لا تزال العاصفة التي أثارها مقتل «ريتشارد» محتدمة ؛ فبالنسبة للنبلاء ، لا يعني موت فردٍ واحدٍ شيئاً يذكر ، فهم لا يكترثون لأمره ، ولا يرتضون لأنفسهم الانجرار إلى خضمه.
لكن المشكلة تكمن في أن «ريتشارد» ، وقبل أن يضع حداً لحياته ، كتب رسالة اعترافٍ كانت هي المحرك الذي جرَّ النبلاء إلى أتون هذه المعمعة. والحق يقال لم يكن في طيات تلك الرسالة ما يبعث على الذعر ؛ فقد فحصتها وزارة الداخلية ، وتسربت مضامينها حتى بات معظم النبلاء يدركون ما خُطَّ فيها.
لم تكن سوى اعترافٍ بالطمع والهوس بالمال ، اللذين دفعاه لاتخاذ قرارات متهورة ، مع تفصيلٍ لمشاعره من خوفٍ ويأسٍ في وجه الخراب. أما ما دفعه في نهاية المطاف إلى الانتحار ، فهو ظنه بأن هناك من يراقب مسكنه السري. و لقد أثقلت الضغوط كاهله حتى استبدَّ به اليأس ، فاختار أن ينهي حياته بيده.
لقد كانت حياته قصيرة ، ولم يترك وراءه ما يُعتدُّ به ، كما لم يشأ أن يقع في غياهب السجن ، أو يخضع للاستجواب ، أو يلقى حتفه خلف القضبان بعد أن يكابد عذاباتٍ لا تنتهي. حيث كان شنق نفسه السبيل الوحيد ليحفظ لنفسه بعض الكرامة ؛ فكانت تلك خُطوته الأخيرة في بسط سيطرته على حياته. وإلى جانب ذلك أشارت الرسالة إلى أسماء أشخاصٍ وأحداثٍ بعينها ، ككيفية استغلاله للثغرات القانونية لإدراج شركته في البورصة.
أكد خبراء الخط في وزارة الداخلية أن الرسالة تطابق خط «ريتشارد». ورغم وجود اختلافاتٍ طفيفة إلا أنها ظلت ضمن نطاق التباين المقبول ؛ فالخط يتغير بطبيعة الحال بتغير الحالة مختلة والمزاجية ، فالمرء يكتب بحرية حين يغمره السرور ، أما تحت وطأة الضغط الشديد والخوف -كما هو الحال قبيل الانتحار- فإن الخط يتغير بشكلٍ جوهري. وقد أكدت النتائج صحة الرسالة.
والأمر الأهم ، هو أن الرسالة سمَّت أشخاصاً بعينهم ، وجميعهم من مرؤوسي وزير المالية. وفي أي بلدٍ كان ، تظل الماليةُ ركيزةً قصوى. ففي الاتحاد ، تُدار عن طريق وزارة المالية ، وهو منصبٌ يعود تاريخه إلى تأسيس الاتحاد. أما في إمبراطورية «جيفرا» ، فيشرف عليها وزير المالية ، ومع ذلك لم يكن هذا المنصب دائماً رسمياً. فالسجلات تشير إلى أن الإمبراطورية لطالما كان لديها ما يسمى بوزير المالية ، غير أن الدور كان يُهمش غالباً ، إذ كان يشغله رئيس الوزراء بالتزامن مع منصبه ، وأضحى ذلك تقليداً راسخاً ؛ ففي نهاية المطاف ، يحتاج رئيس الوزراء ، بصفته المعاون الرئيسي للإمبراطور ، إلى سلطةٍ يكفىٍ للحكم بفاعلية.
لكن في السنوات الأخيرة ، ولأسبابٍ شتى ، أصبح منصب وزير المالية مستقلاً. فحيناً يعين الإمبراطور وزيراً ، وحيناً لا يفعل. ونتيجة لذلك تذبذبت سلطة رئيس الوزراء ؛ فبدون موافقة وزير المالية ، تظل أفكاره حبراً على ورق. حيث كان بوسع وزير المالية أن يشلَّ حركة رئيس الوزراء تماماً ، ولا يعترف النبلاء برئيس وزراءٍ كصاحب سلطةٍ حقيقيةٍ إلا إذا تقلد حقيبة المالية. وبدونها ، يغدو رئيس الوزراء مجرد واجهة ، يحتاج لموافقة الإمبراطور ، ثم موافقة وزير المالية الذي قد يرفض خطته ، وفي نهاية المطاف ، تصبح القرارات بيد الإمبراطور ووزير المالية ، مما يجعل من رئيس الوزراء مجرد دميةٍ للاحتفالات.
