Switch Mode

كود بلاكستون 84



الفصل الرابع والثمانون:

«تطلع إلى ذلك» ؛ كان هذا رد «لين تشي» على السيد «فوكس». لم يحاول إقناعه بالكلمات مباشرة ، بل أدرك أن الأمر صفقة رابحة ، وكان يعلم جيداً كيف يجني المال لنفسه.

دأب الناس على ألا يصدقوا قسوة الواقع إلا حين يصفعهم على وجوههم ؛ إذ لا يدركون مدى إيلامه إلا بعد فوات الأوان ، وكما يقال: «ما كل ما يتمنى المرء يدركه ، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن». وبالمناسبة ، «الواقع» ليس اسماً لشخص ما.

بدلاً من أن ينسج «لين تشي» من الكلمات تبريراً واهياً لنواياه ، أو يترك للآخرين فرصة لنسج التوقعات والظنون ، اختار أن ينتظر النتائج.

وعلى كل حال لم يعد في الوقت متسع.

في صباح يوم الجمعة ، قُرابة الساعة العاشرة ، استقبل «لين تشي» الصحفيين في مقهى يقع خارج منطقة المستودعات. فلم يكن كل من يعمل في تلك المنطقة يرتدي البذلة الزرقاء الموحدة ؛ فبعض العاملين ممن يتمتعون بخلفية مالية كانوا يتواجدون هناك أيضاً. فالمستودعات أماكن معقدة ؛ قد تحوي بين جدرانها القمامة والأشياء الزهيدة ، بقدر ما تحوي البضائع ذات القيمة.

وهذا التنوع هو ما شكل طبيعة العاملين في المستودعات ؛ لذا لم يكن غريباً أن ترى شخصاً يقتل الوقت بالقهوة والمأكولات الخفيفة بالقرب منها.

في هذه المرة ، دعا «لين تشي» ست صحف محلية من مدينة «سابين» ، بما في ذلك صحيفة متخصصة في نشر صور الفتيات اللواتي يقعن في المحظور. ورغم أن التماس الرذيلة يُعد عملاً غير قانوني في مدينة «سابين» إلا أن نشر تلك الصور والمقالات وإرفاق المعلومات الشخصية لا يخالف القوانين واللوائح المرعية في المدينة ، ولا الاتحاد ، ولا قطاع النشر.

بالإضافة إلى الصحف المحلية ، حضر مراسلون من عاصمة الولاية ووسائل إعلام رائدة من مدن أخرى. حيث كان لدى «لين تشي» طموحات عريضة ؛ فلم يرد إنشاء شركة لتجارة السلع المستعملة في «سابين» فحسب ، بل أراد توسيع نطاق عمله ليشمل الولاية بأكملها وما وراءها. لذا كان الترويج لأول حدث تجاري له أمراً بالغ الأهمية.

فعندما يطالع الناس أخباراً تثير اهتمامهم في الصحف ، سيتوقعون إقامة هذا الحدث محلياً ، أو على الأقل سيفكرون في حضوره ليروا إن كان يرقى إلى التوصيفات الإيجابية التي قرأوها. أما إذا لم يجدوا سوى الانتقادات ، فقد يفقدون اهتمامهم ، وحتى لو كان الحدث قريباً منهم ، فقد لا ينوون المشاركة.

الانطباعات الأولى حاسمة ، ولهذا السبب تواصل «لين تشي» بفاعلية مع هذه الوسائل الإعلامية ، آملاً في الحصول على تغطية إيجابية.

ولعل السبب في ترك الصحفيين انطباعاً جيداً عنه هو أنه تكفل بنفقاتهم ومنحهم بدلاً يومياً قدره ثلاثون دولاراً. وبجانب المال ، اشترى «لين تشي» مساحات إعلانية في صحفهم ، وهو ما دفع هذه الصحف لإرسال مراسليها.

باختصار كان «لين تشي» ممولاً سخياً ، وقد صار ذلك هو الانطباع الأول لدى أصدقائه الصحفيين. حيث كان هذا اللقاء بمنزلة مقابلة شخصية مصغرة ؛ على أن يعودوا لاحقاً إلى منطقة المستودعات لالتقاط مشاهد قبل وأثناء وبعد الحدث التجاري.

ستُرتب هذه الصور معاً لخلق تباين قوي وتأثير بصري ملفت. وحتى بدون ذلك كان القراء سيشعرون بجدية «لين تشي» تجاه هذا الأمر ؛ فهو لم يكن يهزل.

سألت مراسلة من العاصمة تمثل الصحيفة الأعلى مبيعاً في الولاية: «سيد لين تشي ، كيف تُعرف حدث تجارة السلع المستعملة الذي تنظمه ؟».

كان لكل منطقة صحيفة كهذه ، تحمل مسؤوليات جسيمة في توجيه الرأي العام ، ونشر الطاقة الإيجابية ، ومراقبة جوانب المجتمع المختلفة. بدا السؤال للوهلة الأولى فارغاً ، لكنه كان جوهرياً ؛ فقد كانت تستفسر عن موقف «لين تشي» أو عما إذا كانت هناك دوافع سياسية كامنة.

كانت هذه المراسلة ترتدي نظارة ، وبدت ملامحها صارمة. وما إن نطقت حتى استعد الآخرون لتدوين الملاحظات. حيث كانوا جميعاً زملاء مهنة ، يدركون تمام الإدراك آليات المقابلات. لطالما اعتبر الصحفيون أنفسهم طليعة العدالة الاجتماعية ، يزنون الأمور بميزان الحياد ، لكن في الواقع كانت مواقفهم منحازة سلفاً و كلٌ وفق حجم الصحيفة التي يعمل لصالحها ، متحدثين حسب ترتيب مكانتهم في القطاع.

