما ما فوق ذلك فكانت نادرة جداً لدرجة لا تُوجد في مثل هذه المتاجر الصغيرة ، فتلك أدواتٌ لا تُشترى بالمال وحده ، بل تحتاج إلى علاقات إلا إذا كانت من السوق السوداء.
نظر باتجاه المنضدة ، حيث يجلس رجل عجوز ذو نظرة حادة ، وقد رُبط شعره الأبيض بإتقان. حيث كانت رتبة العجوز عالية جداً ليكون شخصاً عادياً ، وبدا قوياً ؛ ربما مغامر متقاعد ؟ ألقى «ألدن» نظرة على اللوحة التعريفية:
[فالدن - متخصص أدوات سحرية]
إذن ، هذا هو المالك.
قال العجوز دون أن يكلف نفسه عناء النظر إليه: «إن كنت تبحث عن أشياء رخيصة ، فجرب أكشاك السوق. أما إن كنت هنا لشيءٍ حقيقي ، فاذكر ما جئت لأجله».
ابتسم «ألدن» ابتسامة خفيفة وقال: «أحتاج إلى قناعٍ كأداة سحرية ؛ شيء يجعل تحديد الهوية أمراً صعباً».
رد «فالدن» بنبرة شك: «صبيٌ في عمرك يبحث عن مثل هذا الشيء ؟ أتهرب من متاعب ، أم تفتعلها ؟»
لم يجب «ألدن» ، بل اكتفى بمقابلة نظرة الرجل.
تنهد العجوز وقال بعد لحظة: «حسناً ، لدي شيء مشابه». وقف واتجه نحو خلفية المتجر ، وبعد تفتيش بين الرفوف ، عاد حاملاً صندوقاً أسود ، وضعه على المنضدة وفتحه ثم أدار وجهته نحو «ألدن».
نظر «ألدن» داخل الصندوق ليرى قناعاً أسود مصقولاً كان خالياً من أي تصميم ، بل لم يحتوِ حتى على فتحات للعينين! فكر في ذهول: «كيف بحق الجحيم سأتمكن من الرؤية من خلاله ؟ ولكن مهلاً ، إنها أداة سحرية ، لذا قد يكون لها تأثيرٌ مرتبط بذلك». راود «ألدن» الشك في كونها أداة سحرية بالفعل ، لكن المانا الخافتة المتسربة من القناع دحضت شكوكه.
قال العجوز: «هذا [حجاب الظلال]. أداة سحرية من رتبة النخبة ، يمكنه تغيير ملامح الوجه بدقة ، بما يكفي لتضليل سحر تحديد الهوية الأساسي. و كما أن له تأثيراً سلبياً يجعل الناس يتغاضون عن وجودك ما لم تجذب الانتباه لنفسك. ولن تشعر بأي اختلاف عند ارتدائه».
التقطه «ألدن» كان صيداً ثميناً ومثالياً للاندماج في السوق السوداء.
«بكم ؟»
ابتسم «فالدن» وقال: «عادةً ، شيء كهذا يباع بمليون إيرا ، لكنك تبدو مثيراً للاهتمام ؛ سأعطيك إياه بـ 800 ألف إيرا».
فكر «ألدن» بسخرية: «أجل ، مثير للاهتمام ، مثل كل زبائنك». كان هذا تكتيكاً تجارياً شائعاً ، التظاهر بأن المشتري شخصٌ مميز مع رفع السعر. حيث كانت أدوات رتبة النخبة باهظة ، لكن ليس لهذا الحد.
قال «ألدن» بحزم: «500 ألف إيرا ، ولا أكثر».
قطب العجوز حاجبيه قليلاً لم يتوقع من الشاب أن يساوم.
«800 ألف» ، أصر العجوز على سعره.
لم يجب «ألدن» وظل يحدق في عيني «فالدن».
«700 ألف» ، خفض العجوز السعر ، لكن «ألدن» بقي صامتاً.
ساد الصمت...
تنهد العجوز: «حسناً ، السعر النهائي ، 600 ألف» ، وكأنه يتكبد خسارة فادحة.
استدار «ألدن» نحو الباب ليغادر... فبدا العجوز مضطرباً قليلاً.
نادى «فالدن» بيأس: «مهلاً... 550 ألف ، هذا نهائي ، لا يمكنني النزول عن ذلك».
فكر «ألدن» بامتنان: «شكراً يا أمي». لقد كانت هذه التقنية مما تعلمه من والدته في حياته السابقة ، فقد غرست فيه فن المساومة حين اشترى مرة قميصاً بسعر أغلى من المعتاد.
ابتسم «ألدن»: «اتفقنا. و لكن أضف إليها عقد المانا من رتبة النخبة مجاناً».
تردد «فالدن» قليلاً قبل أن يومئ برأسه: «حسناً ، لقد فزت».
تغيرت ملامح «فالدن» إلى تعبيرٍ مبالغ فيه من الهزيمة ، وكأنه تعرض لخسارة جسيمة ، لكن «ألدن» كان أعلم بذلك ؛ فكل هذا تمثيل. عقود المانا هي اتفاقيات ملزمة تفرضها المانا ، وإذا انتهك المستخدم الشروط ، فسوف يعاني من العواقب ، مما يجعلها أداة فعالة للغاية للصفقات والمفاوضات. ورغم فائدتها ، فهي ليست باهظة الثمن ؛ إذ يكلف عقد المانا من رتبة النخبة حوالي 50 ألف إيرا كحد أقصى.
هذا يعني أن «ألدن» حصل على أداة من رتبة النخبة بـ 500 ألف إيرا ، وعقداً بقيمة 50 ألفاً ، بمجموع 550 ألفاً ، وهو ما يزال فوق سعر السوق السوداء القياسي. و لكنه كان بحاجة للقناع قبل دخول السوق السوداء ، لذا لم يمانع الخسارة.
حوّل «ألدن» المال دون تردد ، وراقبه «فالدن» وهو يتذمر ، بينما خزن «ألدن» القناع في خاتم التخزين الخاص به ، أومأ له وغادر المتجر.
بعد خروجه ، أخرج «مانا سينك» (الماناسينس) الخاص به للتحقق من الوقت والرصيد المتبقي:
[الرصيد المتبقي: 578,400 إيرا]
لم يتبقَ معه سوى هذا المبلغ. حيث كانت «الإيرا» هي العملة العالمية في عالم «إيريندور» ، وكل الأجناس تستخدمها في أي معاملة. و نظر إلى الوقت ، وكان ما زال أمامه الكثير حتى المساء ، فقرر استكشاف «فالوريا» بجدية الآن.
ولكن قبل ذلك كان لديه أمرٌ يتحقق منه.
أخرج القناع وبدأ بتوجيه المانا لربطه بنفسه ، فسرى تموج خافت عبر الأداة ، معلناً التعرف عليه.
جيد. و الآن ، لنرَ ما يمكنك فعله.
استدعى معلومات الأداة:
[عرض تفاصيل الأداة.]
[حجاب الظلال]..
…
…