والآن ، بعد أن ذُكر أسماءُ عددٍ من كبار مساعدي وزير المالية في رسالة انتحار «ريتشارد» ، انقضَّ القويتقراطيون كالقروش التي شمَّت رائحة الدم. سارع رئيس الوزراء إلى القصر ، ولا أحد يدري ما الذي دار بينه وبين الإمبراطور ، لكن في اليوم الثالث بعد الواقعة ، ظهر في المجلس الخاص. ولما كان «لينش» ممنوعاً من مغادرة الجزيرة ، ولم يكن لديه ما يشغل وقته ، فقد اتجه هو الآخر إلى المجلس الخاص.
كان العديد من النبلاء النافذين ينظرون إلى المجلس الخاص بوصفه داراً للمتقاعدين ؛ فالنبلاء هنا لا يملكون سلطةً حقيقيةً ، ولا عائلاتهم كذلك فقد أُقصوا منذ أمدٍ بعيد عن مركز القرار ، والأمور تزداد سوءاً. فبعد سنواتٍ قليلة ، قد لا يُتاح لهم حتى حقُّ رؤية الإمبراطور. و لقد صاروا فعلياً أناساً عاديين يحملون ألقاباً نبيلة ، لا يحكمون شيئاً. وهؤلاء الحكام السابقون ، المنفيون أبداً عن التأثير ، هم أشد الناس هوساً بالسلطة وضغينةً تجاهها ، ويمكنك أن تلمس ذلك في طريقتهم المستمرة في إثارة القلاقل للإمبراطور -رغم أنهم يوارون ذلك ببراعة.
وصل رئيس الوزراء قرابة الظهيرة ، وهو وقتٌ مبكرٌ جداً لا يتواجد فيه أحد. فمعظم النبلاء لا ينهضون من فراشهم قبل التاسعة والنصف صباحاً ؛ فاليقظة قبل التاسعة أمرٌ لا يُتصور. وبعد روتينهم الخفيف من تنظيفٍ وتجميل ، يتجمعون في المجلس الخاص ، يتبادلون الأحاديث ، ويستمتعون بغداءٍ فاخرٍ مجاني ، ثم يقضون بقية الظهيرة في القيل والقال ، وتلك هي حياتهم ؛ حياةٌ يحلم بها عامة الناس ، ويعيشها النبلاء بمرارةٍ صامتة.
أحدث وصول رئيس الوزراء جلبةً بسيطة ، فهي المرة الأولى منذ أكثر من عقدٍ يظهر فيها في هذا المجلس المنسي. وبدا الذهول جلياً على كبار النبلاء. لم يطل بقاؤه ؛ إذ تجول في المكان مع بضعة نبلاء كبار ، ثم طلب من الجميع تجنب الخروج ، لعدم أمان الأوضاع ، ثم انصرف. بدا الأمر وكأنه جاء ليُري وجهه فحسب ، لكن بصمته كان قد قال كل شيء.
لم يمتلك النبلاء سلطةً ، لكن ذلك لا يعني افتقارهم للحس السياسي. قد يبدو الأمر متناقضاً ، لكن السلطة والسياسة ليستا شيئاً واحداً ؛ فعند حسن استخدامه ، قد يكون الحنكة السياسية أكثر فاعلية من السلطة الخام. وفي الواقع حتى قبل وصول رئيس الوزراء كانوا يتناقشون حول سؤالٍ واحد: هل يمكن لهذه الأزمة أن تطيح بوزير المالية ؟
في «جيفرا» كان من النادر -بل من المستحيل تقريباً- أن يسقط نبيلٌ وراثي يمتلك سلطةً حقيقية ؛ فقد لا يحدث ذلك عبر عقودٍ أو قرون. و لكن لو سقط أحدهم ، فسيتحرر قدرٌ هائلٌ من السلطة ، والسلطة دائماً ما تذكي الرغبات. حيث كان الرأي السائد أن رئيس الوزراء سيقوم بخطوته ، وإن لم يفعل ، فسيظل مجرد دمية ، يحضر الفعاليات باسم الإمبراطور ، ويردد آراء الآخرين ، دون أن يكون له رأيٌ مسموع. لن يصبح رئيس وزراءٍ حقيقياً إلا بوضع يده على الخزانة. ولتحقيق ذلك يحتاج إلى دعم الإمبراطور ، واعتراف النبلاء ، كما يتحتم عليه إقناعهم بأن إهدار السلطة المالية سيؤدي إلى كارثة ، ليضغط بذلك على الإمبراطور ليمنحه السيطرة.