هذه الخواطر لم تكن تدور إلا في ذهن «لين تشي». وبدون تفكير عميق ، أجاب بابتسامة مشرقة: «تحفيز السوق الراكدة ، والحفاظ على موارد المجتمع ، وتجنب الهدر غير الضروري ، وتوفير المزيد من فرص العمل للناس. و هذا ما أسعى إليه...».

كان التعامل مع هؤلاء الصحفيين بالنسبة لـ «لين تشي» أشبه بلعبة طفولية. ففي العادة ، قد تسبب الأسئلة المحرجة أو الهجومية إحراجاً كبيراً للمستجوَب ؛ لكن بالمقارنة مع الاستجوابات المتواصلة والتحقيقات القاسية التي واجهها في زنزانته الصغيرة كان هؤلاء الصحفيون كالأطفال.

«لقد كان محاطاً بحشد من الصحفيين ، يتجاذب معهم أطراف الحديث دون أدنى ارتباك. وبسحره الخاص ، استطاع أن يغزو قلوب الجميع!». هكذا علّق أحد الصحفيين على صورة التقطها له. و في تلك الصورة كان الناس يحيطون بـ «لين تشي» ، يدونون كلماته باهتمام ، وبدا وجهه الواثق والمشرق وكأنه يشع نوراً.

حتى في الصحف التي لم تكن جودة طباعة الصور فيها عالية ، بدا أن الناس يلمسون هالة خاصة تنبعث من «لين تشي». أصبحت تلك الصورة لاحقاً أهم لحظة في مسيرة ذلك الصحفي المهنية. فالحياة تنكشف أحياناً بطرق غامضة ؛ إذ لا يحتاج المرء بالضرورة إلى الانغماس المباشر في الأحداث ، فمجرد كونه مراقباً قد يكفيه لينال الشهرة.

ربما لم يدرك هو ما الذي ستمثله هذه الصورة في المستقبل. و في تلك اللحظة ، وبعد التقاطها ، عاد إلى مقعده وبدأ بتسجيل المقابلة.

لقد جعلت ثقة «لين تشي» ، وروح الدعابة لديه ، وتلك اللمحات من الحدة في كلامه ، بالإضافة إلى تواضعه الجم ، منه شخصية محبوبة. نادراً ما كانت المقابلات تنتهي بضحكات الجميع ، لكن هذه المرة ، تعالت الضحكات مراراً حتى تلك المراسلة الصارمة ضحكت عدة مرات.

بعد ختام ناجح للمقابلة ، تفاجأهم «لين تشي» بهدية. و في العالم الذي جاء منه كان هذا ليُسمى «رشوة» ، ولكن في «اتحاد بايلور» حيث تسود البساطة لم يعتد الصحفيون الذين يعتبرون أنفسهم ممثلين للحق والعدل على مثل هذه «الأعراف» حتى أنهم شعروا ببعض الحيرة.

قال: «إنها مجرد بعض المنتجات المحلية وقليل من نفقات السفر ، وسأشعر بأسى بالغ إن رفضتم».

لامس دفؤه وإخلاصه قلوب الجميع ، وفي النهاية ، قبلوا هذه الهدية البسيطة. غادر كل منهم وفي نفسه شعور بالذنب وإحساس غامض يصعب وصفه. ومع ذلك بعد عودتهم ، اختار كل واحد منهم فعل الشيء نفسه: تعديل مسودات مقالاتهم التي كانت قد حُسمت بالفعل.

بعد توديع هؤلاء الأصدقاء من الصحفيين لم يملك «لين تشي» إلا أن يتنهد ؛ لقد كان عصراً طيباً حقاً. ففي عالم آخر ، وبسبب نقص نفقات السفر كانت تحدث مواقف يلقي فيها الصحفيون بالأشياء على منصة المؤتمر. و لقد أحب هذا العالم.

في فترة ما بعد الظهيرة ، جاءه شخص لم يتوقعه. عرّف الرجل عن نفسه باسم «فيرال» ، وادعى أنه أحد مرافقي عمدة مدينة «سابين». كان رجلاً في الثلاثينيات من عمره ، يبلغ طوله حوالي خمسة أقدام وسبع بوصات ، وهو طول يُعتبر فارعاً في ذلك العصر. حيث كان شعره خفيفاً بعض الشيء ، ويعاني من انحسار شديد في منبت الشعر.

قال وهو يضع منشوراً ترويجياً على المكتب ويدفعه باتجاه «لين تشي»: «سيد لين تشي ، لقد لاحظت هذا الشيء...».

أمسك «لين تشي» بالمنشور ونظر إليه ؛ كان منشوراً ترويجياً قد طبعه بنفسه ، فسأل بشيء من الارتباك: «حسناً ، هل هناك خطب ما فيه ؟».

ابتسم «فيرال» بثقة ، لكن ثقته كانت تختلف عن ثقة «لين تشي». كانت ثقة «فيرال» متعالية ، تشوبها نظرة ازدراء ، وليست تلك الثقة النابعة من اقتناع داخلي. و لقد استمد «فيرال» ثقته من السلطة التي كانت يمتلكها بشكل مباشر أو غير مباشر.

قال وهو ينظر إلى المنشور ويقرأ: «لاحظت أنك ستنظم... مزاداً لتجارة السلع المستعملة في منطقة المستودعات غداً بعد الظهر... أليس هذا صحيحاً ؟».



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط