Switch Mode

كود بلاكستون 746

المواجهة +


«هذا... لا يصدقه عقل!»

في مكتبِ الفرقة التنفيذية الثانية التابع لوزارة الأمن الداخلي ، بفرع العاصمة الإمبراطورية لإمبراطورية "جيفرا " حدق "لينش " في الأوراق التي بين يديه بذهولٍ تام.

ظهرت على محياه مسحةٌ متزنة من الحزن والصدمة ؛ لا لم يكن الأمر مجرد تمثيل ، بل كان شعوراً حقيقياً نابعاً من أعماقه. و لقد كان هذا حقاً ما يخالج صدره في تلك اللحظة.

أعاد الأوراق إلى الطاولة ، ووضع ساقاً فوق أخرى ، ثم أشعل سيجارة.

لم يكن "لينش " يدخن طلباً لجرعةٍ من النيكوتين أو لتحفيز إفراز الدوبامين ، فما كان يحتاجه هو مجرد أداة -شيء صغير وعادي قادر على تشتيت الانتباه في أي لحظة. سيجارة ، أو قلم ، أو مقص أظافر ؛ كلها كانت تؤدي الغرض ، لكن السيجارة كانت أقل إثارة للريبة ، مما يسهل استخدامها دون لفت الأنظار.

من الغريب أن معظم الناس لا يلقون بالاً لسيجارة في يد شخصٍ ما أثناء الحديث ، بل يتجاهلون وجودها ببساطة. ولكن في اللحظة التي تتساقط فيها ذرات الرماد على الأرض ، أو على ملفٍ مهم ، أو حين تُطفأ في المنفضة ، فإنها تجذب انتباه الجميع فوراً ، ولو لثانية أو ثانيتين.

لقد كانت الحيلة تنجح دوماً ؛ إذ تبدأ عقولهم في الشرود: «هذا المعتوه أسقط الرماد على ملفي» ، أو «ألا يدرك أن الرماد على وشك السقوط ؟» ، أو أخيراً: «لقد انتهى الأمر ، كدت أفقد صوابي».

تلك الحيل الصغيرة قد تكون لها آثارٌ قوية ؛ فعندما يتشتت انتباه الناس ، غالباً ما تكون ردود أفعالهم فطرية وشبه انعكاسية. الجميع يملكون هذه الانعكاسات ، لكن الأفراد المدربين يمكنهم كبحها بالمنطق ، ولا تطفو هذه الغرائز إلى السطح إلا حين يتذبذب تركيزهم.

كذلك الأفكار -الأفكار الحقيقية- لا تظهر فجأة ، بل تتبع دائماً مساراً زمنياً ، وهذا المسار يمكن مقاطعته. حيث تماماً كأم تمشي نحو طفلها وهي تحدثه ، فإذا طلب منها تكرار ما قالت ، ربما تنسى في تلك اللحظة ما كانت تقوله أو حتى ما كانت تنوي فعله.

هذه الإلهاءات البسيطة يمكن أن تحقق النتيجة ذاتها إذا وُقِّتت بشكل صحيح.

«لا تمانع في ذلك أليس كذلك ؟» رفع "لينش " سيجارته ، فأومأ مدعي عام الشؤون الداخلية الجالس أمامه نفياً.

كان مدعو الشؤون الداخلية فئةً خاصة ؛ يشبهون "مجلس الأمن " ينصب تركيزهم على القضايا التي تهدد الأمن القومي ، لكن اختصاصهم يقتصر على الشؤون الداخلية التي يطالها المسؤولون الحكوميون أو النبلاء. وإذا لم يكن هناك مسؤولون أو نبلاء متورطون ، تُحال القضية إلى "الوحدة السابعة للشرطة " -الذين يُشار إليهم غالباً بـ "كلاب الإمبراطور ".

كان "الجيفريون " غريبي الأطوار في هذا ؛ فهم يقدسون إمبراطورهم ويعشقونه ، ومع ذلك يُظهرون أحياناً تهكماً شديداً ، وهذا التناقض جزء لا يتجزأ من طبعهم الوطني.

«البارون "لينش " هل تعرف هذا المدعو "ريتشارد " ؟» كان تعبير المدعي العام محايداً ، كشخص استيقظ للتو من نومه ؛ لا مشاعر ، ولا إشارات تدل على ما يدور في خلده.

أومأ "لينش " برأسه ، والتقط الأوراق مجدداً ليلقي نظرة عليها: «كان "ريتشارد " يوماً شريكاً لي في العمل ، لكننا توقفنا عن العمل معاً لاحقاً بسبب...» -هز رأسه- «...بعض الاختلافات في الرؤى».