لن يكون هذا بالأمر الهين ؛ فعليه محاربة وزراء آخرين -كوزير الحربية الذي يرغب في الخروج وليس له وجهة ، أو أعضاء المجلس الخاص من ذوي الألقاب بلا سلطة ، وبالطبع ، الإمبراطور نفسه. حتى عامة الناس يدركون أن من يمسك بزمام المال هو ربُّ البيت. و لقد أراد الإمبراطور السيطرة على الخزانة ، ولذلك جُعلت وزارة المالية مستقلةً في المقام الأول. سيحتاج رئيس الوزراء لهزيمة الفصائل الثلاثة ليصبح المستشار الحقيقي للسلطة. و لقد كان ظهوره إعلاناً عن نيته.
خلال صالون الظهيرة ، صار هذا هو الموضوع الرئيسي للنقاش. و قال نبيلٌ يبدو في الأربعين ، رغم أنه قارب الستين ، مقدماً ما بدا تحليلاً ثاقباً: «لا أعتقد أن وزير المالية سيُطاح به بهذه السهولة.. نعلم جميعاً أن القرار النهائي يعود لجلالته ؛ فإذا اختار غض الطرف ، أو حتى ضحى بمرؤوسي وزير المالية لحمايته ، فقد يخدم ذلك مصالح الإمبراطور بشكلٍ أفضل». وأضاف: «بمجرد إزاحة هؤلاء المرؤوسين واستبدالهم برجالٍ موالين له ، يمكن للإمبراطور تهميش وزير المالية وإحكام قبضته على الخزانة».
لاقى هذا الرأي توافقاً واسعاً ؛ فلو أمسك الإمبراطور بالخزانة بين يديه ، لامتلك عملياً أدوات الديكتاتورية. ومع سيطرته على الجيش والخزانة وتحالفه مع النبلاء ، قد تشهد الإمبراطورية أقوى ملكٍ في تاريخها. وبينما كانوا يتناقشون كان النبلاء يتحدثون عن الإمبراطور ووزرائه دون أي ترددٍ أو خوف ، بنفس العفوية التي يناقشون بها أي نبيلٍ آخر.
قاطعهم أحدهم: «إذا كنا نرى كل هذا قادماً ، ألا تظنون أن الوزراء يرونه أيضاً ؟». كانت هذه هي الغاية من الصالون ؛ التعبير عن الأفكار وتبادل الآراء بحرية. أومأ النبلاء من حوله بالموافقة ؛ فقد كان ذلك صحيحاً. فلو تضخمت سلطة الإمبراطور ، فهذا يعني انكماش سلطة النبلاء. أحياناً يصطف النبلاء مع الإمبراطور ، خاصة عند مواجهة خصمٍ سياسيٍ قويٍ كوزيرٍ ذي نفوذ ، وفي أحيانٍ أخرى ، يتكاتف النبلاء لاحتواء نفوذ الإمبراطور ومنع ظهور طاغية.
في نهاية المطاف ، الأمر كله يتمحور حول السلطة ؛ فهي محدودة ، وكلما تفرقت قلَّ نصيب كل فردٍ منها. لا أحد يرغب في أن يظل مقهوراً للأبد ، لذا يجب توزيع السلطة ؛ لا إفراط ولا تفريط ، توازنٌ دقيق. وإذا ما أظهر الإمبراطور علامات السعي نحو سلطةٍ مطلقة ، فمن المرجح أن يتحد الوزراء ضده.
طوال الظهيرة ، انخرط النبلاء في نقاشٍ حيويٍ ومكثف ؛ كان ذلك مصدر بهجتهم ، وإشارةً إلى أن بعضهم قد يعود قريباً للمسرح السياسي بسبب هذا الاضطراب. أما «لينش» ، بصفته غريباً ، فقد جلس صامتاً على الهامش ، ولم يسأله أحدٌ عن رأيه ؛ فهو كحديثِ عهدٍ لا يألف أسماء معظم النبلاء ، وسؤاله لم يكن ذا جدوى. ورغم عدم مشاركته إلا أن الاستماع إلى أحاديثهم ساعده تدريجياً في ربط خيوط القصة.
في التاسعة مساءً ، وفي وقت الذروة ، شنَّ برنامجٌ حواريٌ سياسيٌ هجوماً مباشراً وغير متوقعٍ على وزير المالية.