«ألا تظن أنني الفاعل ، أليس كذلك ؟» ضحك "لينش " ضحكة عالية ومريحة لم يظهر عليه فيها أدنى توتر.

جعل هذا الرد المدعي العام يدرك أنهم إذا كانوا يتعاملون مع الفاعل الحقيقي ، فهم أمام خصمٍ صلب لا يستهان به ؛ فقد تصرف كشخص خضع لتدريب احترافي ، فلا أثر للتوتر في عضلات وجهه ، ولا في عينيه ، ولا في حدقتيه ، ولا في تعبيراته الدقيقة. لا شائبة فيه.

وهذا يعني أحد أمرين: إما أنه بريء ، أو أن الأمر برمته حُبِك بدقة متناهية.

لكن الأمر لم يكن منطقياً تماماً ؛ فقد قرأ المدعي العام ملف "لينش " ولم يكن الرجل مدرباً على يد أجهزة المخابرات الفيدرالية ، فسجل حياته موثق بشكل مفصل للغاية ، لدرجة أنه لا يمكن لأي عميل استخبارات حقيقي أن يزيفه بهذا القدر من الإتقان.

يغطي ملفه كل خطوة في حياته ، وصولاً إلى المدرسة الثانوية التي درس فيها والفئة التي كانت ينتمي إليها. أي محقق يمكنه التواصل مع زملائه القدامى أو آبائهم ، وإطلاعهم على صور للتحقق من هوية "لينش ". ومع طرح الأسئلة الصحيحة وفي الإطار الزمني المناسب ، يسهل التأكد مما إذا كان قد اختفى يوماً أو تواصل مع جهات معينة.

عادةً ما تكون خلفيات الجواسيس غامضة ، وليست بهذا التفصيل والاتساق.

بالطبع ، ما لم يكن يعلمه المدعي العام هو أن "لينش " خضع في عالم آخر لأقسى أنواع الاستجوابات ونجا من أكثر من اثنتي عشرة تقنية تعذيب ؛ لذا لم يكن هذا المستوى من الأسئلة بالنسبة له سوى دردشة عابرة.

استعاد المدعي العام تركيزه ، وأخرج بعض الصور ووضعها على المكتب: «بعد وصولك إلى الإمبراطورية ، التقيت بـ "ريتشارد " عدة مرات. عَمَّ كنتما تتحدثان ؟»

ألقى "لينش " نظرة على الصور ؛ كانت واضحة ، وزوايا التقاطها دقيقة ومصممة لتسليط الضوء على وجهه ، ورغم أنها التقطت له كان "ريتشارد " يظهر فيها أيضاً.

«لقد قلت ذلك بالفعل ؛ لقد أنهينا شراكتنا في الاتحاد بسبب اختلافات. وحين أتيت إلى هنا من أجل مراسم النبلاء ، تصادف أن التقيت به ، فتبادلنا أطراف الحديث».

«ألا تظن أنني من النوع الذي يتمنى دائماً أن ينتهي الحال بشركائه السابقين إلى السوء أو الإفلاس ، أليس كذلك ؟»

ارتسمت على وجهه الصافي ابتسامة طبيعية توحي بالثقة: «سمعت للتو أن شركته ستطرح أسهمها للاكتتاب العام ، فباركت له نجاحه».

حدق المدعي العام في "لينش " ولما رأى أن مسار الأسئلة الحالي لا يؤدي إلى نتيجة ، قرر تصعيد الأمور: «عثرنا على رسالة في جيب سترة "ريتشارد ". هل تود معرفة ما كُتب فيها ؟»

أومأ "لينش ": «أنا فضولي لمعرفة ذلك».

«ألا تود قراءتها ؟» تابع المدعي العام بسرعة ، محاولاً قطع الطريق على "لينش " ليفكر.

لكن تلك الحيلة...

استجاب "لينش " بالسرعة ذاتها: «هل يمكنك عرض دليلٍ رئيسي كهذا على مدنيٍّ هكذا ببساطة ؟»

قال المدعي العام: «أم أنك تعلم بالفعل ما كُتب فيها ؟»

ضحك "لينش " مجدداً: «لا ينبغي أن تعمل مدعياً عاماً ، ربما ساحر أو قارئ غيب يناسبك أكثر».

لم يتجنب أي منهما نظرة الآخر ، ولكن في تلك اللحظة ، اتجه انتباه المدعي العام إلى ذرة رماد سقطت على الطاولة. وفي تلك اللحظة الخاطفة -أقل من نصف ثانية- انكسر تواصل البصر بينهما ولم يلتقيا مجدداً.

كان الأمر مقلقاً ؛ ظل المدعي العام يشعر بعدم الارتياح تجاه "لينش ". عقد حاجبيه قليلاً وعاد إلى أفكاره ؛ كان "لينش " نبيلاً ، ورغم أن الشؤون الداخلية تستهدف النبلاء والمسؤولين إلا أنه بدون أدلة قوية لا يمكنهم المساس بأحدٍ منهم. وإلا ، إذا أثار نبلاء المجلس الخاص ضجة ، فسيتعين حتى على الإمبراطور التراجع.

جعل هذا التبادل السريع المدعي العام يعيد حساباته ؛ كان ينوي طرح أسئلة أكثر هجومية ، لكنه أدرك أن الوقت ليس مناسباً.

«البارون "لينش " هذه القضية تمس الأمن القومي. حتى تنتهي التحقيقات ، لا يُسمح لك بمغادرة الإمبراطورية. و آمل أن تتفهم ذلك».

«إذا استجد أي شيء ، فسأتواصل معك. وبالطبع ، إذا عثرت على أي خيوط أو معلومات مفيدة ، لا تتردد في دعوتى بـ».

ناول المدعي العام "لينش " بطاقة عمله. أطفأ "لينش " سيجارته في المنفضة بهدوء ، ووضع البطاقة بعناية -أو على الأقل جعل الأمر يبدو كذلك-.

«حسناً إذن ؟» تحدث "لينش " بنبرة توحي بأن الوقت قد حان لإنهاء الأمر.

لم يكن المدعي العام متحمساً لإنهاء الاستجواب ؛ فالأيام الثلاثة الأولى بعد وقوع القضية هي النافذة الذهبية لحلها. و إذا لم يُقبض على المشتبه به خلال تلك الفترة ، تفقد الأدلة قيمتها ، ويصبح الجاني أكثر ثباتاً نفسياً ويصعب النيل منه.

لكن بعد أن أُحبطت محاولتاه لفرض الضغط ، أدرك المدعي العام أن الاستمرار بلا جدوى. نهض ورافق "لينش " إلى الباب: «شكراً لتعاونك يا بارون "لينش ". أعتذر عن استهلاك وقتك الخاص».

لم تفارق الابتسامة وجه "لينش " وصافح المدعي العام بحركة خفيفة وعفوية: «قد لا أكون مواطناً في الإمبراطورية ، لكنني أحترم قوانينها وأهتم بأمنها. و إذا احتجت إلى أي شيء مني ، فلا تتردد في الاتصال».

«أنت بالتأكيد تعرف رقم هاتفي». كانت هناك لمحة خفيفة من السخرية في صوته ، لكنها لم تكن فجة.

لم يعطِ "لينش " المدعي العام بطاقته ، ولم يزوده بعنوانه أو رقم هاتفه ، لكن كلاهما كان يعلم أن "لينش " لم يكن مخطئاً.

أومأ المدعي العام وأفلت يده.

بينما كان يراقب ظهر "لينش " وهو يبتعد ، ظل المدعي العام مقتنعاً بأنه ، مهما حدث ، فإن "لينش " متورط في هذه القضية.

لقد تسببت وفاة "ريتشارد " في اضطرابات هائلة ؛ فبعد طرحها للاكتتاب العام ، وصلت القيمة السوقية لشركة "هارموني كابيتال " إلى ما يقرب من 600 مليون (جيل) ، وكانت الجولة الخامسة من سندات الذهب لا تزال تباع بجنون.

والآن ، ظهرت تقارير تفيد بأن "هارموني كابيتال " زورت بياناتها ، وربما كانت تدير عملية احتيال على مستوى عالٍ ، وأن أكبر مساهم فيها قد انتحر بدافع الشعور بالذنب ، مما أدى إلى زعزعة الأمة بأكملها.

بدأت الاحتجاجات بالفعل في العاصمة ، حيث طالب الناس الحكومة باستخدام أموال "هارموني كابيتال " لتعويض مشتري الجولة الخامسة من السندات. و لكن المستثمرين من الجولات السابقة عارضوا ذلك وكان الناس من جميع أنحاء البلاد يتوافدون إلى العاصمة.

لم تكن القضية تهز الإمبراطورية وحدها ، بل العالم بأسره.

في اليوم التالي ، نشرت صحيفة "ذا فيدرال تايمز " تقريراً عن الحادثة ؛ فبإضافة الخسائر في سوق الأسهم ، تسببت "هارموني كابيتال " في ثقب مالي أسود تجاوز المليار "سول فيدرالي ".

للمقارنة لم تكن ميزانية المرحلة الثانية من الغواصات في الاتحاد قد اعتُمِدت إلا بسبعمئة مليون فقط.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط